حضرتك استاذة ندى
روايات مشيره محمد
حضرتك أستاذة ندى الشافعي؟
صوت الممرضة كان جاد ورسمي جداً.
أيوه، مين معايا؟
أنا بكلمك من مستشفى قصر العيني. عندنا ولد صغير هنا في الطوارئ، وحضرتك المكتوبة باسم الكفيل الأول ورقم الطوارئ بتاعه.”
مسكت التليفون بذهول: “نعم؟ حضرتك فاهمة غلط، أنا عندي 32 سنة ومفيش عندي عيال أصلاً! اكيد فيه تشابه أسماء.حكايات_مشيره_محمد
سكتت الممرضة لحظة وقالت بصوت هادي: “الولد مش راضي يبطل عياط وممصم يتكلم معاكي إنتي بالذات.. ياريت تيجي بسرعة.”
قلبي وقع في رجلي: “مين اللي دالكم عليا؟”
”الولد جه بعد حادثة عربية صعبة على الطريق الدائري. هو فايق بس مرعوب، وكتابة اسمك الكامل ورقم تليفونك وعنوان بيتك بالقلم الجاف الجاف مكتوبين على بطانة الجاكيت بتاعه من جوه!”
مشيت من البيت في ثواني، ودخلت المستشفى ورجلي بالعافية شايلاني من الخوف.
أول ما وصلت، الممرضة جرت عليا وقالتلي: “كويس إنك جيتي.. هو في أوضة 12. بس قبل ما تدخلي، تعرفي ولد اسمه “عمر”؟ أو ست اسمها “مريم”؟حكايات_مشيره_محمد
الاسم نزل عليا زي الصاعقة.. مريم! الاسم ده مسمعتوش من أكتر من 12 سنة كاملة!
رديت بذهول وصوت مخنوق: “أنا… كنت أعرفها.”
الممرضة بصتلي باهتمام: “عمر بيقول إن مريم دي أمه.”
حسيت إن الدنيا بتدور بيا. مشيت وراها في الطرقة لحد ما دخلنا الأوضة..
كان قاعد على السرير ولد صغير وشكله حزين جداً، إيده الشمال ملفوفة بالرباط، وشعره مبلول وعلى أورته إثارة كدمات زرقا. أول ما فتحت الباب، عينيه جات في عينيا بلهفة ورعب مش طبيعيين..
سكتنا إحنا الاثنين لثواني كأن الزمن وقف..
وبعدين قال بصوت واطي وبيترعش: “طنط ندى؟”
ريقي جف تماماً، بالعافية طلعت الكلمة: “أيوه يا حبيبي..حكايات_مشيره_محمد
شفته بدأت تترعش ودموعه نزلت: “ماما قالتلي لو حصل أسوأ حاجة في الدنيا… لازم أدور عليكى إنتي بالذات!!!
فضلت واقفة مكاني في نص الأوضة، حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي. ريحة المطهرات والدم والخوف كانت مالية المكان، بس كل ده اختفى.. ومفاضلش غير صوت الولد الصغير اللي مالي الأوضةروايات_مشيره_محمد بالنحيب، وعينيه اللي شايف فيها صورة “مريم”.. صاحبة عمري اللي اختفت من 12 سنة وكأن الأرض اتشقّت وبلعتها.
قربت منه بخطوات بطيئة ومترددة، كأني خايفة أقرب أكتشف إن كل ده كابوس. قعدت على طرف السرير الميري، ومديت إيدي بالراحة ومسكت إيده السليمة. كانت دافية وبتترعش.
”اهدى يا حبيبي.. اهدى يا عمر.. أنا معاك أهو. قولي بس إيه اللي حصل؟ وماما فين؟”
الولد انفجر في العياط، وجسمه كله كان بيهتز. مسك في إيدي بضغطة قوية، كأنه خايف لو سابني هيرجع يتوه تاني في العتمة.
”ماما.. ماما العربية تقلت بيها يا طنط.. كانت بتجري بسرعة أوي وبتبص وراها في المراية، وكانت بتعيط ومسيلي الجاكيت ده وقالتلي: (لو العربيات وقفت ومقتدرتش أقوم.. انزل واجري.. واوعى تروح لأي حد غير ندى.. ندى صاحبتي وهي الوحيدة اللي هتحميك!).”
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة في عز التلج. قلبي كان بيلف في قفصي الصدري.
”مين اللي كان بيجري وراكم يا عمر؟ قولي يا حبيبي محدش هيقدر يلمسك طول ما أنا جنبك.”روايات_مشيره_محمد
قبل ما عمر ينطق كلمة واحدة، الباب اتفتح وفاتح معاه هواء بارد من الطرقة. دخل دكتور وشاب ببدلة سمرا وشكله رسمي زيادة عن اللزوم، ومعه ظابط شرطة برتبة نقيب.
الظابط بصلي بنظرة تفحص وقال: “أستاذة ندى الشافعي؟”
وقفت ووقفت قصاده: “أيوه أنا.. خير يا حضرت الظابط؟ إيه اللي حصل لمريم؟ وأختها فين؟”
الظابط اتنهد وطلع أجندة صغيرة من جيبه: “العربية اللي كانت راكباها الأستاذة مريم انحرفت عن الطريق الدائري بعد ما اتخبطت من عربية نقل نقلت لوحاتها مش باينة. للأسف.. مريم اتوفت في مكان الحادثة.”
الكلمة طلعت منه زي الس\كينة اللي اتغرست في قلبي. مريم ماتت؟ مريم اللي قضيت معاها طفولتي وشبابي؟ مريم اللي كانت أختي قبل ما تبقى صاحبتي؟ دموعي نزلت من غير ما أحس، ومسكت في حرف الكرسي عشان ما أقعش.
كمل الظابط بصوت جاد: “بس الغريب يا أستاذة ندى.. إننا لما فتشنا عربية مريم، لقينا شنطة فيها مبلغ مالى كبير جداً بلغات أجنبية، وأوراق ملكية لشركات، وباسبورات مزورة.. والولد ده ملوش أي أوراق ثبوتية تسجل إنه ابن مريم رسمياً!”
الرجل أبو بدلة سمرا خطى خطوة لقدام، وابتسم ابتسامة باردة مفيهاش أي مشاعر، وقال: “مساء الخير يا أنسة ندى. أنا الأستاذ توفيق المليجي، المحامي الخاص بعائلة (السيوفي).. والولد ده بيخص موكلي، الأستاذ طارق السيوفي.”
عمر أول ما سمع اسم “طارق السيوفي”، انكمش على نفسه وورا ضهري وهو بيترعش وبيصرخ بصوت واطي: “لا يا طنط! لا! ماما قالتلي ده راجل شرير! ماما قالتلي أوعى تخليه ياخدك!” روايات_مشيره_محمد
مسكت عمر وحضنته بجدية، وبصيت للمحامي بنظرة كلها تحدي: “أنت مين أصلاً؟ وبأي حق جاي تاخد ولد أمه لسه ميتة من ساعتين؟”
تويق المحامي ابتسم بثقة وزرر جاكيت بدلتو: “يا أنسة ندى، بلاش ندخل في تفاصيل قانونية تتعبك. المدام مريم الله يرحمها كانت خطفت الولد ده من أبوه الحقيقي من خمس سنين، وعايشة بيه بأسماء مستعارة. الأستاذ طارق السيوفي رجل أعمال معروف، وله نفوذ، وادور على ابنه في كل مكان. والقانون بيكفل له يسترد ابنه فوراً.”
”أبوه؟” بصيت لعمر اللي كان بيهز رأسه بنفي قاطع وهو بيصرخ: “ده مش بابا! ده الراجل اللي كان حابس ماما في البيت وكان بيضربها! ماما هربتني منه!”
الظابط اتدخل وهو بيحس على ذقنه: “الحقيقة يا أستاذة ندى، المحامي معاه أمر نيابة بالتحفظ على الطفل لحين إثبات النسب، أو تسليمه لوليه الطبيعي.. وحضرتك ملكيش أي صفة قانونية تخلينا نسلمك الولد.”
الدنيا اسودت في وشي. مريم راحت، والولد الصغير ده أمانة في رقبتي. لو سبته للراجل ده أو للمحامي بتاعه، هكون خنت صاحبة عمري اللي جرت وهي بتنزف عشان تأمنه عندي.
قربت من الظابط وقلت بصوت هادي وبلهجة حازمة: “حضرت النقيب.. الولد ممدود ومصادمة عصبية وشديدة، والدكتور هنا يقدر يؤكد ده. نقل الولد دلوقتي في ظروف زى دي خطر على حياته. أنا مش هاهرب بيه.. أنا مهندسة ودكتورة جامعة وليا عنوان معروف. سيبوني أقعد معاه الليلة دي في المستشفى وتحت حراستكم، ونتقابلو بكرة في النيابة ونشوف الأوراق الرسمية.”
الظابط بص لعمر وهو شايف حالة الرعب اللي هو فيها، وبعدين بص للمحامي وقال: “الأستاذة كلامها صح يا توفيق بيه. الولد محتاج رعاية طبية لغاية بكرة الصبح. تقدر تتفضل دلوقتي، وبكرة الساعة تسعة صباحاً نتقابل في نيابة الدقي.”
المحامي بصلنا بنظرة تهديد مستترة، وقال وهو بيظبط ساعته: “تمام يا حضرت النقيب.. بس أظن حضرتك عارف عواقب التأخير بكرة.. بلاش نضيع وقت بعض يا أنسة ندى، الحصانة روايات_مشيره_محمد اللي فاكراها مش هتفيدك.” ومشي وساب الأوضة.
الظابط خرج وقفل الباب، وساب عسكري حراسة بره.
قعدت جنب عمر، وأخدته في حضني. الولد كان بيعيط بانهيار. مسحت دموعه وقعدت أهديه: “خلاص يا عمر.. محدش يقدر ياخدك مني. أنا معاك.. قولى بقى، إيه اللي حصل؟ وماما كانت مستخبية فين طول السنين دي؟”
عمر بدأ يتكلم بصوت متقطع، والقصة كانت زي الأفلام:
“ماما زمان كانت شغالة سكرتيرة عند طارق السيوفي ده.. وبعدين اكتشفت إنه بيعمل حاجات مش صح، وبيزوّر أوراق ويتاجر في حاجات ممنوعة. لما جيت أنا الدنيا، عرفت إن طارق عاوز يستغلني عشان يقفل بيه ق\ضية كبيرة أو يقايض بيه ناس ثانية.. ماما خافت عليا وهربت بيا في نص الليل. عشنا كل السنين دي بنغير بيتنا كل ست شهور، وبنغير أسمائنا.. ماما كانت بتشتغل في الترزية والتدريس عشان تصرف عليا.”
دموعي نزلت وأنا بستمع. مريم.. صاحبتي الجدعة اللي كانت أرق إنسانة في الدنيا، عاشت 12 سنة في جحيم ومطاردة عشان تحمي ابنها!
كمل عمر وهو بيطلع سلسلة صغيرة من رقبة الجاكيت بتاعه: “ماما قبل ما العربية تتخبط، طلعت دي من رقبتها وحطتها في جبي.. وقالتلي (دي الفلاشة اللي عليها كل حاجة.. لو ندى أخدتها، هتعرف تحميكي وتودي طارق السجن).”
مسكت الفلاشة الصيرة بذهول. الفلاشة كانت مفتاح اللغز! مريم متحركتش لندى مجرد ملجأ، مريم سابتلي السلاح اللي أقدر أدافع بيه عن عمر وأجيب حقها!
سحبت تليفوني بسرعة، وطلبت رقم أحمد.. أحمد صاحبي من أيام الكلية، وشغال محامي شاطر جداً في القضايا الجنائية ومعروف بجدعنته.
”ألو.. أحمد؟ أسفة إني بكلمك الفجر كده.. بس أنا في مصيبة ومحتاجة مساعدتك فوراً.”روايات_مشيره_محمد
أحمد أول ما سمع صوتي المذعور قال: “ندى؟ خير في إيه؟ إنتي كويسة؟”
حكيت له كل حاجة في خمس دقايق.. عن مريم، وحادثة الطريق الدائري، وعمر، والمحامي توفيق المليجي، والفلاشة.
أحمد سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة جادة جداً: “ندى.. اسمعيني كويس. طارق السيوفي ده من أكبر حيتان البلد، وليه معارف في كل مكان. لو المحامي عرف إن معاكي الفلاشة دي، حياتك وحياة الولد هتبقى في خطر حقيقي. إنتي فين دلوقتي؟”
”في قصر العيني.. قسم الطوارئ.”
”أنا جاي لك في الطريق. إياكي تطلعي الفلاشة دي أو تحطيها في أي جهاز في المستشفى! استنيني لما أجيلك.”
بعد نص ساعة، أحمد كان وصل. راجل في الثلاثينيات، ملامحه جادة وعينيه حادة. دخل الأوضة وبص لعمر بابتسامة دافية عشان يطمنه، وبعدين بصلي وقال: “هاتي الفلاشة.”
ديتهاله. طلع لابتوب صغير من شنطته، ووصل الفلاشة بشبكة خاصة ومشفرة عشان محدش يقدر يتتبعنا. فتح الفايلات، وعينينا اتسعت من الصدمة.
الفايلات كانت بتضم تسجيلات صوتية، وصور لمستندات تزوير، وعمليات غسيل أموال بمليارات، والأهم من ده كله.. وثيقة رسمية بتمحو أي شبهة إن طارق هو أبوه! وثيقة بتبين إن طارق تبنى الولد بأسلوب غير قانوني من دار أيتام زمان عشان يستغله في أوراق رسمية ووراثة!
أحمد ضرب قبضة إيده على الترابيزة وقال بابتسامة انتصار: “مريم الله يرحمها كانت عبقرية! الأوراق دي مش بس بتبطل ادعاء طارق إنه أبوه.. دي تسجن طارق وتوفيق المحامي بتاعه بكرة الصبح!”
في اللحظة دي، النور في الأوضة اتقطع فجأة!
الأوضة بقت ضلمة كحل، وساد الهدوء في الطرقة بره. عمر صرخ ومسك فيا جامد.
أحمد قال بتهامس: “ندى.. اخفي الفلاشة فوراً! فيه حاجة مش مظبوطة!”
سمعنا صوت حركة بره الأوضة، وصوت العسكري اللي واقف حراسة وهو بيتكلم بحدة: “أنت مين يا جدع أنت؟ رايح فين؟”روايات_مشيره_محمد
وفجأة.. سمعنا صوت كتم صوت وسقوط العسكري على الأرض!
قلبي وقف من الخوف. طارق السيوفي مش مستني لبكرة الصبح.. بعت الناس بتوعه ياخدوا الولد والفلاشة في الضلمة!
أحمد تسحب بسرعة وورا الباب مسك كرسي حديد. وأنا أخدت عمر ورايا في زاوية الأوضة الضيقة ومسكت المشرط اللي كان على ترابيزة الغيارات الطبية.
الباب اتفتح بالراحة.. ودخل ظل راجل طويل شايل في إيده سلاح بكاتم صوت.
الراجل اتكلم بصوت واطي وخبيث: “يا أنسة ندى.. هاتي الولد والفلاشة بالسياسة بدل ما الليلة تخلص بزعل.. طارق بيه مبيحبش يعيد كلامه.”
قبل ما الراجل يكمل جملته، أحمد هجم عليه بالكرسي بكل قوته! الكرسي خبط في إيد الراجل، والسلاح وقع على الأرض وصوته يرن في الضلمة.
الراجل صرخ واندفع يضرب أحمد، والأوضة اتحولت لساحة معركة! الطاولات اتكسرت والأجهزة وقعت.
”ندى! اطلعي بعمر من هنا بسرعة! اجري!” صرخ أحمد وهو ماسك في الراجل.
مسكت إيد عمر وجريت بيه بره الأوضة في الطرقة الضلمة. المستشفى كانت فاضية تقريباً في وقت الفجر ده. كنا بنجري والولد بيعرج وبيعيط من الخوف، وأنا قلبي كان هيقف من الرعب.
سمعنا صوت خطوات ثانية جاية من أخر الطرقة.. كان فيه راجل تاني جاري ناحيتنا!
لقيت سلم الطوارئ جنبنا، زقيت الباب وجرينا على تحت. نزلنا سلمين ورا بعض، وخرجنا على الحوش الخلفي للمستشفى في عز المطر والبرد.
المطر كان ينزل بغزارة، والشارع فاضي. وقفت على الرصيف وأنا بلثغ ومش عارفة أروح فين. تليفوني كان مع أحمد جوه الأوضة!
وفجأة.. عربية سوداء زجاجها فاميه وقفت قدامنا بصوت فرامل عالي!
الباب الوراني اتفتح.. وطلع منه راجل في الخمسينات، شعره أبيض، ولابس بالطو أسود أنيق. ملامحه كانت حادة زي الصقر، وعينيه باردة كأنها مفيهاش أي روح.روايات_مشيره_محمد
طارق السيوفي بنفسه!
طارق بصلي بابتسامة خفيفة، ونزل من العربية بالراحة وهوماسك شمسية: “أهلاً يا أنسة ندى.. كنت فاكر إنك مهندسة عاقلة وبتفهمي في الأصول.. تضيعي نفسك عشان مريم اللي ماتت؟”
وقفت قدامه وبينى وبينه خطوتين، وحضنت عمر ورا ضهري: “أنت راجل مجرم! وعمر مش ابنك ولا هتقدر تلمسه! الأوراق اللي مريم سابتها معايا كفيلة توديك ورا الشمس!”
طارق ضحك بصوت واطي وصادق: “ورق؟ ورق إيه يا شاطرة؟ إنتي فاكرة إن فيه ورقة تقدر تقف قدام طارق السيوفي؟ هاتي الولد بالذوق.. وبلاش تخلي النهاية حزينة ليكي زي صاحبتك.”
إشارة من إيده، وطلع راجلين ضخام من العربية وقربوا مني.
غمضت عيني، وحسيت إن كل حاجة انتهت.. عمر كان بيصرخ وبيمسك في بلوزتي، وأنا مفيش في إيدي أي حاجة أدافع بيها غير جسدي.
وفجأة.. صرخة سرينات الشرطة مالت الشارع!
أربع عربيات شرطة دخلت الحوش بسرعة رهيبة وقفلوا الشارع تماماً! أضواء الشرطة الحمرا والزرقا كانت بتلف وتفلت الضلمة.
الظابط بتاع الطوارئ طلع من العربية ومعه عشرات العساكر المسلحين، ومعه أحمد اللي كان وشه مليان جروح وبيشاور علينا!
”حاصروا المكان فوراً! نزل سلاحك يا طارق!” صرخ الظابط في الميكروفون.
طارق اتفاجئ، وشكل الثقة اللي كان على وشه اختفى وحل محله الذهول والغضب.روايات_مشيره_محمد
أحمد جرى عليا وهو بيلهث: “ندى! إنتي كويسة؟ عمر كويس؟”
”أحمد! إيه اللي حصل؟ إزاي الشرطة جيت بسرعة كده؟”
أحمد ابتسم رغم الجروح اللي في وشه وقال: “قبل ما النور يقطع، أنا كنت رابط الفلاشة بسيرفر النيابة العامة فوراً وأرسلت بلاغ مباشر بوجود تهديد لحياة شاهد رئيسي! أول ما النور اتقطع، البلاغ اتفعل والشرطة تحركت في ثواني!”
العساكر جم وحاصروا طارق ورجالته، وكتفوهم بالكلبشات.
طارق وهو بيتسحب ناحية عربية البوليس، بصلي بنظرة غل وقالي: “فاكرة إنك كسبتي يا ندى؟ المشوار لسه طويل!”
رديت عليه بصرامة وثقة أول مرة أحس بيها في حياتي: “المشوار خلص يا طارق بيه.. ومريم خدت حقها منك خلاص.”
بعد ست شهور…
الشمس كانت طالعة ودافية في صبحة يوم جمعة جميل. كنت قاعدة في بلكونة بيتي، قدامي كوباية الشاي بنعناع، وببص على الشارع.
الباب اتفتح، ودخل عمر وهو لابس شنطة المدرسية الجديدة ولابس طقم جديد ورسمة ضحكة جميلة على وشه. إيده الشمال كانت خفت تماماً.
”طنط ندى! أنا خلصت واجبي وجمعت الشنطة عشان نروح التمرين!”
ابتسمت من قلبي، وقمت باستقبلته وأخدته في حضني.
القضايا خدت وقت، وبفضل المستندات اللي مريم سابتها، طارق السيوفي اتحكم عليه بالسجن المشدد في قضايا تزوير وغسيل أموال وخطف. وبمساعدة أحمد المحامي، قدرت أخد الوصاية الرسمية والتبني القانوني لعمر.روايات_مشيره_محمد
عمر بقا ابني.. ابني اللي مخلفتوش، بس اللي ربنا بعتهولي في ليلة مطيرة عشان يغير حياتي كلها.
بصيت لصور مريم اللي متعلقة على الحيطة في الصالة، وابتسمت لها في سري وقلت: (اطمني يا مريم.. عمر في أمان.. وأنا هكون ليه الأم والأخت والصاحبة اللي تمنيتيها ليه).
عمر مسك إيدي وقال بابتسامة: “يلا يا ماما ندى؟ هنتأخر على التمرين!”