فاتت تلات سنين

قعدت بعيد عنها شوية، وسألتها السؤال اللي كان واكل عقلي: إيه اللي جابك يا هنا؟ المطر مش سبب كفاية يخليكي تيجي وتوافقي تباتي بالسرعة دي.. فيه إيه؟

بصت لي وعينيها كانت حمرا من كتر العياط وقالت بكسرة: أنا خسرت كل حاجة يا خالد. بعد الطلاق، كنت فاكرة إني هعرف أبني حياتي من جديد، بس اكتشفت إني كنت بتهد. شغلي راح، والشقة اللي كنت مأجراها صاحبها طلعني منها عشان مش قادرة أدفع، وأهلي.. أنت عارف أهلي، ملهومش في الوجع ده. ملقيتش مكان أحس فيه بالأمان غير هنا.. جنبك وجنب ابني. أنا جيت أودعه يا خالد، كنت ناوية أسيب البلد وأسافر اشتغل في أي حتة بعيد.

في اللحظة دي، شريط التلات سنين عدى قدام عيني. شفت مازن وهو بيسأل عليها في سره، وشفت نفسي وأنا بحاول أملى فراغ هي سابته ومحدش عرف يملاه. السكوت ساد المكان، بس كان سكوت مليان كلام.

فجأة مازن خرج من أوضته، كان لسه بيفرك في عينيه من النوم، مشي ناحيتها وقال ببراءة الأطفال: ماما.. إنتي مش هتمشي تاني صح؟ بابا قال لي إنك مسافرة شغل كتير، بس الشغل خلص خلاص؟

بصت لي هنا وهي مستنية ردي، مستنية أشوف هل هرميها برا حياتي تاني ولا هفتح الباب اللي قفلته بالضبة والمفتاح. بصيت لمازن وابتسامته اللي نورت وشه، وبصيت لهنا اللي الثقة ضاعت من عينيها.. وحسيت إن الهدوء اللي كنت عايش فيه مكنش استقرار، ده كان غيبوبة.

وبحلول الصبح.. كل حاجة اتغيرت.

لما الشمس طلعت، هنا ملمتش شنطتها عشان تمشي. كانت في المطبخ بتعمل الفطار لمازن زي زمان، وأمي ال امبارح اتصلت بيها جت على طول الصبح وكانت واقفة جنبها بتضحك. دخلت المطبخ، وبصيت لها وقلت: مازن عنده تمرين النهاردة بعد المدرسة.. تفتكري نلحق نوديه سوا؟

هنا ابتسمت، والمرة دي الأمل اللي كان في عينيها مكنش مجرد محاولة، ده كان بداية لرجوع الروح للبيت. الورقة اللي اتكتبت من تلات سنين لسه موجودة، بس القلوب اللي اطلقت ساعتها، قررت النهاردة إنها تمضي عقد جديد.. عقد عنوانه فرصة تانية.

أول ما قالت الجملة دي، حسيت إن جرح قديم اتفتح وصوته كان مسموع في هدوء الشقة. نفس المبررات، نفس الكلام عن المستقبل اللي دايماً بيجي على حساب الحاضر.

لمحة نيوز

بصيت لها وقلت بصوت واطي بس حاد: — مستقبل إيه يا هنا؟ المستقبل اللي بيبدأ بكسرة قلب ابنك دلوقتي؟ أنتي لسه قايلة إنك عرفتي إن الموضوع مش جدول زيارات، ودلوقتي راجعة تتكلمي في سفر وفرص؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *