شقه حماتي ٢

وقفت في وسط الصالة أبص على شقتي الضيقة، وأبص على نفسي في المراية.. كنت شاحبة، متبهدلة، وتعب الشقا والخدمة باين على وشي وإيديا اللي تشققت من الكلور ومية التوضيب.. وفي المقابل، ضرتي فوق قاعدة في التكييف، متنعمة بفرش جديد وتعب جاهز..
وفي اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود غريب سكن قلبي.. برود شال الدموع وحط مكانها قوة مكنتش أعرف إنها جوايا.. وقولت لنفسي: *”لأ يا رغدة.. الخمس سنين اللي ضاعوا كفاية أوي لحد كده.. واللعبة دي مش هتنتهي بالطريقة اللي هما عايزينها.”*
أخدت نفس طويل، وريحت جسمي على الكنبة.. القهرة والكسرة اللي كانوا هيموتوني من شوية اتبخروا، وحل مكانهم برود غريب، كأن قلبي جمد وبقى زي الحجر. بصيت لشنطة هدومي الكبيرة اللي تحت السرير، سحبتها وبدأت ألم فيها كل حاجة تخصني.. لبسي، دهبي، وشهاداتي.. كل حاجة بتثبت إن رغدة كانت موجودة في البيت ده.
كنت بلم حاجتي وأنا سامعة صوت ضحكهم فوق بيزيد، وصوت المعالق وهي بتخبط في أطباق الفطار.. فطارهم اللي كان المفروض يبقى من إيدي وتعب شقايا.
قليت في بالي: *”والله ما هقعدلكم فيها ثانية واحدة.. شبعوا ببعض وبشقتكم الجديدة، بس حساب الخمس سنين دول هناخده، تالت ومتلت.”*
قفلت الشنطة وسحبتها ورايا وطلعت برة الشقة. وأنا بقفل الباب، حسيت إني بقفل صفحة سوء وظلم عشتها ومكنتش شايفة حقيقتها. نزلت السلم بخطوات ثابتة وقوية، مفيش دموع، ومفيش رجفة.

وأنا بفتح باب العمارة الخارجي، لقيت حماتي نازلة على السلم تشتري حاجة. أول ما شافت الشنطة في إيدي، عينيها برقت وقالت بلهجة كلها شماتة ولؤم:
> — *”على فين يا رغدة يا بنتي؟ واخدة شنطتك ومروحة لبيت أبوكي عشان تلوي دراع يوسف؟ فكري كويس يا حبيبتي، يوسف مش هيركعلك، وعروسته الجديدة مالي مالي عينه وقلبه.”*
>
وقفت مكاني، وبصيتلها من فوق لتحت ببرود وثقة خلت الضحكة تهرب من وشها، وقولتلها بصوت هادي وراسي:
> — *”أنا مش هقعد ألوي دراع حد يا حماتي.. يوسف خلاص بقى ماضي ورخص من نظري، والشقة اللي أنا وضبتها وتعبت فيها وكنتوا بتستغفلوني عشانها.. خلوها تشبعكم.. بس افتكري كويس، دعوة المظلوم ملهاش حجاب، والقرشين اللي يوسف وفرهم من شقايا وتغفيلكم ليا.. هتدفعوا تمنهم غالي أوي ومن صحتكوا وراحتكوا.”*
>
سيبتها واقفة بوقها مفتوح ومبرقة من الذهول، وسحبت شنطتي وطلعت للشارع.. الهوا النضيف خبط في وشي،
ركبت أول تاكسي قابلني، رميت الشنطة في الشنطة ورا، وركبت وأنا حاطة راسي على الشباك وببص للشوارع وهي بتجري من جنب عيني.. لأول مرة محسش بخوف من بكرة، بالعكس، كنت حاسة براحة ونظافة في قلبي وكأن الشوائب والغمامة اللي كانت على عيني انزاحت خلاص.
وصلت بيت أبويا.. الباب اتفتح، وأول ما أمي شافتني بالشنطة دي ووشي اللي باين عليه معالم حرب نفسية، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
> — *”رغدة! يا بنتي في إيه؟ ومالك جاية بشنطة هدومك كده ليه ويوسف فين؟ مش المفروض زمانه وصل من المطار؟”*
>

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *