روحنا بعد الفرح
وساعتها، وقف ابنك في مكانه تمامًا. مفتاح البيت كان لسه في إيده، وعينيه اتثبتت على المنظر اللي قدامه: مراته عروسة الأسبوع، قاعدة على الأرض تحت رجلينا، حواليها الميه والصابون وأدوات الباديكير، ومسكين رجل أخته بتدعكها.
الهدوء الغريب اللي حلّ في الصالة قطع كل الضحك والظرف اللي كنا فيه. نظرة ابني اتغيرت في ثانية؛ التحول من الابتسامة اللي كانت على وشه وهو داخل بيته لملامح ذهول وغضب مكتوم كان ينطق. مراته أول ما شافته، إيديها أترعشت والجمود حطّ عليها، رفعت رأسها ببطء وشافته، ووشها احمرّ بكسفة وخجل مش طبيعي، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر عشان تطلع من اللي هي فيه، وفي نفس الوقت ميتة من الحرج إن جوزها يشوفها بالمنظر ده.
ابنك أخد نفس طويل، ودخل قفل الباب وراه بالراحة، بس القفلة كان ليها صوت يرن في البيت كله. اتكلم بصوت هادي جدًا، بس الهدوء ده كان أشد من العاصفة:
* هو إيه اللي بيحصل هنا؟
بنتك الكبيرة قامت تعدل قعدتها بسرعة، ومسحت رجلها في الفوطة وهي بتحاول تلطف الجو وتبان إن الموضوع هزار، وقالت بضحكة ارتباك:
* إيه يا حبيبي، حماتك وأخواتك بيجربوا خدمات العروسة الجديدة! بنهزر معاها وهي طيبة وبتقولنا على سر المانكير والباديكير بتاعها.
ابنك ما بصلهاش أساسًا، عينيه كانت نازلة لمراته اللي كانت بتحاول تقوم وتقف على حيلها بسرعة، إيديها بتترعش وهي بتمسح الميه من إيديها في هدومها، ومش قادرة ترفع عينها في عينه. قرب منها خطوتين، وبص للأدوات والميه اللي على الأرض، وبعدين بصلي أنا وبناته، وقال بصوت واضح وكلمات متقطعة:
* هو إحنا جايبين عروسة بيتها، ولا جايبين واحدة تخدم وتغسل أرجل؟
أنا اتعدلت في قعدتي، وحسيت إن الهيبة اللي كنت بحاول أفرضها من أول يوم ممكن تتهز لو سكت، فقلت بثبات وبابتسامة مشحونة:
* إيه يا بني مالك كبرت الموضوع ليه؟ إحنا بنهزر، وهي اللي عزمت علينا وشرحت لنا، وقالت حاضر من نفسها لما طلبنا منها، محدش غصبها على حاجة، ولا هي كبرت علينا؟
مراته كانت واقفة ورا جوزها مش بتتكلم، بس الدموع كانت اتجمعت في عينيها خلاص ومستنية لحظة عشان تنزل. ابنك بصلي ونظرته كان فيها عتاب وقسوة ما شفتهاش منه قبل كده، وقال:
* من نفسها يا أمي؟ عروسة بقالها أسبوع متجوزة، حاطينها تحت رجليكم تغسل وتعمل، وتقوليلي من نفسها؟ هي كانت هتقدر تقولك “لأ” إزاي وإنتوا كلكم قاعدين فوق رأسها وتطلبوا واحدة ورا الثانية؟ هي اتحرجت منكم، بس إنتوا ما حرجتوش سنها ولا قدرها!
بنتي الصغيرة اتدخلت بضيق وقالت:
* جرى إيه يا أخويا؟ ما تبقاش حساس أوى كده، إحنا أهلك مش أغراب، وهي مراتك يعنى زي أختنا، وبعدين هي اللي وافقت من الأول!
هنا ابنك انفجر بصوت واطي بس يرعب، بص لأخته وقالها:
* أختك؟ لو إنتِ في بيتك ودخلت وشفت حماتك وأخوات جوزك ممرغين كرامتك وقاعدين يخلوكي تغسلي رجليهم، كنتِ هتسميها هزار؟ ولا كنتِ هتقومي الدنيا وما تقعديهاش وتقولي بيستغلوني ويقللوا مني؟
البيت كله سكت. البنات بصوا لبعض وما حدش قدر يرد، لأن الكلمة جابت الخلاصة. مرات ابنك في اللحظة دي ما قدرتش تمسك نفسها، ودمعة نزلت منها بس مسحتها بسرعة وحاولت تتكلم عشان تلم الموقف وقالت بصوت متقطع وبحة خجل:
* خلاص يا حبيبي.. حصل خير.. هما كانوا بيجربوا معايا.. أنا اللي…
ابنك لف لها وبصلها بحدّة بس كان فيها حنية مجروحة، قطع كلامها وقالها:
* سكتي ليه لما اتدبستي؟ ليه ما قلتيش لأ؟ البيت ده بيتك، واللي ما ترضيهوش على نفسك ما تعمليهوش عشان ترضي حد حتى لو كان أمي وأخواتي! كرامتك من كرامتي، ولما تقعدي تحت رجلين حد، يبقى أنا اللي قاعد تحت رجليه!
الكلمة دي طعنتني أنا والبنات. حسيت إن خطتي إني أعرفها قيمتها وأكسر عينها من أول يوم انقلبت عليا، وإن ابنك بدل ما يسكت أو يقف معاها في السر، حط خط أحمر كبير قصادنا كلنا في وشنا بوضوح.
ابنك طأطأ وجاب جردل الميه والأدوات بإيده من على الأرض، وشالهم ودخل بيهم المطبخ، ورجع وقف في نص الصالة، بصلي وقال بنبرة هادية بس ماليها القرار:
* أمي.. على رأسي من فوق، وإخواتي على رأسي.. تنوروا البيت في أي وقت وتاكلوا وتشربوا وتتشالوا على الرأس.. بس شغل الاستعباد ومين يمشي كلمته على مين ده مش هيحصل في بيتي. مراتي مش خدامة عند حد، واللي يعوز يتظبط ويتدلع يروح بيته يعمل لنفسه، أو يروح كوافير، إنما مراتي خط أحمر.
بناتي بصلولي ومستنيين رد فعلي، وأنا كنت قاعدة حاسة إن الموقف كبر وشكلنا بقى وحش جدًا قصاد العروسة اللي كانت واقفة جنب جوزها، حاسة بحماية وضهر وقفت وراه، وعينيها اللي كانت مليانة قلق وتوتر أتحولت لنظرة اطمئنان، رغم الخجل اللي بياكلها.
قلت وأنا بقوم وبحاول ألم اللي باقي من كرامتي وكرامة بناتي:
* ماشية يا بني.. شكراً على القيمة اللي حطيتهالنا قصاد مراتك من أول أسبوع.. إحنا كنا فاكريننا أهل، بس واضح إننا كبرنا وعجزنا ومش عارفين الأصول.
ابنك ما اتراجعش، ولا حتى حاول يلطف الكلمة، بس قرب وباس إيدي وقال:
* إنتِ على راسي يا أمي، والأصول عارفها كويس، والأصول بتقول إن العروسة تتدلع وتتخدم في أسبوعها الأول، مش تنزل تحت الرجلين. اتفضلوا نوصلكم ولا تقعدوا تشربوا حاجة؟
الرد بتاعه كان قاطع، وما سابش لينا أي مساحة نكابر أكتر من كده. بناتي بدأوا يلموا شنطهم بسرعة ووشهم جاب ألوان، ومراته واقفه ساكتة، ما بتتكلمش بس عينها كانت بين الجرأة اللي أخدتها من جوزها والخوف من الستات اللي واقفين قدامها.