صينيه القهوة
بدور نزلت على ركبها، دموع التماسيح اتقلبت لبكا حقيقي وانهيار لما حست إن حبل المشنقة لف خلاص:
— مكنتش هأذيه يا حمزة! والله العظيم نقطة واحدة بس عشان يسخن وتجيلنا.. أهلي كانوا عايزين يجوزوني لراجل غريب وياخدوه مني! كنت خايفة.. كنت خايفة يبعد عني وعنك!
حمزة رفع إيده ونزل بكف خلى صوت الصدمة يرن في حيطان السرايا، بدور وقعت على جنبها وهي بتصرخ، بس هو كان واقف فوقيها كأنه جبل بيهد:
— أنتي متبقيش أمه.. أنتي حية، والحية ملهاش عيشة بين البني آدمين!
التفت حمزة للغفير اللي كان واقف على الباب مبرق من هول اللي بيحصل، وزعق بصوت شق سقف السرايا:
— خد الست دي واقفل عليها في أوضة الخزين اللي في الجنينة لحد ما البوليس والنيابة يجوا يشيلوها من هنا بتهمة الشروع في قتل ياسين.. ارميها برة بيتي!
بدور صرخت وبدأت تعفر في الأرض وهي بتبص لنور بحقد وغِل:
— والله ما هسيبك يا نور! مش هتهني بيه ولا بالسرايا!
الخدم سحبوها لبرة وصوت صريخها كان بيبعد شوية بشوية لحد ما الباب الحديد اتقفل وراها، وساب وراه هدوء تقيل يقطع الأنفاس.
حمزة فضل واقف مكانه، ضهره محني، بيتنفس بصعوبة كأن جبل انزاح من على صدره بس ساب مكانه نزيف. التفت ببطء، بص لنور اللي كانت لسه واقفة في مكانها، عيونها مليانة عزة ونصر، بس من غير أي شماتة.
حمزة بلع ريقه المر، وخطى ناحيتها خطوتين وهو مكسور العين لأول مرة في حياته قدام حد:
— نور.. أنا..
نور رفعت إيدها بهدوء ووقفته مكانه، وبصتله بنظرة خلت الكلمات تموت في حلقه:
— متقولش حاجة يا حمزة.. الولد ملوش ذنب في قذارة الكبار، أنا طالعة أشوف ياسين وأغيرله كماداته.. أما أنا وأنت، فحسابنا لسه مخلصش، والبنا برضه هيجي بكرة الصبح يهد الباب ده ويبنيه بالطوب.. لإن اللي انكسر بيني وبينك، مش هيتصلح بفضيحة بدور.
لفت نور ضهرها وطلعت السلم، تاركة حمزة المنشاوي واقف في نص صالته، كبير عيلته وسيد أرضه، بس عاجز تماماً قدام ست واحدة عرفت تكسر كبريائه وتثبتله إن بنت الأصول مش صيد سهل يترمي في الهامش.
طلعت نور درجات السلم بخطوات ثابتة، ودخلت أوضة ياسين.
الأوضة كانت هادية، ريحة المطهرات فيها تخنق، والولد الصغير نايم على السرير، وشه شاحب زي القطنة، وجفونه بتترعش من بقايا السخونية، والإبرة بتاعة المحلول مغروزة في كف إيده الصغير المليان براءة.