نزلى الجنين

“انزلي الجنين… أنا مش عايز الطفل ده!”
جملة قالها **أحمد** بصوت جهوري هز أرجاء المطعم كله.
وفي اللحظة اللي بعدها، رمى رزمة فلوس في وشي قدام كل الناس. الفلوس اتطوحت ووقعت تحت رجلي، حطيت إيدي على بطني بألم وأنا بحاول أحمي ابني، وإيدي التانية كانت بتترعش من الصدمة.
ولا حد اتحرك…
لا أصحابه، ولا شركاؤه، ولا حتى أمه **”الحاجة سعاد”**، اللي كانت واقفة عند الكاونتر ماسكة كوباية عصير وبتتفرج عليا بمنتهى البرود والشفاه المبتسمة بسخرية.
أنا كنت حامل من الراجل اللي لسه من بضعة دقايق كان بيتباهى بيا قدام كل اللي عازمهم.
كنا متجوزين بقالنا أربع سنين. أنا ممرضة بشتغل شيفتات طويلة ومرهقة في مستشفى حكومي، ولما كان مطعمه الصغير في بدايته بيخسر ومش لاقي يسدد إيجاره، كنت أنا اللي بشيل البيت وبصرف عليه من طاقني.
كنا بنحاول نخلف من سنتين، ولما عرفت إني حامل، افتكرت إن الطفل ده هيكون طوق النجاة اللي هيجمعنا من جديد. لكن أحمد كان طالع من فترة شكوك ودكاترة؛ التحاليل كانت بتقول إن عنده مشكلة بتقلل فرص الإنجاب، بس الدكتور عمره ما قال إنها مستحيلة.
غير إن أمه ما سابتش فرصة إلا وزرعت الشك في دماغه. كانت تقول بابتسامة صفرا:
— “هو الحمل جه في معاده مظبوط يا حبيبي؟ أصلها بتسهر كتير في شيفتات المستشفى الليلية… ويمكن في حاجات إحنا منعرفهاش!”
في الأول أحمد كان بيسكت، بس بعدها بدأ يبصلي بنظرات اتهام كأنه يدور على كدبة في وشي.
وفي يوم… فتحت درج مكتبه بالصدفة، ولقيت أوراق من مركز خصوبة، واستفسارات عن تحليل إثبات النسب، وملاحظات مكتوبة بإيده… كل ده من غير ما يواجهني بكلمة.
واجهته وقتها وقولتله بكسرة:
— “أنا مراتك… ليه بتعاملني كأني متهمة؟”
هرب بعينه بعيد وقال بجفاء:
— “أنا بحاول أصدقك.”
*بحاول… ماقالش إنه مصدقني.*
وبعدها بثلاث أسابيع، في حفل افتتاح الفرع الجديد للمطعم وسط رجال الأعمال والصحفيين، قربت أمه منه وهمستله بكلمتين. فجأة وشه اتغير، وبصلي كأني فضحته قدام العالم… وصرخ بالجملة اللي قطعت قلبي ورمى الفلوس في وشي.
خرجت من المطعم تحت المطر والدموع مغرقة وشي. ولا إنسان جرى ورايا. وقبل ما أوصل آخر الشارع، وصلتني رسالة من البنك بإيقاف الحساب المشترك بينا… أحمد مطردنيش بس، ده كان مرتب لكل خطوة من قبلها.
في الليلة دي، نمت في أوضة فاضية جوه المستشفى، حضنت صورة السونار ووعدت طفلي:
— “مش عارفة هعملها إزاي… بس أوعدك إني هحميك وأربيك بعيد عنهم.”
مرت تسع سنين كاملة…
تسع سنين شقاء، بشتغل صباحي وليلي، أعياد وإجازات، بحسب الجنيه قبل ما أصرفه، وأحاول أضحك قدام ابني **”يوسف”** رغم إني ساعات مكنتش عارفة هجيب أكل بكرة منين.
أما أحمد… فبقى من أشهر أصحاب المطاعم في مصر، صوره في المجلات والتلفزيون، وجوايز النجاح بتزيد كل سنة… لكن ولا مرة افتكر يسأل عن ابنه.
يوسف كبر وبقى نسخة طبق الأصل من أحمد: نفس الشعر الأسود الغزير، نفس رسمة العينين، وحتى طريقة فرك حاجبه لما يركز. ورث منه كمان حاجة كنت بحاول أهرب منها… حب البيانو؛ كان بيعزف بإحساس غريب يلمس الروح.
وفي يوم، وأنا برتب أوراق قديمة بعد نقلنا لشقة جديدة، وقع في إيدي ظرف مقفول متبعت على عنواننا القديم وقت حملي، ومحدش فتحه من يومها.
تحت تأثير الفضول فتحته… وكانت الصدمة.
جواه نتيجة تحليل إثبات نسب وتقارير مؤكدة من مركز الخصوبة، ومعاهم ملاحظات مدونة باسم **الحاجة سعاد**!
قريت الورق ورجليا خانتني، قعدت على الأرض ومش قادرة أتنفس… تسع سنين، وكان في حد عارف الحقيقة كاملة وساكت! حقيقة كانت كفيلة تغير حياتنا كلها، بس الست دي فضلت دمارنا على حقيقة ابنها.
ماكلمتش أحمد… لسه.
بعد أسبوعين، المدرسة أعلنت عن حفلة خيرية للمواهب الموسيقية، واختاروا يوسف يعزف بيانو. ولما قريت عنوان الحفلة، قلبي اتخلع من مكانه…
المكان كان مطعم **”فحم ونار”**… أكبر وأفخم مطعم يملكه أحمد.
فكرت أمنع يوسف، بس بالليل لقيته قاعد قدام لوحة مفاتيح ورقية رسمها بنفسه، بيحرك صوابعه في الهوا بتركيز وابتسم لي:
— “ماما… هتحضري معايا وتشوفيني وأنا بعزف، صح؟”
في اللحظة دي، عرفت إن أخطاء الكبار مينفعش تسرق حلم طفل.
ليلة الحفل…
دخلت المطعم ماسكة إيد يوسف اللي كان طالع زي الأمراء ببدلته الكحلي.
أحمد كان واقف بعيد بيبتسم وسط مستثمرين وصحفيين… رفع عينه، شافني… وبعدين نزل بعينه ليوسف.
في ثانية… كوباية العصير اللي في إيده وقعت اتكسرت على الأرض.
المطعم كله سكت.
فضل مشدوه يبص ليوسف… للشعر، للعينين، للملامح، وللتفاصيل اللي بتصرخ باسمه. كأن كل ثانية بتمر بتهدم الكدبة اللي عاش فيها تسع سنين.
يوسف وقف جنبي باستغراب وهو مش فاهم حاجة، أما أحمد فوشه اتخطف وبقى شاحب زي الأموات، شفايفه بتترعش، وبصوت مكسور ومخنوق قدر يخرج سؤال واحد:
— “اسمه… إيه؟”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *