روحنا بعد الفرح بأسبوع، أنا وبناتي، نبارك لمرات ابني ونسلم عليها، خصوصًا إنهم بقالهم أسبوع متجوزين. دخلنا لقيناها قاعدة معانا، ولما قعدت قدامي لقيت كعب رجليها باين، وكان لونه أحمر ورجليها ناعمة بشكل لفت نظري، ومن غير ما أحس الفضول خدني وسألتها: – هو إنتِ مين بيعنلك رجلك كده؟ ضحكت وقالتلي بعفوية: – محدش، أنا بحب أعمل لنفسي مانكير وباديكير، وبستخدم كريمات معينة عشان أفضل محافظة عليها بالشكل ده. بصيت لبناتي ولقينا نفسنا كلنا مهتمين، فطلبنا منها تورينا الحاجات اللي بتستخدمها، وفعلاً قامت جابتها وحطتها قدامنا، وفضلت تشرح لنا كل حاجة بتستخدمها وإزاي بتحطها. بنتي الكبيرة كانت أكتر واحدة متحمسة، وفجأة قالتلها: – طب ما تجيبي ميه وتغسلي رجلي، وتعمليلي زي ما عملتي لنفسك كده. وقتها لاحظت إن وش مرات ابني اتغير للحظة، وكأنها اتفاجئت من الطلب، لكنها اتحرجت تقول لأ، خصوصًا إننا كنا كلنا بنضحك وبنهزر. فقالت: – حاضر. وفعلًا جابت الميه وقعدت تغسل لبنتي رجلها، وبعدها بدأت تعملها بنفس الطريقة اللي شرحتها لنا. وأول ما خلصت، بنتي بصت على رجلها وقالت بإعجاب: – يا نهار أبيض، بجد فرقت! شوفي يا ماما نعمت إزاي! ضحكت وقلت: – فعلًا يا بنتي، شكلها حلو أوي. وهنا بقى بناتي اتحمسوا أكتر، وكل واحدة فيهم بدأت تقول: – طب وأنا كمان. – وأنا يا مرات أخويا. – ما تعمليلي أنا كمان. وبصراحة أنا كمان قلتلها وأنا بضحك: – خلاص يا بنتي، ما دام بدأنا، اعمليلي أنا كمان. لقيتها سكتت لحظة، وبصت لنا كلنا، وكان واضح جدًا إنها بدأت تتوتر، وتحس انها بتقلل من نفسها بس انا عملت مش واخده بالى . قالت وهي بتحاول تبتسم: – حاضر. وبدأت تجيب الميه والحاجات بتاعتها واحدة واحدة، وكل واحدة فينا كانت قاعدة مستنية دورها، وإحنا بنتكلم ونهزر كأننا قاعدين في بيتنا.كنت عايزه اعرفها من اول يوم قيمتها بشكل غير مباشر وإن أى حاجة نقولها تنفذها وطالما وافقت من اول مره خلاص مش هيبقى ايها حق تعترض لكن وأنا بتفرج عليها، بدأت أحس إن الموضوع مش طبيعي. لأنها كل شوية كانت تبص ناحية الباب، وبعدين تبص لنا، وكأنها مستنية حد يدخل وينقذها من الموقف. وفجأة سمعنا صوت مفتاح بيتحط في الباب… مرات ابني رفعت عينيها بسرعة، وأول ما سمعت صوت المفتاح وشها اتغير تمامًا. بنتي قالت بضحكة: – شكله أخويا رجع… خليكي بقى تخلصيلي رجلي قبل ما يدخل. لكن مرات ابني ما ردتش. وفي اللحظة دي، الباب اتفتح، وابني دخل وشاف أمه وأخواته قاعدين ، وبعدها عينه وقعت على مراته وهي قاعدة تحت رجلينا بتغسلها وساعتها وساعتها، وقف ابنك في مكانه تمامًا. مفتاح البيت كان لسه في إيده، وعينيه اتثبتت على المنظر اللي قدامه: مراته عروسة الأسبوع، قاعدة على الأرض تحت رجلينا، حواليها الميه والصابون وأدوات الباديكير، ومسكين رجل أخته بتدعكها. الهدوء الغريب اللي حلّ في الصالة قطع كل الضحك والظرف اللي كنا فيه. نظرة ابني اتغيرت في ثانية؛ التحول من الابتسامة اللي كانت على وشه وهو داخل بيته لملامح ذهول وغضب مكتوم كان ينطق. مراته أول ما شافته، إيديها أترعشت والجمود حطّ عليها، رفعت رأسها ببطء وشافته، ووشها احمرّ بكسفة وخجل مش طبيعي، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر عشان تطلع من اللي هي فيه، وفي نفس الوقت ميتة من الحرج إن جوزها يشوفها بالمنظر ده. ابنك أخد نفس طويل، ودخل قفل الباب وراه بالراحة، بس القفلة كان ليها صوت يرن في البيت كله. اتكلم بصوت هادي جدًا، بس الهدوء ده كان أشد من العاصفة: * هو إيه اللي بيحصل هنا؟ بنتك الكبيرة قامت تعدل قعدتها بسرعة، ومسحت رجلها في الفوطة وهي بتحاول تلطف الجو وتبان إن الموضوع هزار، وقالت بضحكة ارتباك: * إيه يا حبيبي، حماتك وأخواتك بيجربوا خدمات العروسة الجديدة! بنهزر معاها وهي طيبة وبتقولنا على سر المانكير والباديكير بتاعها. ابنك ما بصلهاش أساسًا، عينيه كانت نازلة لمراته اللي كانت بتحاول تقوم وتقف على حيلها بسرعة، إيديها بتترعش وهي بتمسح الميه من إيديها في هدومها، ومش قادرة ترفع عينها في عينه. قرب منها خطوتين، وبص للأدوات والميه اللي على الأرض، وبعدين بصلي أنا وبناته، وقال بصوت واضح وكلمات متقطعة: * هو إحنا جايبين عروسة بيتها، ولا جايبين واحدة تخدم وتغسل أرجل؟ أنا اتعدلت في قعدتي، وحسيت إن الهيبة اللي كنت بحاول أفرضها من أول يوم ممكن تتهز لو سكت، فقلت بثبات وبابتسامة مشحونة: * إيه يا بني مالك كبرت الموضوع ليه؟ إحنا بنهزر، وهي اللي عزمت علينا وشرحت لنا، وقالت حاضر من نفسها لما طلبنا منها، محدش غصبها على حاجة، ولا هي كبرت علينا؟ مراته كانت واقفة ورا جوزها مش بتتكلم، بس الدموع كانت اتجمعت في عينيها خلاص ومستنية لحظة عشان تنزل. ابنك بصلي ونظرته كان فيها عتاب وقسوة ما شفتهاش منه قبل كده، وقال: * من نفسها يا أمي؟ عروسة بقالها أسبوع متجوزة، حاطينها تحت رجليكم تغسل وتعمل، وتقوليلي من نفسها؟ هي كانت هتقدر تقولك “لأ” إزاي وإنتوا كلكم قاعدين فوق رأسها وتطلبوا واحدة ورا الثانية؟ هي اتحرجت منكم، بس إنتوا ما حرجتوش سنها ولا قدرها! بنتي الصغيرة اتدخلت بضيق وقالت: * جرى إيه يا أخويا؟ ما تبقاش حساس أوى كده، إحنا أهلك مش أغراب، وهي مراتك يعنى زي أختنا، وبعدين هي اللي وافقت من الأول! هنا ابنك انفجر بصوت واطي بس يرعب، بص لأخته وقالها: * أختك؟ لو إنتِ في بيتك ودخلت وشفت حماتك وأخوات جوزك ممرغين كرامتك وقاعدين يخلوكي تغسلي رجليهم، كنتِ هتسميها هزار؟ ولا كنتِ هتقومي الدنيا وما تقعديهاش وتقولي بيستغلوني ويقللوا مني؟ البيت كله سكت. البنات بصوا لبعض وما حدش قدر يرد، لأن الكلمة جابت الخلاصة. مرات ابنك في اللحظة دي ما قدرتش تمسك نفسها، ودمعة نزلت منها بس مسحتها بسرعة وحاولت تتكلم عشان تلم الموقف وقالت بصوت متقطع وبحة خجل: * خلاص يا حبيبي.. حصل خير.. هما كانوا بيجربوا معايا.. أنا اللي… ابنك لف لها وبصلها بحدّة بس كان فيها حنية مجروحة، قطع كلامها وقالها: * سكتي ليه لما اتدبستي؟ ليه ما قلتيش لأ؟ البيت ده بيتك، واللي ما ترضيهوش على نفسك ما تعمليهوش عشان ترضي حد حتى لو كان أمي وأخواتي! كرامتك من كرامتي، ولما تقعدي تحت رجلين حد، يبقى أنا اللي قاعد تحت رجليه! الكلمة دي طعنتني أنا والبنات. حسيت إن خطتي إني أعرفها قيمتها وأكسر عينها من أول يوم انقلبت عليا، وإن ابنك بدل ما يسكت أو يقف معاها في السر، حط خط أحمر كبير قصادنا كلنا في وشنا بوضوح. ابنك طأطأ وجاب جردل الميه والأدوات بإيده من على الأرض، وشالهم ودخل بيهم المطبخ، ورجع وقف في نص الصالة، بصلي وقال بنبرة هادية بس ماليها القرار: * أمي.. على رأسي من فوق، وإخواتي على رأسي.. تنوروا البيت في أي وقت وتاكلوا وتشربوا وتتشالوا على الرأس.. بس شغل الاستعباد ومين يمشي كلمته على مين ده مش هيحصل في بيتي. مراتي مش خدامة عند حد، واللي يعوز يتظبط ويتدلع يروح بيته يعمل لنفسه، أو يروح كوافير، إنما مراتي خط أحمر. بناتي بصلولي ومستنيين رد فعلي، وأنا كنت قاعدة حاسة إن الموقف كبر وشكلنا بقى وحش جدًا قصاد العروسة اللي كانت واقفة جنب جوزها، حاسة بحماية وضهر وقفت وراه، وعينيها اللي كانت مليانة قلق وتوتر أتحولت لنظرة اطمئنان، رغم الخجل اللي بياكلها. قلت وأنا بقوم وبحاول ألم اللي باقي من كرامتي وكرامة بناتي: * ماشية يا بني.. شكراً على القيمة اللي حطيتهالنا قصاد مراتك من أول أسبوع.. إحنا كنا فاكريننا أهل، بس واضح إننا كبرنا وعجزنا ومش عارفين الأصول. ابنك ما اتراجعش، ولا حتى حاول يلطف الكلمة، بس قرب وباس إيدي وقال: * إنتِ على راسي يا أمي، والأصول عارفها كويس، والأصول بتقول إن العروسة تتدلع وتتخدم في أسبوعها الأول، مش تنزل تحت الرجلين. اتفضلوا نوصلكم ولا تقعدوا تشربوا حاجة؟ الرد بتاعه كان قاطع، وما سابش لينا أي مساحة نكابر أكتر من كده. بناتي بدأوا يلموا شنطهم بسرعة ووشهم جاب ألوان، ومراته واقفه ساكتة، ما بتتكلمش بس عينها كانت بين الجرأة اللي أخدتها من جوزها والخوف من الستات اللي واقفين قدامها. ونزلنا من شقة ابننا، وفي كل خطوة على السلم كان صوت خطواتنا يتقال فيه ألف كلمة، والبنات ماسكين نفسهم بالعافية من الغيظ والمفاجأة من رد فعل أخوهم، وأنا في عقلي براجع اللي حصل، وبفكر إزاي اللي خططت له عشان يبقى كارت ضغط عليها، أتحول في ثواني لدرس قاسي لينا كلنا.. خرجنا من العمارة والشارع كان هادي، بس جواه غليان مش طبيعي. بناتي كانوا ماشيين جنبي خطواتهم سريعة ووشوشهم حمرا من الغيظ، ومفيش واحدة فيهم قادرة تنطق بكلمة لحد ما بعدنا عن العمارة بشويتين. وفجأة بنتي الكبيرة وقفت في نص الشارع، ولفتلي وهي بتضرب كف بكف، وصوتها مخنوق من شدة الانفعال: * شفتي يا ماما؟ شفتي ابنك عمل فينا إيه عشان خاطرها؟ بيطردنا بطريقة غير مباشرة! بيحرجنا قدام واحدة بقالها أسبوع معاه! بقى إحنا اللي كبرنا وعجزنا ومش عارفين الأصول؟ عشان طلبنا منها حجة بسيطة وهي اللي كانت موافقة ورجلها على دماغها! ردت أختها الصغيرة بسرعة وهي بتتنفض من الزعل: * والله العظيم أنا كنت حاسة إنها بتتمسكن لحد ما تمكن! شفتوا بصاتها للباب؟ كانت عارفة إن أخويا راجع، وكانت مستنية اللحظة دي بالذات عشان تعمل الشويتين دول وتخليه يدخل يلاقيها بالمنظر ده! لعبتها صح وخليتنا إحنا اللي شكلنا وحش وشريرين، وهو جيه بلع الطعم وجري يدافع عن سي الشيخة بتاعته! أنا كنت ماشية ساكتة، بس جوايا كان بتغلي. الكلام كان بيمس كرامتي أنا قبل بناتي. أنا الأم اللي ربيت وسهرت وكبرت، يجيني ابني في بيته وأول أسبوع جوازه يقفلي الند بالند، ويقولي خط أحمر؟ الفكرة نفسها كانت بتاكل في صدري. بس في نفس الوقت، كان في جزء جوايا مدرك إننا استعجلنا، وإننا دخلنا الغشامة من أول يوم، بس كبريائي ما كانش سامحلي أعترف بكده قدام بناتي. بصلتهم وقلت بنبرة مليانة حسم وغضب مكتوم: * بس إنتِ وهي! مش عايزة أسمع صوت واحدة فيكم! إحنا غلطتنا إننا أديناها أكبر من حجمها، ودخلنا بيتها بقلب أبيض وفاكرينها زينا.. لكن واضح إن الهانم من تحت لتحت، وعرفتكوا كلكم حجمكم قدام أخوكم. بس وحياة كل كلمة قالها، الموضوع ده مش هيعدي بالساهل، وكرة الثلج دي لسه هتجيب عاليها واطيها. رجعت البيت، والبيت كان كئيب وشكله يغم. القعدة اللي كنا مجمعين فيها الفرحة والضحك انقلبت لنكد. طول الليل ما جاليش نوم، كنت بقلب في السرير وأفكر في منظر ابني وهو شايل الجردل وبصات مراته اللي كانت مستخبية وراه. النظرة دي بالذات كانت حرقاني.. نظرة الست اللي حست إن جوزها اشتراها وباع أهله عشانها. تاني يوم الصبح، البيت عندنا كان هادي زي المقابر. مفيش حد بيتكلم، والبنات قاعدين كل واحدة في أوضتها متغاظين. الساعة جت الضهر، وموبايلتي رن. بصيت في الشاشة، لقيت اسم ابني. قلبي ضرب ضربة قوية، وما ردتش من أول مرة. سبته يرن لحد ما فصل، وبعدين رن تاني. في المرة الثانية فتحت السكة، وحطيت التليفون على ودني وسكت تمامًا، مستنية هو اللي يبدأ. سمعت صوته، كان حاد وفيه بحة تعب، بس ما فيش فيه ندم: * صباح الخير يا أمي. رديت ببرود يقطع العرق والسلسال: * أهلاً يا بني.. خير؟ في حاجة نسيناها عندك في البيت وأحنا مطرودين؟ تنهد نفس طويل وصوته واطي: * يا أمي الله يهديكي، محدش طرد حد، وإنتِ عارفة إن البيت بيتك في أي وقت. أنا بتصل أطمن عليكِ وأعرف إنك مش زعلانة مني، بس في نفس الوقت كنت عايز أقولك كلمتين لوجه الله عشان نفتح صفحة جديدة ونعرف كلنا حدودنا. قلتله وأنا بقعد على الكنبة وبصوتي كله قسوة: * حدودنا؟ ما أنت حددتها يا سي دونجوان خلاص! قطعت لسان إخواتك وكسرت كلمتي قدام عروستك، وعرفت كل الناس إن أمك وإخواتك ملهمش لازمة عندك قصاد الست هانم! عايز تقول إيه تاني؟ جاية تعاتبني ولا جاية تديني بقية الدرس؟ ابني اتكلم بجدية شديدة وكلمات حاسمة: * أنا لا بدي درس ولا بقلل منك يا أمي، إنتِ أمي وجزمتك فوق رأسي، بس مراتي مالهاش ذنب في أي رواسب أو حب سيطرة. البنت دخلت بيتي بأمانة أهلها، ومش جاية عشان أختي تقعد وتأمرها اغسليلي وصنفيلي وهي ساكتة عشان خايفة على زعلكم. أنا لما دخلت وشفت المنظر ده، دمى فار.. شفت مراتي مهانة في بيتي وعلى أيد أهلي. إنتِ لو بنتك اتعمل فيها كده في بيت حماها، كنتِ هتقومي الدنيا وما تقعديهاش وتقولي استعبدوها! ليه ترضيها على بنات الناس وما ترضيهاش على بنتك؟ الكلام كان زي السكين، بس أنا رديت بكبرياء: * هي اللي وافقت! محدش مسك في إيدها الساطور وقالها اعملي! بنتك كانت بتتسلى معاها، وهي اللي قامت جابت حاجتها وعرضت! رد عليّ بصوت مليان مرارة: * وافقت عشان اتحرجت! عشان لسه جديدة وخايفة تقول لأ فتقولوا عليها متكبرة أو مش أصلية! استغليتم كسفتها وقلة خبرتها وصغر سنها وحطيتوها في موقف لا تحسد عليه! عمومًا يا أمي، أنا مش بتصل عشان نتخانق.. أنا بتصل أقولك إن مراتي زعلانة ومكسورة من اللي حصل، وأنا أخدتها ونازلين نعدي عليكِ بعد العصر عشان تسلم عليكِ، ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني، وعايز كل حاجة ترجع لطبيعتها بس بالمعروف وبالأصول. أول ما قال “نازلين نعدي عليكِ”، بناتي اللي كانوا واقفين على باب الأوضة بيسمعوا الكلام اتسعت عينيهم بالكامل وهزوا رؤوسهم بالرفض. قلتله بسرعة وبحدة: * لا يا بني، كتر خيرك. متتعبش نفسك ولا تتعب الهانم. إحنا ناس مش عارفين الأصول، ومش عايزين نضايق السيدة حرمك، سيبها ترتاح في بيتها المعزز المكرم بدل ما تيجي عند ناس بيستعبدوها. ابني سكت لحظة، وبعدها قال بنبرة أبرد من التلج: * تمام يا أمي.. براحتك. لما تهدى الأمور وتصفي، أكون أنا ومراتي تحت أمرك. مع السلامة. وقفل السكة! قفل السكة من غير ما يتحايل ولا يترجى زي ما كان بيعمل زمان لما أزعل منه! القصة هنا ما انتهتش، بالعكس.. دي كانت بداية حرب صامتة. بناتي دخلوا عليّ الصالة والشرر بيطير من عينيهم. الكبيرة قالت: * شفتي؟ شفتي الجرأة؟ جايبها وجاي لحد هنا عشان يفرضها علينا بالسيف! عشان ندخل نعتذر لها ونبوس إيدها كمان؟ والله لو السماء انطبقت على الأرض ما هحط إيدي في إيدها ولا هكلمها كلمة تاني! والصغيرة كملت: * وأنا كمان يا ماما، من هنا وجاي الأخ ده ننساه، وخليه يشبع بمراته وبدلعها، ونشوف لما يقع في مشكلة مين اللي هيقف جنبه غيرنا! مرت الأيام، والأسبوع بقى أسبوعين، والمكالمات بيني وبين ابني بَقت على قد كلمة “إزيك يا أمي” و”الحمد لله يا بني” في أقل من نص دقيقة. الجفاء دخل بيننا زي السوس، والبيت عندي بقى شحن وتعب نفسي. كنت بشوف صورهم على الفيس بوك بالصدفة، طالعين وداخلين ومبسوطين، وهي نازلة صور بابتسامة نصر مش طبيعية، وكأنها بتقولنا “أنا اللي كسبت الماتش”. حد ما جه يوم، وكان في مناسبة عائلية كبيرة.. عزومة عند عمهم بمناسبة رجوعه من السفر. العزومة دي كان لازم الكل يحضرها، مفيش مفر ولا حجة. وصلنا بيت عمهم، وأول ما دخلنا الصالة، كانت المفاجأة.. ابني ومراته كانوا قاعدين هناك من بدري، ومجرد ما دخلنا، العيون كلها اتجهت علينا.. ومراته قامت وقفت بسرعة، وبصتلي بنظرة مليانة ترقب، وجنبها جوزها مسك إيدها وشدها، وقربوا مننا عشان يسلموا قدام العيلة كلها… خطواتنا تقلت وأنا وبناتي داخلين صالة بيت عمهم. المكان كان زحمة بالمعازيم وأصوات الضحك مالية الجو، بس مجرد ما خطينا العتبة وشافونا، الهدوء بدأ يتسلل للبيت بالتدريج. عينيا وقعت عليهم على طول؛ كانوا قاعدين في الصالون، ابنك لابس ومتألق، ومراته جنبه لابسة شيك جدًا وأناقتها لافتة للكل، كأنها بتثبت للجميع إن مكانها في الصالونات مش تحت الرجلين. أول ما شافتنا، وشها أترسمت عليه علامات التوتر، وقامت وقفت بسرعة. ابنك بصلها ونظرة عينيه كانت مساندة، مسك إيدها بضغط حنين وقام معاها، وتمشوا ناحيتنا بخطوات بطيئة وسط متابعة صامتة من كل قرايبنا اللي كانوا موجودين وملاحظين حالة الجفاء اللي بيننا بقالها أسابيع. ابنك قرب مني، وباس رأسي وإيدي بدفء شديد، وقال بصوت مسموع للكل: * منورة الدنيا كلها يا أمي.. خطوة عزيزة أوي. ما قدرتش أرد بحرارة، اكتفيت بابتسامة باهتة على وشي وقلت: * بنورك يا بني.. أهلاً بيك. وهنا جه دور مراته. مدت إيدها ببطء، وكانت بتترعش، وابتسمت ابتسامة رسمية مليانة حذر، وقالت بنبرة خافتة: * إزيك يا طنط؟ عاملة إيه؟ يا رب تكوني بخير. بصيت لإيدها الممدودة لحظة، كان ممكن أكسفها قدام العيلة كلها وما أمدش إيدي، بس نظرة ابني لينا كانت حادة وثابتة، كأنه بيحذرني من أي حركة تكسر كرامته قدام قرايبه. فمديت إيدي سلمت عليها بأطراف صوابعي وقلت بجفاف: * أهلاً يا حبيبتي.. الحمد لله. بناتي بقى وقفوا ورّاي ومربعين إيديهم، ووشوشهم مقلوبة زي الصوان. مراته لفت عشان تسلم عليهم ومدت إيدها، بس بنتي الكبيرة اكتفت بأنها هزت رأسها من بعيد وقالت ببرود يقطع العيش: * أهلاً.. أما بنتي الصغيرة، فلفّت وشها ناحية ثانية كأنها ما شافتش إيدها الممدودة أساسًا، وأخدت بعضها ومشيت تقعد جنب قرايبنا! الموقف كان محرج جدًا، وإيد العروسة فضلت معلقة في الهوا لثواني قبل ما تسحبها بسرعة ووشها يحمرّ من الكسفة. ابنك اتنفض في مكانه، وعينيه اتملت غضب، وبص لإخواته بنظرة كان ممكن تولع في المكان، بس مراته مسكت دراعه بسرعة وضغطت عليه كأنها بترجاه يسكت وما يعملش مشكلة وسط الناس. قعدنا كلنا، بس القعدة كانت مشحونة بتوتر يتقطع بالسكين. مرات عمهم كانت بتنقل عينيها بيننا وفاهمة إن في حاجة مش مظبوطة، فبدأت تفتح مواضيع وتلطف الجو: * ما شاء الله يا عريس، العروسة منورة ومحلية القعدة، ربنا يسعدكم ويتمم لكم على خير.. ده العيلة كلها بتتكلم عن شطارتها وذوقها. ابنك ابتسم، وبص لمراته بفخر ظاهر وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع: * تسلمي يا مرات عمي، ربنا يخليكي. دي مش بس شاطرة وذوق، دي أصلها طيب ومتربية على الغالي، وتعرف الأصول كويس أوي، واللي يعاشرها يعرف قيمتها ولا يمكن يرضى عليها الهوان. الكلمة كانت موجهة لينا بوضوح، زي الرصاصة المباشرة. بنتي الكبيرة ما قدرتش تمسك لسانها، ولفت بصتله وقالت بنبرة تهكمية وسخرية مشطورة: * طبعًا يا حبيبي، الأصول أهم حاجة.. بس الأصول برضه بتقول إن الصغير يحترم الكبير، وما يعملش شو ومظاهر قدام الناس وهو من جوة حاقد ومبيعرفش يسامح. الصمت نزل على القعدة زي الصاعقة. عمهم اتعدل في قعدته وبص لبنتي بحدة، وابنك وشه اتغير تمامًا وتخطى مرحلة الغضب لمرحلة الثورة. وقف على حيله في نص الصالة، وبص لأخته وقاله بصوت جهوري هز المكان: * احترامي للكبير من احترامي لنفسي يا أختي! لكن لما الكبار ينسوا مقامهم ويستغلوا طيبة الناس وصغر سنهم عشان يكسروا عينهم، يبقى الصغير من حقه يحط حدود وميسيبش مراته لقمة سائغة في إيد اللي يسوى واللي ما يسواش! مرات عمهم قامت بسرعة: * يا بني اهدى صلي على النبي! ما يصحش الكلام ده قدام الناس وفي بيتي! رد ابنك وهو بيشير بإصابعه علينا بكل حسم: * لا يا مرات عمي، لازم الكل يفهم! أنا ساكت ومعدي بقالي أسابيع عشان خاطر أمي وعشان مش عايز أكبر المواضيع، بس طالما المعاملة بقيت تلقيح كلام وقلة ذوق عيني عينك قدام الناس، يبقى القعدة دي مش نافعة! مراته قامت وقفت جنبه، مسكت إيده وهي بتبكي بالدموع، وصوتها بيترعش: * خلاص يا حبيبي عشان خاطري.. يلا نمشي، مش مستاهلة كل ده.. أنا آسفة يا طنط لو كنت ضايقتكم في حاجة من غير ما أقصد. ابنك مسك إيد مراته بقوة، وبصلي أنا وبناتي بجمود وقال: * إنتِ ما تعتذريش لحديث يا هانم! إنتِ ما عملتيش حاجة تدعيلك للأسف! إحنا ماشيين يا أمي، ولما تعرفوا قيمة ابني وقيمة اللي دخلت بيتي، ابقوا اتكلموا معايا. شَد مراته من إيدها ومشيوا بسرعة ناحية الباب، وضرب الباب وراه بقوة هزت أرجاء البيت كله، وسابنا كلنا قاعدين في حالة ذهول. عمهم بصلي بنظرة عتاب شديدة وقال: * إيه اللي بيحصل ده يا أمي؟ إزاي تسيبوا الأمور توصل للدرجة دي بين الولد وأهله؟ هي دي الأصول اللي ربيتم عليها؟ قعدت في مكاني مش قادرة أنطق، وبناتي كانوا بيحاولوا يدافعوا عن نفسهم بس الصوت كان واطي والكسفة كانت مغطية علينا. حسيت في اللحظة دي إن كل محاولاتي عشان أفرض سيطرتي وأثبت وجودي من أول يوم انقلبت لخراب بيوت وشقاق بيني وبين ابني، وإن المواجهة مش هتقف عند الحد ده، لأن الحرب اللي كانت تحت التراب بقيت دلوقتي علنية قدام العيلة كلها… خرجنا من بيت عمهم وشنا في الأرض، والشارع كان كأنه أطول شارع مشينا فيه في حياتنا. بناتي كانوا ساكتين تمامًا لأول مرة، مفيش واحدة فيهم قادرة تفتح بقها بتلقيح ولا اعتراض، لأن موقف عمهم ورد فعله الشديد قدام العيلة كلها حسسهم بإن القعدة كلها كانت إدانة لينا، وإن اللعبة اتتقلبت على راسنا بجد. أول ما وصلنا البيت، قفلت الباب ورايا بصوت مكتوم، ولفت للبنات وصرخت بصوت خنقاه الدموع والغضب: * عجبكم كدة؟ انبسطتم بالفضايح والبهدلة قدام طوب الأرض؟ ابنكم بقى يصرخ في وشنا ويقولنا “اللى يسوى واللى ما يسواش” عشان خاطر الست هانم بتاعته! بقى اسمنا بيتقال في العيلة إننا بنستعبد بنات الناس وبنخرب بيوت ولادنا؟ بنتي الكبيرة اترمت على الكنبة بقلة حيلة وقالت وهي بتحاول تداري كسفتها: * يا ماما هو اللي بدأ! هو اللي كان داخل جاهز ومستني أي كلمة عشان يستعرض حنيته وشهامته قدام مراته! شفيتها كانت قاعدة كأنها ملاك بريء ومكسورة وجنبها سي البطل بيحميها؟ هي مرتبة كل حاجة معاه من قبل ما ييجوا، وكانت عارفة إننا مش هنعديها بالساهل! الصغيرة قعدت جنبها وقالت بصوت مكسور: * بس يا أختي عمك بصلنا بصة وحشة أوي.. والناس كلها بكرة هتتكلم. بكرة يقولوا أم فلان وبناتها استقووا على عروسة ابنهم في أول أسبوع، والولد وقف في وشهم وطرد نفسه من العزومة! الشكل بقى وحش أوي يا ماما! سيبتهم ودخلت أوضتي وقفلت على نفسي. كنت حاسة بنار بتاكل في صدري.. نار الكبرياء اللي اتجرح، ونار الأمومة اللي حاسة إن ابنها اتخطف منها في غمضة عين. ابن عمري اللي كنت بحرك صوابعه، بقى بيقف قصادي زي الجبل عشان حتة عيلة بقالها معاه كام يوم! بس السؤال اللي كان بياكل دماغي: هل أنا فعلاً ظلمتها؟ هل الفضول والسيادة اللي حبيت أفرضها من أول يوم كانت تستاهل إن البيت يتقفل في وشي كده؟ عدت الأيام، والأسبوع بقى شهر.. والشهر جاب شهور. البيت عندنا بقى حتة من التلج، مفيش صوت، مفيش حس. ابنك ما بقاش يتصل، ولا حتى يبعت رسالة في الجمعة. قطع معانا تمامًا، زي ما يكون كان مستني الفرصة دي عشان يبني سور عالي بين حياته الجديدة وبيننا. كنت بقعد بالليل، أفتح تليفوني من غير ما حد يحس، وأدخل على أكونت مراته. كانت بتنزل صور وفيديوهات لبيتها ولحياتهم.. شقتها كانت منظمة وشيك، وطبقتها للأكل وصورها وهي بتضحك معاه في كل مكان كانت زي السكاكين اللي بتدخل في قلبي. البنت اللي كنا فاكرينها ضعيفة وكسيفة، طلعت ماسكة بيتها وجوزها بأحكام، ومش مخلية ناقصه حاجة.. وابنك كان معاها طفل طايع، يضحك ويهزر ويخرجها، وهو اللي كان معانا أوقات كتير جاد ومش فاضي. بناتي نفسهم اتأثروا.. غياب أخوهم ساب فراغ كبير، خصوصًا لما بدأت العزومات والمناسبات تيجي، وكان الكل بيسأل: “هو فلان مرجعش يكلمكم؟ هو لسه زعلان؟”. الكلمات دي كانت بتدبحنا، والناس بدأت تلاحظ إن العروسة هي اللي ماشية كلمتها وإن الولد بيبعد عن أهله بالتدريج. لحد ما جه يوم، والتليفون رن في نص الليل. صوت الرنة في الوقت ده يرعب. جريب مسكت التليفون وأنا إيديا بتترعش، بصيت في الشاشة.. لقيت رقم مستشفى! قلبي سقط في رجلي، وفتحت السكة وصوتي طالع بالعافية: * ألو؟ خير يا رب! جاني صوت ممرضة بتتكلم بسرعة وبجدية: * حضرتك والدة الأستاذ فلان؟ قلتيلها وأنا برتعش: * أيوة أنا أمه! خير في إيه؟ ابني جرى له حاجة؟! قالتلي: * الأستاذ جيه المستشفى هنا في حادثة عربية هو ومدامته، وهو حالته مستقرة بس فيه كسور وجروح، والمدام ندخلها العمليات حالا لأنها… ما كملتش الجملة، الموبايل وقع من إيدي، وصرخت بصوت هز البيت كله. بناتي جريوا عليا من أوضهم مرعوبين: * في إيه يا ماما؟! فيه إيه حصل؟! قلتلهم وأنا بلم طرحتي بلهفة وإيدين مكسورة: * أخوكم في المستشفى! عمل حادثة هو ومراته! يلا بسرعة! في دقائق كنا في التاكسي، الشارع كان فاضي والليل كأيل، وأنا في سريري بدعي ربنا يسترها، وبنسى كل الكبرياء وكل الغضب وكل التخطيط. في اللحظة دي اتلغت كل الفوارق، وظهرت الحقيقة الوحيدة: إنه ابني، ضنايا، اللي لو جرى له حاجة حياتي ملهاش قيمة. وصلنا المستشفى، ورائحة المعقمات والهدوء المرعب مالين الطرقات. سألنا في الاستقبال وجرينا على الدور الثاني. لقينا ابنك قاعد على كرسي في الطرقة، راسه ملفوفة بشاش، وإيده اليمين متجبسة، وهدومه فيها آثار دم وشديدة التمزق. كان حاطط راسه بين إيديه الشمال وبيعيط بصوت مكتوم ويرتجف. أول ما شفته، نسيت كل حاجة.. جريب عليه واترميت في حضنه: * يا حبيبي يا بني! ألف سلامة عليك يا ضنايا! إيه اللي حصل لك؟ قدر ولطف يا بني! ابنك رفع راسه ببطء، عينيه كانت حمرا كأنها جمرة نار، ومليانة دموع وانهيار مشفتوش منه من يوم ما كان طفل. بصلي ومش قادر يتكلم، وبعدين بص لنقالة العمليات المقفولة قدامه، وقال بصوت مبحوح ومخنوق يقطع القلب: * مراتي جوة يا أمي… مراتي بين الحياة والموت! العربية اتقلبت بينا، وهي رمت نفسها عليا عشان تحميني إيدي ورأسي، وأخدت هي الضربة كلها في ناحيتها! الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لبناتي اللي وقفوا ورايا مصدومين ووشوشهم أصفرت. ابنك مسك إيدي الشمال بإيده السليمة، وضغط عليها بضعف وكسرة وقال وهو بيبكي بكاء يهد الجبال: * أدعيلها يا أمي… أدعيلها بالله عليكِ تسامحنا وتعيش! دي مظلومة… والله العظيم مظلومة وما شافتِش مننا غير القسوة وهي حمتني بروحها! السكون اللي نزل على طرقة المستشفى كان أشد من صوت الحادثة نفسها. الكلمة طارت في الهوا وفضلت ترن في وداني: “رمت نفسها عليا عشان تحميني…” بصيت لبناتي، لقيتهم واقفين زي التماثيل، ودموعهم بدأت تنزل بذهول وصدمة. بنتي الكبيرة مسكت في كتفي وإيديها بتترعش، والصغيرة غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم. في اللحظة دي، كل الأفكار الخبيثة، وكل محاولات السيطرة، وكل الخناقات والتلميحات والتعالي اللي عشنا فيه الكام شهر اللي فاتوا، أتحولوا لكوم قش وطاروا مع الهوا. حسيت بالصغر.. حسيت إننا كنا بنحارب ست بقلب أبيض ومعدن نقي، ست في لحظة الموت ما فكرتش غير في جوزها اللي هو ابننا. ابنك كان قاعد يرتجف على الكرسي، وشه شاحب والدموع نازلة على الشاش الملفوف حوالين رأسه. قربت منه، وأخدت رأسه في حضني وبقيت أطبطب عليه بكل حنية الدنيا اللي كنت حارماهم منها الفترة اللي فاتت، وقلتله بصوت مخنوق بالبكاء: * استغفر ربنا يا بني.. ادعيلها يا حبيبي، إن شاء الله هتجوم بالسلامة.. ربنا مش هيضيع أصلها ولا هينسى موقفها ده.. ادعي لها يا ضنايا. ابنك كان بيعيط بكسرة، وصوته بيتقطع: * أنا السبب يا أمي.. أنا اللي أخدتها وخرجنا عشان نسافر ونغير جو بعد النكد والفرقة اللي بقينا فيها.. كانت مبسوطة وبتقولي يا رب الأيام الجاية تكون أحلى ونرجع نصالح طنط والبنات، وكانت محضرة هدايا ليكم في شنطة العربية عشان نيجي نيزوركم أول ما نرجع.. وفجأة التريلا دخلت فينا.. في ثانية لقيتها بتصرخ وبترمى جسمها كله عليا وتغطيني بقوتها قبل ما الزجاج يتكسر علينا! الكلمات دي كانت زي السياط اللي بتجلد ضهري وضهر بناتي. بنتي الكبيرة تقربت بخطوات بطيئة، وقعدت على الركبتين قدام أخوها، مسكت إيده السليمة وبكيتها بحرقة وهي بتقول: * سامحني يا أخويا.. سامحني يا حبيبي.. أنا آسفة والله العظيم، إحنا كنا عميا وغلطنا في حقها وفي حقك.. يا رب تقوم بالسلامة يا رب وتسامحنا! الانتظار قدام باب العمليات كان عامل زي أكل النار في القلوب. كل دقيقة بتعدي كانت بسنة. النور الأحمر بتاع أوضة العمليات كان منور، والأطباء والممرضين طالعين وداخلين بجرام دم وأجهزة، ومحدش فيهم راضي يدينا كلمة تطمنا. أنا وبناتي وقفنا في جنب، وفي لحظة صدق نادرة، مسكت إيد بناتي وقعدنا نترجى ربنا في سرنا. نسيت كبريائي، وطلعت من شنطتي مصحف صغير وبدأت أقرأ منه وبناتي يؤمنوا ورامين حمولنا على ربنا. حسيت إني ببدأ أغسل قلبي من الغل، وإني مستعدة أروح لحد عندها وأبوس رأسها وإيديها لو بس تفتح عينيها وتخرج للدنيا تاني. بعد ست ساعات كاملين، الأبواب الكبيرة بتاعة أوضة العمليات اتفتحت. ابنك قام وقف في ثانية، رغم ألم رجله ورأسه، وجرينا كلنا على الدكتور اللي كان طالع يمسح عرقه ووشه باين عليه التعب الشديد. ابنك مسك في بالو الدكتور وقال بنبرة رجاء تخرم الصخر: * دكتور! قولي إنها عايشة! أرجوك قولي إنها بخير! الدكتور أخد نفس طويل، وبص في وشوشنا المترقبة، وقال بنبرة هادية بس جادة: * الحمد لله.. العملية نجحت، وقدرنا نوقف النزيف الداخلي ونثبت الكسور. إصابتها كانت شديدة جدًا في الجانب الأيمن بسبب الصدمة المباشرة، بس ضربات قلبها استقرت. ابنك أخد نفس عميق ووقع على الأرض على ركبتيه يسجد لربنا وهو بيعيط بصوت عالي، وأنا وبناتي اتنفسنا الصعداء وحضنا بعض بدموع واهتزاز. كمل الدكتور كلامه وقال: * بس محتاجين نكون حذرين جدًا.. هي دلوقتي منقولة لغرفة العناية المركزة، وتحت الملاحظة الشديدة لمدة 48 ساعة الجايين لحد ما تفوق ونطمن على الوظائف الحيوية. الادعاء الأكبر عدا، بس الخطر لسه ما انتهش تمامًا. عدت ساعات الليل الطويلة وأحنا قاعدين في الممر قصاد الإزاز بتاع العناية المركزة. كنت بص من الإزاز، وأشوف جسمها الصغير المربوط بأجهزة ومحاليل، وشها أبيض زي القماش ومفيش فيه أي لون، وبفتكر يوم ما كانت قاعدة تحت رجلينا بتضحك بكسوف وتعملنا الباديكير بصفاء نية. إزاي إحنا شفنا الطيبة دي استضعاف؟ إزاي تحول الفضول لشر وحب سيطرة؟ على الساعة عشرة الصبح، ابنك كان قاعد جنب باب العناية مش راضي يتحرك ولا ياكل نقطة أكل. بنتي الكبيرة راحت جابت كوباية شاي وساندوتش، وقعدت جنبه، وحطت إيدها على كتفه: * اشرب يا حبيبي حاجة عشان تقدر تقف على حيلك.. أنت تعبان وجروحك محتاجة راحة. ابنك بصلها بعيون مليانة حزن، بس النبرة الحادة اللي كانت بينه وبينها اختفت، واكتفى بإن هز رأسه وقال: * مش قادر يا أختي.. مش هيدخل بؤي أكل ولا ماية وهي محبوسة بين الأجهزة دي بسببي. في اللحظة دي، الممرضة خرجت بسرعة من أوضة العناية، ولفت لينا وهي بتقول: * المريضة بدأت تفوق وبتتحرك! الدكتور جوة بيقيس الملاحظات، وجوزها ممكن يدخل ثانية واحدة بس بشرط العصبية والهدوء تمامًا. ابنك قام بسرعة وجري ورا الممرضة، وأنا وبناتي اتجمعنا عند الإزاز نراقب بقلوب مقبوضة. دخل ابنك، وقرب من السرير ببطء شديد كأنه خايف يجرحها بنظرة. مسك صوابع إيدها الشمال بالراحة خالص، وبدأ يهمس لها ودموعه نازلة على إيدها. مراته بدأت تفتح عينيها ببطء شديد.. العينين اللي كانت دايماً بتبص بكسوف وتوتر. لفت رأسها بالراحة، وشافته لابس الشاش ومجبس، وشافت الدموع في عينيه. وبدلاً ما تشتكي، أو تسأل عن وجعها، أو تفتكر الحادثة.. اتكلمت بصوت واطي جدًا، خافت كأنه همس، وتحركت شفايفها بالكلمات اللي دخلت قطعت قلوبنا كلنا وإحنا بنسمعها من ورا الإزاز: * أنت.. أنت كويس؟ جرى لك حاجة؟ ابنك انهار ومسك إيدها وباسها ألف مرة وهو بيقول: * أنا بخير.. أنا بخير يا عمري.. أنتِ اللي حمتيني.. أنتِ بطلة.. سامحيني يا حبيبتي! مراته ابتسمت ابتسامة باهتة أوي، ولفت عينها ببطء ناحية الإزاز.. وعينها وقعت عليا أنا وبناتي واقفين بنبكي وبنبصلها بنظرة رجاء وألم. العروسة فضلت باصة لينا ثواني، ووشها الباهت ظهرت عليه علامة تحير، وبعدين رفعت صوابع إيدها المربوطة بالمحاليل خطوة صغيرة جداً ناحيتنا، وكأنها بتشاور لينا أو بتسأل بضعف: “إنتوا هنا؟”.. وفي اللحظة دي، أجهزة القياس جنب سريرها بدأت تطلق صفارات إنذار سريعة ومربكة، والدكتور زق ابنك برة الأوضة بسرعة وهو بيصرخ على الممرضين: “الحالة بتدخل في مضاعفات! برة فوراً!”… الأجهزة بدأت تفرقع بصوت صفارات متواصلة ويرعب، والممرضين دخلوا يجرو جوة الأوضة والستارة أتقفلت في وشنا في ثانية. الدكتور زق ابنك برة، وخرج هو كمان مصدوم، وبقى الطاقم الطبي كله محاوط السرير. ابنك وشه أصفر زي الورق، ومسك في كتف الدكتور قبل ما يداخل الأوضة وقال بصوت زي الشهقة: * في إيه يا دكتور؟! كانت بتتكلم معايا! كانت كويسة وبتسأل عليا! إيه اللي حصل فجأة؟! الدكتور زق إيده بالراحة وقال وهو مستعجل: * ضغطها نزل فجأة وفي هبوط حاد في الدورة الدموية، الجهد بتاع الكلام مع الكدمات الداخلية سببلها انتكاسة، برة كلكم فوراً وما حدش يدخل! الباب أتقفل، والإزاز أغطى بالستارة البيضا، ووقفنا كلنا في الصالة بتاعة الممر كأننا مضروبين بالنار. ابنك اتسند على الحيطة ونزل ببطء لحد ما قعد على الأرض، حاطط راسه بين إيديه ومجبس، وجسمه كله بيبكي ويتنفض. أنا وبناتي وقفنا مش عارفين نعمل إيه. بنتي الكبيرة مسكت في دراعي وبقت تبص للستارة المقفولة ودموعها نازلة على خدودها بغير حساب، وقالت وهي بتشهق: * يا رب.. يا رب ما تموتش.. يا رب ما تبقاش نهايتها كده بسببنا.. والله العظيم لو قامت بالسلامة لأشيلها فوق رأسي طول العمر.. يا رب سامحنا! الصغيرة راحت قعدت جنب أخوها على الأرض، ومسكت دراعه المجبس بالراحة، وبقت تطبطب عليه وهي بتعيط وتقول: * ادعيلها يا حبيبي.. ربنا مش هيضيع قلبها الأبيض ده.. هي قوية وهتقوم عشانك وعشاننا.. ادعيلها يا أخويا. أنا قعدت على أقرب كرسي، ورجليا مش شايلاني. كنت حاسة إن رب العباد بيوريني آية بصرية قدام عينيا. الست اللي دخلت بيتنا ناعمة وطيبة، واللي طمعنا في أدبها واستغلنا كسفتها عشان نثبت سيطرتنا من أول يوم، طلعت هي الجدار اللي حما ابننا بروحه، وطلعت هي الأكرم والأجمل فينا كلنا. الموقف كشفنا قدام نفسنا، وعرّى كل الغرور والكبرياء اللي كنا عايشين فيه. مرت نص ساعة، كانت أطول من السنين. كل ثانية بتعدي وصوت الأجهزة جوة مسموع من ورا الباب كان بيقطع في أعصابنا. ابنك ما كانش بينطق، بس كان بيحرك شفايفه بالدعاء، وعينيه متثبتة على الباب المقفول. وفجأة، الستارة اتفتحت بالراحة، والدكتور خرج. جرينا كلنا عليه، وابنك قام من على الأرض بالمنزل كأنه بيتعلق بقشة: * دكتور! قولي كلمة تطمني! الدكتور مسح عرقه، وأخد نفس طويل، ووشه هدي شوية عن الأول وقال: * الحمد لله.. استقرت الحالة تاني. الضغط رفع ونازلة أزمة الهبوط، بس ده جرس إنذار حاسم. جسمها ضعيف جدًا، والتعب النفسي والبدني اللي مرت بيه فوق طاقتها. أي انفعال أو جهد، حتى لو كلام بسيط، ممكن يقلب النتيجة. ممنوع أي حد يدخلها نهائيًا لمدة 24 ساعة، وهي محتاجة راحة تامة وعلاج مكثف. ابنك أخد نفس عميق، وغمض عينيه ورفع راسه للسما، وقال من قلب جوفه: * الحمد لك والشكر لك يا رب.. الحمد لله. الدكتور بصلي أنا وبناتي، وبعدين بص لابنك وقال: * العروسة محتاجة هدوء وصيانة ونفسية مرتاحة عشان تقدى تعدي مرحلة الخطر. ياريت التوتر اللي كان باين في عينها يخف، لأن الحالة النفسية لها عامل 50% في الشفاء. الكلام كان موجه لينا بشكل غير مباشر، وكأن الدكتور حس بالتأثير اللي حصل أول ما شافتنا عند الإزاز. ابنك بصلي، ولأول مرة من يوم الحادثة، ما كانش في عينيه غضب أو قسوة ناحيتنا.. كان فيه بس رجاء وترجي حزين. قرب مني ومسك إيدي، وقال بصوت خافت ومكسور: * أمي.. أنا عارف إنك خايفة عليا، وعارف إن إخواتي زعلانين.. بس هي دلوقتي ملهاش غير ربنا وغيرنا. لو بتحبوني بجد، ادعولها من قلبكم، وسيبوني جنبها لحد ما تقف على رجليها. مسكت إيده وبستها، ودموعي نازلة على إيده المجبسة وقلتله: * والله يا بني أدعيلها من كل قلبي، والله العظيم ما جوايا ناحيتها غير كل خير وحب.. إحنا كنا غلطانين يا ضنايا، والدرس كان قاسي علينا كلنا.. روح ارتاح في أوضة الانتظار، وأنا وإخواتك مش هنمشي من المستشفى غير لما تطمن عليها خالص. بناتي قربوا منه، والكبيرة حضنته وقالت: * إحنا جنبك يا حبيبي.. مش هنمشي، وأي حاجة تحتاجها العروسة أو أنت، إحنا اللي هنعملها بإيدينا. القعدة في المستشفى طولت، والليل دخل تاني. بناتي أصروا يروحوا الكافيتيريا ويجيبوا أكل وعصاير لأخوهم وللأطباء، وبدأوا يتحركوا بلهفة وخوف حقيقي على أخوهم وعلى مراته. تغيرت طريقة كلامهم عنها تمامًا؛ ما بقاش فيه “الست هانم” ولا “اللي بتتمسكن”، بقى اسمها “عروسة أخونا” و”البنت الطيبة اللي ملهاش ذنب”. على الساعة أربعة الفجر، وأنا قاعد على الكرسي في الطرقة، حسيت بحركة جنب العناية المركزة. قمت بالراحة وبصيت من الإزاز. لقيت مراته فتحت عينها تاني. المرة دي كانت أهدى، والممرضة كانت جنبها بتمسح جبهتها بقطنة. العروسة لفت رأسها بالراحة ناحية الباب الشفاف، وعينها وقعت عليا وأنا وافقة لوحدي في الطرقة. بقيت باصة لها، وقلبي بيتنفض. رفعت إيدي بالراحة من ورا الإزاز، وحطيتها على صدري ناحية قلبي، وهزيت رأسي ليها بابتسامة حنونة مليانة دموع ورجاء كأني بقولها: “سامحيني يا بنتي.. حمد الله على سلامتك”. مراته فضلت باصة لي لثواني.. وشها الباهت والمجهد بدأ يظهر عليه ظل ابتسامة خفيفة أوي، أرق وأصدق من كل الابتسامات الرسمية اللي شفناها قبل كده. هزت رأسها حركة صغيورة جدًا، وكأنها بتقولي: “أنا سامحتك.. ومفيش حاجة”. اللحظة دي كانت زي البلسم اللي نزل على قلبي وغسل كل الغل والوساوس. عرفت إن البنت دي فعلاً أصلها طيب، وإنها مش شايلة في قلبها أي نقطة سواد، رغم كل اللي عملناه فيها. تاني يوم الضهر، الدكتور أذن لابنك إنه يدخلها لمدة خمس دقائق بس، بشرط ما يخليهاش تتكلم كتير. ابنك دخل، وكان ماسك إيدها وبيكلمها بالراحة. وبعد كام دقيقة، لقيناه بيشاور لينا من جوة الأوضة بابتسامة، وبيقول للممرضة تفتح الباب عشان ندخل نسلم عليها دقيقة واحدة. دخلت أنا وبناتي ببطء شديد، ورجلينا بتترعش من الرهبة والخجل. قربنا من السرير، ومراته كانت باصة لينا بعيون مليانة طيبة وهدوء. قربت منها، ووطيت على رأسها وبستها بحنان أم حقيقي لأول مرة، وقلت بصوت مخنوق: * حمد الله على سلامتك يا بنتي.. ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي، ربنا يخليكي لينا ولجوزك. بناتي قربوا، والكبيرة مسكت إيدها السليمة وبستها وهي بتعيط: * سامحينا يا مرات أخويا.. والله العظيم إحنا بنحبك، ومكنش قصادنا نضايقك أبداً.. حقك علينا يا حبيبتي. مراته بصت لبناتي، وبصت لجوزها اللي كان واقف عينيه مدمعة ومبسوط، وتكلمت بصوت خافت جدًا زي النسمة: * مفيش حاجة يا طنط.. إنتوا أهلي.. ومفيش زعل بين الأهل. الكلمة طلعت منها بصفاء نية كسر كل الخجل اللي جوايا. حسيت إننا أخيرًا بتبدأ صفحة جديدة بجد، بس الصفحة دي مكتوبة بالدم والتضحية والدعاء. بس وقبل ما نطمن تمامًا والجو يصفى، الباب اتفتح فجأة بحدة، ودخلت أم العروسة وأبوها وشقيقها، ووشوشهم كانت بتولع نار وغضب بعد ما عرفوا تفاصيل الحادثة والتعب اللي بنتها فيه… دخل أبوها وأمها وأخوها الصالون الصغير اللي برة أوضة العناية، والشرر بينط من عينيهم. الأم أول ما شافت بنتها متوصلة بالأجهزة وشها شاحب، اترمت عليها بصرخة هزت المكان، وبدأت تبكي بحرقة وهي بتتحسس دراعها الملفوف بالرباط. الأب لَف لابنك ووشه أحمر من الغيظ، وقرب منه بخطوات سريعة وحادة، وزقه في صدره زقة خفيفة وهو بيزعق بصوت مكتوم عشان المكان: * إيه اللي حصل لبنتي يا أستاذ؟! أخدتها من بيتنا وردة مفتحة وبصحتها، وفي كام شهر ترجعهالي مكسرة وبين الحياة والموت في المستشفيات؟! إيه النكد والحرقة اللي بنتي عايشة فيهم معاكم من أول يوم جواز؟! أخو العروسة اتدخل بسرعة ووقف قصاد ابنك وشادد جسمه: * إحنا ساكتين وماليين إيدينا بالصبر من يوم اللي حصل في بيتك ورجوعها زعلانة ومكسورة النفس! قلنا بكرة يعقلوا ويحترموا بنتنا والأصول، تقوم توديها في حادثة وتخليها تشيل الصدمة بدالك؟! بنتنا مش رخيصة ولا ملهاش أهل عشان تتبهدل البهدلة دي! ابنك كان واقف ساكت، حاطط رأسه في الأرض، وما حاولش يدافع عن نفسه أو يرد بغلظة. كان حاسس بالذنب والكسرة قصاد أهلها، وما كانش قادر يقول غير: * حقكم عليا يا عمي.. والله العظيم أنا فداء رجليها، وإصابتها دي كانت بسببي وهي بتتفاداني.. أنا مقدر زعلكم ومستعد لأي حاجة تطلبوها. أنا وبناتي ما قدرناش نقف ساكتين وابننا بيتهان قصادنا وهو تعبان ومجبس، بس المرة دي ما دخلناش بكبرياء ولا بعصبية زي زمان. قربت من أبو العروسة وبصيت له بعيون مليانة دموع ورجاء، وقلت بنبرة أم مكسورة: * حقك عليا أنا يا أبو فلان.. لو عايز تلوم حد أو تحاسب حد، حاسبني أنا. ابنك مالوش ذنب، وده قدر ربنا ومكتوب.. وبنتك أثبتت إنها بألف راجل، وحمت ابننا بروحها. والله العظيم إحنا عرفنا قدرها وقيمتها، وعلى رأسنا من فوق من هنا وجاي، ومش هتشوف مننا غير كل خير وحب. بناتي قربوا من أمها اللي كانت قاعدة تبكي، وبنتي الكبيرة وطت مسكت إيد الأم وقالت لها بصوت مخنوق: * يا طنط ارجوكي اهدى.. بنتك بخير والدكتور طمنا عليها، وإحنا هنا من إمبارح ما فارقناش باب الأوضة.. حقكوا علينا كلكم، وإحنا إخواتها ومن النهاردة تحت رجليها. الأم والأب بصوا لبعض بصدمة وذهول. كانوا داخلين متوقعين إنهم يلاقوا المعاملة الجافة والجفاء اللي بنتها كانت بتحكيه لهم، بس لقيوا استسلام كامل واعتراف بالجميل، وكسرة عين حقيقية منا كلنا قصاد أصل بنتها الطيب. الأب أخد نفس طويل، وغضب ملامحه بدأ يهدى شوية بشوية وهو شايف ابني وافِق بجبيرة إيده ورأسه الملفوفة، وشايف دموعنا ورجاءنا. بص لابني وقال بنبرة أهدى بس لسه جادة: * يا بني إحنا مش بتوع مشاكل، ولا جايين نعمل شو.. إحنا بنتنا هي كل حيلتنا في الدنيا، ولما نشوفها بالمنظر ده بعد كام شهر من جوازها، قلبنا يتحرق! البنت دي عاشت في بيت أباها معززة مكرمة، وعمر ما حد قلل منها ولا طلب منها حاجة تكسر نفسها! ابنك قرب من حماه، وباس رأسه وإيده وقال: * على رأسي يا عمي، وبنتك في حمايا وفي قلبي، والبيت بيتها واللي تؤمر بيه هو اللي هيتم.. ومش هتشوفوا مني ولا من أهلي غير اللي يرضيكم ويرضي ربنا. الأم هديت شوية، وقعدت جنب بنتها تمسح على رأسها بالراحه، والعروسة فتحت عينها ببطء، وبصت لأمها وأبوها وقالت بصوت واطي ومجهد: * متزعلش يا بابا.. ما حدش له ذنب.. طنط والبنات معايا من إمبارح وما سبنيش.. إحنا كويسين. الكلمة دي من العروسة كانت بمثابة طوق النجاة اللي لمّ الشمل وأنهى الخلافات بين العيلتين. الأب هز رأسه وقال لابني: * خلاص يا بني.. قدر الله وما شاء فعل. المهم بنتنا تقوم بالسلامة وترجع بيتها معززة. مرت الأيام اللي بعد كده في المستشفى هادية ونقية. العروسة بدأت تتحسن بشكل ملحوظ، وكل يوم كان بيعدي كان بيقربنا من بعض أكتر. أنا وبناتي كنا بنتبادل الشفتات مع أمها في المستشفى؛ نعمل الأكل في البيت ونجيبه دافي، ونغسل هدومها، ونساعدها في الحركة بالراحة، وابنك كان طاير من الفرحة وهو شايف أهله ومراته وأهلها بقوا إيد واحدة. وبعد أسبوعين كاملين من التعب والقلق، جه اليوم اللي الدكتور أذن فيه للعروسة بالخروج من المستشفى وترجع بيتها عشان تكمل فترة النقاهة. البيت بتاعهم كان متزين، وابنك كان مجهز كل حاجة بلهفة عريس جديد. وصلنا كلنا مع بعض؛ أنا وبناتي وأهلها، عشان نوصلها لحد سريرها ونطمن عليها. أول ما دخلنا الشقة، العروسة بصت للصالة، وافتكرت المكان اللي شهد على أول مشكلة بيننا، يوم ما كانت قاعدة على الأرض بتعمل الباديكير.. لفت بصتلي بنظرة فيها ذكريات حزينة بس ممتزجة بالارتياح للوضع الجديد. أنا فهمت النظرة دي على طول. قربت منها، ومسكت إيدها السليمة بالراحة، وأخدتها لحد الكنبة وقعدتها عليها كأنها ملكة. ولفت لبناتي وابني، وقلت بصوت واضح قدام الكل: * من النهاردة يا بني.. البيت ده بيتك وبيتها، والعروسة دي متتشالش غير على الراس.. وأي حاجة تطلبها في بيتها هي الآمرة الناهية فيها. بنتي الكبيرة ابتسمت وقربت جابت مخاد وحطتها ورا ضهر مرات أخوها عشان ترتاح، وقالت بضحكة صافية: * وأنا من النهاردة المانكير والباديكير بتاعي هعمله بنفسي في بيتي، ولما أوز أتعلم حاجة، هسأل أستاذتي بالمعروف وبأستئذان! الكل ضحك من قلبه، والجو اللي كان محبوس بالنكد والتوتر اتفك تمامًا، ومراته ابتسمت ابتسامة عريضة صافية من قلبها. لكن، وبينما كنا قاعدين بنشرب الشاي وبنتكلم والضحكة مالية المكان، رن جرس الباب برنة حادة ومستعجلة.. ابنك قام يفتح الباب وهو مستغرب مين ممكن ييجي في وقت زي ده، وأول ما فتح الباب، كانت المفاجأة اللي أربكت القعدة كلها وتسببت في صدمة جديدة محدش كان متوقعها… فتح ابنك الباب، ووقف في مكانة مذهول. على العتبة كانت واقفة واحدة ست في أواخر الأربعينات، معالم الرفاهية يبان عليها بس ملامحها حادة ومشحونة بالغضب، وجنبها راجل كبير باين عليه الوقار، ومعاهم شابين هيئتهم متوترة. الست دي ما استنتش ابنك يستأذنها أو يرحب بيها، زقّت الباب بإيدها ودخلت الصالة بخطوات سريعة وصوت جزمة يرن في المكان، وعينيها بتدور في البيت لحد ما وقعت على العروسة وهي قاعدة على الكنبة بيننا. العروسة أول ما شافتها، وشها اتخطف ولونها أصفر، ومسكت في دراع أمها برعشة شديدة. ابنك جيري وراهم وهو بيقول بصوت مشدود: * يا فندم في إيه؟! حضراتكم مين وداخلين كده إزاي؟! الست وقفت في نص الصالة، ولفت لابنك وبصت له من فوق لتحت بنظرة استعلاء، وبعدين بصلتي أنا وبناتي ولأهل العروسة، وقالت بصوت جهوري هز البيت: * أنا خالتها! الخالة اللي كنتم مستغلين إنها مسافرة برة مصر وما تعرفش القرف والمهانة اللي بنتها اتعرضت لها من أول يوم دخلت فيه البيت ده! أم العروسة قامت وقفت بسرعة ومسكت في أختها: * يا فادية اهدي صلّي على النبي! الموضوع عدى والحمد لله بنتي قامت بالسلامة والناس أصلحوا حالهم! ردت الخالة بعصبية وهي بتنفض إيد أختها: * أصلحوا حالهم إيه يا أختي؟! إنتوا اللي طيبين وزيادة عن اللزوم وبتعدّوا! البنت اتصلت بيا من فترة وهي بتعيط ومكسورة النفس من المعاملة والاستعباد اللي شافته، وقالتلي إني متجوزة ناس فاكرين نفسهم أسياد وهي خدامة عندهم! ولما حبيت أرجع مصر عشان أقف في وشهم، أسمع إن بنتي في المستشفى وبين الحياة والموت بسببه وبسبب أهله؟! أبو العروسة اتدخل بصوت حازم: * يا فادية يا أختي ما يصحش الكلام ده قدام الناس! الولد مراته فدته، والناس هنا عرفوا قدرها وما سبوهاش لحظة في المستشفى، والقدر مكتوب علينا جميعًا! الخالة لفت وشها لينا، وبصتلي أنا وبناتي بنظرة مليانة احتقار، وقالت بصوت عالي: * عرفوا قدرها بعد إيه؟! بعد ما بغشمهم حطوها في موقف يقلل منها؟ بعد ما البنت كادت تروح فيها؟! إنتوا فاكرين كلمة “حقك علينا” وحضنتين في المستشفى يمسحوا الإهانة؟ لا يا حبيبي! البنت دي من عيلة وليها ضهر، وأنا مش هسيبها على ذمة راجل ولا بيت ما يعرفوش قيمتها! ابنك اتنفض ومسك إيد مراته بقوة، وقال بصوت حاد وواثق: * لحد هنا وستوب يا فندم! البيت ده بيتي، والمرأة دي مراتي أنا! وأنا اللي يحميها بروحي، وعلاقتنا بأهلي أصلحناها بفضل ربنا وطيبة قلب مراتي! أرجوكي ما تتدخليش بين الراجل ومراته بأسلوبك ده! الخالة ضحكت بسخرية واستفزاز: * بيتك ومراتك؟ طب طالما أنت راجل وبيتك، إزاي سمحت لأمك وإخواتك يقعدوها تحت رجليهم من أول أسبوع؟ إزاي سيبتهم يكسروا نفسها بالمنظر ده؟! إيه، كنت مسافر ولا ما كنتش دريان؟! الكلام نزل عليا زي الصاعقة. حسيت إن الماضي اللي بنحاول ندفنه ونكفّر عنه بيصحى تاني يجلدنا، وإن الغلطة اللي عملناها في الأول لسه بتدفعنا التمن، وبتدي الفرصة للغريب يدخل يقل بكرامتنا في بيتنا. بنتي الكبيرة ما قدرت أتمسك نفسها، وقامت وقفت وبصت للخالة وقالت بثورة: * إحنا غلطنا واعترفنا بغلطنا وسامحتنا مرات أخونا من قلبها! إنتِ جاية بعد ما الأزمة عدت تولعي النار من جديد ليه؟! عايزة تخربي بيت بنت أختك عشان ترضي غرورك؟! الخالة صرخت: * أنا ما بخربش بيوت! أنا بكتف إيدين اللي يفكر يجي على كرامة بنتنا! والبنت دي مش هتقعد في البيت ده دقيقة واحدة بعد النهاردة! يلا يا حبيبتي قومي معايا، ورجليهم على دماغهم لو عايزين يرجعوكي ييجوا بشروطنا وأمام العيلة كلها! الصالة اتكهربت، الأصوات عليت، وأخو العروسة حاول يهدي خالته، بينما الراجل الوقار اللي معاها كان بيحاول يسيطر على الموقف. وابنك واقف ماسك إيد مراته ومش راضي يسيبها، وأنا واقفة في النص حاسة إن كل اللي بنيته في أيام المستشفى هيهدّ في ثانية بسبب لحظة طيش قديمة. وفي وسط الهيصة والزعاق والصوت العالي اللي كان هيوصل للجيران… العروسة قامت وقفت ببطء، ورغم التعب والإجهاد اللي باين على وشها، صرخت بصوت عالي مفاجئ قطع كل الأصوات في الصالة: * كفاااااية! الكل سكت ولف يبص لها بذهول. العروسة كانت بتتنفس بصعوبة، وعينيها مليانة دموع، وبصت لخالتها وقالت بصوت ثابت ومصحوب ببحة ألم: * يا خالة.. أنا بحبك وعارفة إنك خايفة عليا، بس البيت ده بيتي، والراجل ده جوزي اللي فديته بروحي ومستعدة أفتديه تاني! طنط والبنات أهل جوزي، وماحدش ليه حق يتدخل في حياتنا ولا يحط شروط على بيتي! الخالة اتصدمت وبصت لها بذهول: * أنتِ بتقولي إيه يا غبية؟! أنا باخد لك حقك! العروسة هزت رأسها بالرفض وقالت بنبرة قاطعة: * حقي أخدته يوم ما جوزي وقف في وش الدنيا كلها عشاني، حقي أخدته يوم ما شفت دموعهم وقوفهم معايا في المستشفى! اللي بيننا سامحنا فيه خلاص، وأنا مش هسمح لأي حد -حتى لو كان أقرب الناس ليا- إنه يخرب بيتي أو يقلل من جوزي وأهله! الهدوء نزل على الصالة زي المعجزة. الخالة فضلت باصة لبنت أختها ومش مصدقة الجرأة والقوة اللي بتتكلم بيها البنت اللي كانت فاكراها ضعيفة. لكن وقبل ما حد ينطق بكلمة ثانية أو الموقف ينتهي، العروسة حطت إيدها على جرحها فجأة، ووشها أصفر، ورجليها اتثنت تحتها، ووقعت في حضن جوزها وهي بتغمض عينيها تمامًا… وقع جسمها بين إيدين ابنك، والصالة كلها اتحولت لصرخة واحدة. ابنك شالها بسرعة ودخل بيها على أوضتها وهما وراه، ووالدها وأخوها ومعه الراجل الكبير مسكوا الخالة اللي كانت واقفة مشدوهة ومش قادرة تصدق إن انفعالها وعصبيتها كادوا يهدوا كل اللي الأطباء عملوه في أسبوعين. ابنك حطها على السرير بالراحة، وأمها جابت كولونيا وبقت تمسح على وشها، وأنا وبناتي كنا واقفين بنرتجف وندعي ربنا في سرنا. العروسة فتحت عينها ببطء، الإغماءة كانت من شدة الإرهاق والضغط النفسي اللي حطتها فيه خالتها، ومجرد ما اتنفست، بصت لجوزها اللي كان ماسك إيدها وبيعيط بجنون، وقالت له بصوت خافت: * أنا كويسة يا حبيبي.. متخافش عليا. الراجل الكبير اللي كان جاي مع الخالة طلع هو عمها الكبير، زق الخالة لخارج الأوضة وبص لها بحزم شديد وقالها بصوت جاف هز الصالة برة: * لحد هنا وكفاية يا فادية! البنت كبرت وعقلت وعرفت تختار بيتها وحياتها. البنت دافعت عن بيتها وجوزها وأهله بوجه حق، وأنتِ بأسلوبك ده كنتِ هتقتليها وتخربي بيتها! يلا بينا من هنا، والبيت ده له أصحاب يمشوه بالأصول! الخالة وشه أصلد ومقدرتش تنطق بكلمة، أخدت بعضها وخرجت ومعاها عمها، وسابوا البيت في حالة من الهدوء الشديد بعد العاصفة. خرجنا كلنا من الأوضة وسيبنا العروسة ترتاح جنب أمها وجوزها. وقفت في نص الصالة، وبصيت لأبو العروسة، وقلت له بنبرة مليانة صدق وألم حقيقي: * يا أبو فلان.. أنت مربي جوهرة. والله العظيم بنتك عملت درس في الأصول والوفاء إحنا نطأطئ راسنا قدامه خجلاً. ابنك في عينينا، وفي قلوبنا، وحقها عليّ وعلي بناتي لحد آخر يوم في عمري. أبو العروسة ابتسم ابتسامة هادية، وجاني ومسك إيدي وباس رأسها وقال: * الحمد لله يا أم فلان.. الأزمة كشفت المعادت، ومعدنكم طلع أصيل لما اعترفتوا بالحق. ربنا يسعدهم ويؤلف بين قلوبكم جميعًا. مرت الأيام، ورجعت الحياة لطبيعتها، بس مش زي زمان.. رجعت أحسن وأحلى بكتير. البيت عندنا ما بقاش يفضى من العروسة وابني. بقينا نتجمع كل نهاية أسبوع، بس المرة دي المعاملة اتغيرت تمامًا. بناتي بقوا يشيلوها من على الأرض شيل، ولو هي فكرت تقوم تجيب كوباية مية، بنتي الكبيرة تجري عليها وتقولها: “اقعدي أنتِ يا ملكة، البيت ده إنتِ تطلبي فيه وبس!”. وأنا، بقيت أشوف فيها البنت اللي ربنا بعتهالي عشان تصلح من نفسي وتفكرني إن القوة مش بالسيطرة ولا بكسر عين الناس، إنما القوة الحقيقية في الأدب، والأصل الطيب، والاحتواء. في يوم من الأيام، كنا قاعدين كلنا بنضحك وبنتفرج على صور الفرح، والعروسة كانت قاعدة جنبي حاطة رأسها على كتفي بكل حب وأمان، لابسة المانكير الشيك بتاعها وزي القمر. بصيت لابني، لقيته قاعد يبص لنا وابتسامة الرضا والفرحة مالية وشه، كأنه بيقولي بعينيه: “شكراً يا أمي إنك عرفتي قيمة مراتي”. وطيت على رأسها وبستها، وحسيت برغبة جارفة إني أقولها الكلمة اللي كانت محبوسة جوايا من أول يوم شافتها فيه عينيا: * تعرفي يا بنتي؟ رجليكي الحلوة الناعمة دي.. طلعت هي اللي شالت البيت ده كله من الانهيار، ورسّخت قيمتك في قلوبنا العمر كله. ابتسمت العروسة وبست إيدي وقالتلي: * ربنا ما يحرمنا منك يا طنط.. البيت ما يحلاش غير بيكم. وتقفلت الصفحة القديمة بكل نكدها وغرورها، واتفتحت صفحة جديدة عنوانها الاحترام، والأصل الطيب، والبيت اللي اتبنى على الحب والمودة الحقيقية.