الفصل الرابع رواية الكاتبة ملك إبراهيم مريم ركبت جنبه وهي خايفة، قلبها بيدق بسرعة، مش فاهمة حاجة ولا عارفة إيه هدفه من الجوازة دي وهو لسه متجوز بنت عمه إمبارح. العربية اتحركت والشقة البسيطة بقت وراهم. مريم بصت له بطرف عينيها وجمعت كل شجاعتها وقررت تسأله، قالت بصوت واطي ومرتعش: “هو.. هو حضرتك اتجوزتني ليه يا ياسين بيه؟ وانت لسه متجوز إمبارح؟” ياسين رد بهدوء وهو بيبص قدامه وسايق، صوته بارد ومفيهوش أي مشاعر: “عادي.. حقي الشرعي أتجوز اتنين وتلاتة وأربعة” مريم بصت له بصدمة، عينيها وسعت ووشها بقى أصفر، بقت بتبص قدامها وهي مصدومة من رده، معقول هو راجل عينه زايغه وعايز يجمع أربع ستات حواليه ويقول حقي الشرعي!! كانت فاكراه إنسان بجد ومختلف، ليه يتجوز علي مراته الأولى وهي لسه عروسه.. ليه يكسر قلبها. ياسين كان عايز يضحك لما شاف صدمتها في المراية، كتم ضحكته جواه بالعافية، عجبته براءتها وخوفها، بس بدأ يفكر في حاجة تانية أهم.. إنه يعمل حفلة كبيرة في القصر ويقدم فيها مريم إنها مراته قدام كل الناس، ويرد كرامتها وكرامته قدام اللي فضحوه. وصلوا القصر، العربية وقفت قدام الباب الكبير ومريم كانت خايفة، إيديها ماسكة في بعضها. ياسين نزل وفتح لها الباب وطلب منها تنزل معاه، قال بهدوء: “انزلي” دخل القصر ومريم داخلة وراه خايفة ومتوترة، خطوتها صغيرة ووراها حارس شايل شنطتها البسيطة القماش اللي شكلها يكسف وسط فخامة القصر. أول لما ياسين دخل القصر، عمه ومرات عمه كانوا واقفين في الصالة، أول ما شافوه هو ومريم وراه واقفين مصدومين. ياسين بكل صوته نادى على واحدة من الخدم وقال بحدة: “اطلعي أوضتي.. وانقلي أي حاجة تخص لمياء في أوضة تانية.. ونضفوا الأوضة كويس أوي عشان مراتي الجديدة هتعيش معايا فيها” عمه اتصدم وبرق، ومرات عمه ثريا صرخت وزعقت وقالت وهي بتبص لمريم من فوق لتحت باحتقار: “يعني إيه مراتك الجديدة؟ انت اتجوزت الخدامة؟ انت اتجننت يا ياسين؟” مريم وشها جاب ألوان ودموعها اتجمعت في عينيها، حست إنها صغيرة أوي. ياسين قرب منها ووقف جنبها، بص لعمه ومرات عمه بنظرة تحذير كلها نار وقال بصوت عالي هز القصر: “ياريت يا عمي تبلغ ثريا هانم إن كرامة مراتي من كرامتي.. ومش هسمح لأي حد يهينها.. القصر ده كله بيتي.. ومراتي هتكون ست الكل هنا.. واللي هيزعلها هزعله.. واللي هيهينها كأنه أهانني أنا بالظبط” ثريا سكتت وبلعت ريقها من قوة كلامه، ورأفت واقف مصدوم مش عارف يرد، ومريم واقفة جنب ياسين لأول مرة حاسة إن ليها ضهر وسند، حتى لو جوازهم كان غريب ومش مفهوم. خطوات صوتها عالي نازلة من على السلم، تكتكة كعب عالي بترزع في الأرض، لمياء نازلة من أوضتها وهي متعصبة ووشها أحمر من الغضب، كانت سامعة كل حاجة من فوق. نزلت وقفت قدام ياسين ومريم وقالت بصوت عالي وهي بتبص لمريم بقرف: “يعني إيه هتنقل حاجتي من أوضتك؟ ومين البتاعة دي؟ جايبها هنا تعمل إيه؟” ياسين وقف قدامها وسد عليها الطريق، بص لها بنظرة كلها احتقار وقال ببرود: “دي مراتي.. ست البيت هنا.. واللي عايز يقعد في البيت ده يعرف حدوده كويس ويحترم أصحاب البيت” لمياء اتصدمت، عينيها برقت وبصت لمريم من فوق لتحت وقالت بضحكة كلها استهزاء: “مراتك؟ انت اتجوزت الخدامة؟” مريم بتحس إنها دخلت حرب وسط العيلة ومش فاهمة حاجة، واقفة ماسكة شنطتها وبتترعش، نفسها ترجع بيتها البسيط تاني. رواية الكاتبة ملك إبراهيم ياسين مسك مريم من إيديها، مسكة حنينة طمنت قلبها، وطلعوا على فوق، كانوا الخدم بينضفوا الأوضة بتاعته وبيشيلوا هدوم لمياء وينقلوها في أوضة تانية. ياسين دخلها أوضة صغيرة جنب أوضته وقال لها بهدوء: “اقعدي هنا لحد ما يخلصوا” مريم قعدت على طرف السرير وهي لسه ماسكة شنطتها في حضنها، بصت حواليها، الأوضة كلها فخمة وريحتها حلوة، عمرها ما شافت أوضة زي دي حتى في التلفزيون. بصت لياسين بخوف وقالت: “هو انا هفضل هنا؟” ياسين بص لها وقال: “أيوه.. هنا بيتك من النهاردة.. متخافيش.. محدش هيقدر يقرب منك طول ما انتي معايا” وسابها وخرج وقفل الباب وراه، مريم قعدت لوحدها ودموعها نزلت، مش عارفة هي المفروض تفرح عشان هتنقذ أبوها ولا تعيط عشان بقت في حرب هي ملهاش ذنب فيها. رواية الكاتبة ملك إبراهيم ياسين نزل لقى عمه ومرات عمه ولمياء واقفين مستنيينه في الصالة، وشهم كله غضب ومش طايقين نفسهم. وقف قدامهم بإيديه في جيوبه وقال بكل ثقة: “في حفلة هعملها هنا في القصر عشان أعلن جوازي” عمه استغرب وبرق وقال: “تعلن جوازك من مين؟” ياسين رد عليه ببرود وبص ل لمياء بقرف وقال: “أنا مش متجوز غير واحدة بس يا عمي.. بنتك اتطلقت خلاص ياريت متنسوش ده” لمياء بقت واقفة هتتجنن، صرخت وقالت وهي هتعيط من القهر: “هتعلن جوازك من واحدة تانية إزاي وإحنا فرحنا كان من يومين؟ الناس هتقول عليا إيه؟ هبقى مطلقة بعد يومين جواز؟” ياسين اتضايق من بجاحتها، قرب منها خطوة وقال: “ناس إيه؟ انتي بيهمك ناس؟ احمدي ربنا إني هستر عليكي قدام الناس ومش هقول انتي عملتي إيه.. وبعدين أنا مش هقول إنها مراتي التانية.. أنا هعلن إنها مراتي الأولى.. هي اللي هتكون معايا طول الحفلة.. وانتو كلكم هتكونوا موجودين وهتسقفوا كمان” مرات عمه ثريا واقفة مولعة وسألته بغضب: “والحفلة دي هتكون إمتى؟” ياسين رد وهو بيمشي ناحية أوضة المكتب وقال وهو بيديهم ضهره: “لما أقرر هبلغكم” ودخل أوضة المكتب وقفل الباب وراه وسابهم واقفين بياكلوا في بعض. لمياء صرخت وقالت لأمها وهي بتعيط: “أنا مش هسمح له يعمل فيا كده.. أنا هفضحه.. هقول للناس كلها إنه طلقني عشان الخدامة” أبوها رأفت انفجر فيها لأول مرة في حياته وزعق فيها بغضب خلاها تترعش: “اخرسي بقى! انتي السبب في كل ده.. خلتيني مكسور مش قادر حتى أدافع عنك.. لمي لسانك واقعدي في أوضتك لحد ما أشوف حل لمصيبتك” لمياء سكتت وطلعت تجري على أوضتها وهي بتعيط، وثريا واقفة بتبص لجوزها بقهر، أول مرة يحسوا إن هيبة ياسين الجارحي ممكن تدوس على أي حد حتى لو كانوا أهله. لمياء طلعت الأوضة وهي مولعة، لقت الخدم خرجوا شنطتها من أوضة ياسين ورموها قدام باب أوضة تانية صغيرة، اتعصبت أكتر ووشها بقى أحمر زي الد..م. لفت وشها شافت الباب بتاع الأوضة اللي فيها مريم، فتحت الباب بغضب مرة واحدة. مريم انتفضت وهي قاعدة على طرف السرير وحاضنة شنطتها، قلبها وقع في رجليها أول ما شافت لمياء داخلة عليها زي المجنونة. لمياء قربت منها ووقفت قدامها وبصت لها من فوق لتحت باحتقار وقالت بصوت كله سم: “اسمعي يا بت انتي.. أوعي تفكري إن انتي ممكن تاخدي مكاني.. انتي حتة خدامة.. ياسين جايبك هنا عشان يغيظني بيكي.. أول ما نتصالح.. هيرميكي في الشارع زي ما جابك “ مريم اتصدمت، عينيها دمعت وحست بوجع في قلبها، الكلام دخل قلبها زي الس\كينة. لمياء فرحت لما شافتها صدقتها، كملت كلامها بخبث وقالت وهي بتضحك: “نصيحتي ليكي بلاش تعلقي نفسك بوهم.. لأن ياسين مش بيحب غيري.. وأكيد مش هيسيب بنت عمه اللي بيحبها.. ويكون مع الخدامة.. هو بس عايز يغيظني شوية ويرجعلي.. وانتي هتبقي مجرد كوبري” مريم سكتت ووشها بقى أصفر، افتكرت كلام ياسين في العربية لما قال لها حقي الشرعي أتجوز اتنين وتلاتة وأربعة، يبقى كلام لمياء صح.. هو جايبها يغيظها بيها. لمياء لفت وخرجت وهي مبسوطة إنها وجعتها، وسابت مريم قاعدة بتعيط لوحدها. مريم مسحت دموعها وقعدت على طرف السرير وقالت لنفسها بصوت مخنوق: “أنا مش هبقى لعبة في إيد حد.. أنا جيت هنا عشان أبويا وبس.. مش عشان ياسين ولا عشان غيره” رواية الكاتبة ملك إبراهيم بعد ساعة الباب خبط ودخل ياسين، باين عليه التعب، بص لمريم اللي قاعدة لوحدها في الأوضة الصغيرة وقال بهدوء: “حاجتك جاهزة في أوضتي.. الخدم نضفوها” مريم وقفت قدامه بتحدي وكرامة، رغم إنها خايفة بس حاولت تبقى قوية، قالت بصوت واضح: “أنا مش عايزة أكون مع حضرتك في أوضة واحدة.. أنا مش عارفة انت اتجوزتني ليه ولا إيه هدفك من الجوازة الغريبة دي.. مفيش منطق إن عريس كان فرحه من يومين يتجوز على مراته” ياسين بص لها أوي، قرب خطوة وسألها بنظرة عميقة: “ولما انتي مش مقتنعة بالجواز.. وافقتي ليه؟” مريم ردت بدون تردد، عينيها في عينيه: “وافقت عشان بابا.. عشان هتساعده يعمل العملية ويعيش مرتاح” ياسين بص لها بعمق ومردش، حس بوجع غريب من صراحتها، هز راسه وقال بهدوء: “وأنا مش هغصبك على حاجة.. هبلغ الخدم ينقلوا شنطتك هنا وخليكي برحتك” لف عشان يمشي، مريم وقفته بصوتها وقالت: “في طلب كمان من فضلك” ياسين بص لها. قالت بتوتر وهي بتفرك إيديها: “أنا بشتغل في محل لعب أطفال.. ومش هينفع أسيب الشغل عشان عاملة سلفة من المرتب” ياسين رد ببساطة وقال: “هبعت حد يدفعلك الفلوس اللي خدتيها منهم” ردت بسرعة وقالت: “لأ.. أنا عايزة أكمل في شغلي.. مش عايزة أخسره” استغرب وبص لها وقال بدهشة: “انتي مش عارفة انتي بقيتي مرات مين؟ عايزة مرات ياسين الجارحي.. تشتغل بياعة في محل لعب؟!” ردت بتحدي، لأول مرة بنت تقف قدامه بالشكل ده وقالت: “الكلام ده لو الجوازة دي طبيعية.. إنما في حاجة غلط.. يمكن حضرتك مش عارف انت نفسك عايز إيه؟ ومش عارف إذا قرار جوازنا ده صح ولا غلط.. أكيد أنا مش هخسر شغلي عشان جوازة مش معروف مصيرها” وكملت برجاء وعينيها بتلمع: “لو سمحت سيبني أكمل في شغلي” ياسين بص لها بتفكير طويل، البنت دي مختلفة عن أي حد شافه، مش طمعانة في فلوسه ولا في القصر، عايزة تحافظ على شغلها البسيط. مردش عليها وخرج وسابها واقفة محتارة، بس من جواه كان واخد القرار، وقرر إنه هيسيبها تعمل اللي هي عايزاه، عشان يشوف البنت العنيدة دي هتوصل لفين. رواية الكاتبة ملك إبراهيم اليوم عدى تقيل أوي على القصر كله. مريم جوه أوضتها، قاعدة لوحدها على السرير، لا بتاكل ولا بتشرب، بتفكر في أبوها وفي كلام لمياء اللي وجعها، وبتفكر في ياسين اللي مش فاهماه، حاسة إنها تايهة في قصر كبير أوي عليها. وياسين قاعد في أوضته، قاعد على الكرسي قدام البلكونة اللي اتصورت منها الصورة، سايب النور مطفي وبيفكر، بيفكر إزاي يرد كرامة مريم قدام الناس، وإزاي يثبت إنها مراته بجد مش لعبة، وبيفكر في نظرة التحدي اللي كانت في عين مريم وهي بتقول له أنا مش هخسر شغلي عشان جوازة مش معروف مصيرها، أول مرة واحدة تقوله لأ. وتحت في الصالون، عمه رأفت ومرات عمه ثريا قاعدين بيخططوا، بيوشوشوا بعض. ثريا بتقول: “لازم نصلح علاقة ياسين بلمياء بسرعة.. البتاعة اللي فوق دي لازم تخرج من البيت.. أنا مش هقبل إن خدامة تبقى ست القصر” رأفت بيرد وهو بيفكر: “سيبيه يهدى.. ياسين عنيد.. لو ضغطنا عليه هيعند أكتر.. لازم نلعبها بذكاء” ولمياء كانت قاعدة في أوضتها الجديدة الصغيرة اللي اتنقلت ليها، بتبص لنفسها في المراية وبتفكر، بس تفكيرها كان شيطاني. كانت بتفكر إزاي تستغل طيبة مريم الواضحة، البنت الغلبانة الطيبة اللي باين عليها مبتعرفش تكره حد، قالت لنفسها بابتسامة خبيثة: “البنت دي طيبة وهبلة.. لو عرفت أضحك عليها وأبقى صاحبتها.. هخليها هي اللي تطلب الطلاق بنفسها من ياسين.. وتخرج من القصر بمزاجها.. وساعتها ياسين هيرجعلي.. ده بيحبني أنا” وقامت وقفت قدام المراية وعدلت شعرها وقالت: “أنا هبدأ من بكرة.. هبقى الطيبة الغلبانة المظلومة قدامها.. وهي هتصدقني” وفي أوضة مريم.. مريم كانت نايمة وهي حاضنة شنطتها القماش، بتحلم إنها رجعت بيتها الصغير وأبوها قام من الكرسي وبيمشي، ومش عارفة إنها من بكرة هتبقى في اختبار صعب مع ناس عمرها ما قابلت زيهم. رواية الكاتبة ملك إبراهيم صباح يوم جديد، الشمس داخلة من شباك الأوضة الصغيرة. مريم فتحت عينيها على رنة تليفونها القديم، كان رقم والدها. تليفونها قديم والسماعة صوتها واطي وبيقطع، ردت على والدها وهي بتعلي صوتها على الآخر عشان يسمعها، خرجت للبلكونة بتاعة أوضتها وهي بتتكلم بصوت عالي: “ألوووو يا بااابااا.. سامعني؟ يا بابا؟” ياسين كان بيجهز في أوضته عشان ينزل الشركة، لابس قميص أبيض ومظبط نفسه. سمع صوتها العالي في البلكونة. خرج للبلكونة وشافها واقفة بتتكلم في التليفون وبتزعق عشان والدها يسمعها: “ألوو يا بابا.. أنا كويسة اطمن.. كويسة والله..” ياسين لما شاف التليفون اللي بتتكلم فيه فهم هي ليه بتعلي صوتها، تليفون قديم مكسور. وقف يبص عليها وهو بيبتسم غصب عنه، كانت لسه صاحية من النوم، شعرها متلخبط ووشها طبيعي من غير أي مكياج بس جميلة ورقيقة جداً، جميلة بجد. خلصت المكالمة مع والدها وقفلت، مش حاسة بوجود ياسين في البلكونة اللي جنبها، بصت على الجنينة من فوق وقالت بحماس وفرحة طفلة صغيرة: “الجنينة من فوق شكلها حلو أوي..” وبصت لتليفونها القديم وقالت بحزن: “لو كان معايا تليفون بكاميرا كنت اتصورت دلوقتي مع منظر الجنينه من هنا” ياسين ابتسم وخرج تليفونه من جيبه، تليفون غالي وآخر موديل، وصورها وهو واقف مكانه، صورتها وهي بتبص للجنينة وضحكتها على وشها. واتكلم فجأة وهو بيلتقط الصورة التانية وقال: “ممكن تبصي هنا؟” مريم اتخضت لما سمعت صوته، اتنفضت وبصت له بسرعة، لقط الصورة على طول وهو بيبتسم، صورتها وهي مخضوضة وعينيها واسعة. مريم اتكسفت ووشها بقى أحمر زي الطماطم وحطت إيدها على وشها وقالت: “انت بتصورني؟” ياسين قالها بهدوء وهو بيبص للصورة في تليفونه ومبسوط بيها: “اجهزي يلا عشان متتأخريش على شغلك” مريم ابتسمت بسعادة وحماس، نسيت كسوفها أول ما سمعت كلمة شغلك، يعني وافق يسيبها تكمل شغلها! جريت على جوه وهي بتقول: “حاضر.. خمس دقايق وهكون جاهزة” وياسين فضل واقف في البلكونة بيبص على الصورتين اللي صورهم لها، صورة وهي بتضحك للجنينة، وصورة وهي مخضوضة، وحس لأول مرة من زمان إن قلبه دق لحاجة بريئة ونضيفة…. الكاتبة ملك إبراهيم… يتبع في الجزء الخامس الفصل الثالث بنت فقيرة ماشية باحترام عشان تحافظ على شرفها، وواحدة تانية لابسة فستان أبيض بملايين ورمت شرفها ورا ضهرها. حس إن الدنيا بتلعب بيه، وإن ربنا بعتهاله في الليلة دي بالذات عشان يشوف الفرق بعينيه. رواية الكاتبة ملك إبراهيم ياسين هز راسه بتفهم، بص للـسكينة اللي في إيديها وبص لعينيها اللي مليانة كرامة وقال بصوت هادي: “تمام.. اتفضلي.. وآسف لو أزعجتك” مريم اتصدمت، وقفت متنحة مكانها، ياسين الجارحي بذات نفسه، المليونير الغني اللي الكل بيعمله ألف حساب، بيقولها هي كلمة آسف! كانت متعودة إن الأغنياء يدوسوا على الغلابة، أول مرة حد يقولها آسف، أول مرة تحس إنها بني آدمة ليها قيمة. ياسين لف ورجع دخل الفيلا، وسابها واقفة لوحدها في الضلمة. مريم كملت طريقها وهي ماشية وبتفكر فيه، حاسة إنه مش زي ما كانت متوقعة خالص، مش زي ما عديلة كانت بتحكي عنه، واضح إنه إنسان بجد ومختلف، وقلبها لأول مرة من سنين يحس بأمان غريب ناحية حد. ……… تاني يوم الصبح. ياسين كان نايم في أوضة المكتب، نايم على الكنبة بهدوم فرحه، يدوب غمض عينيه ساعتين بس من بعد الفجر، وشه مرهق وعينيه حمرا من السهر والقهر. صحي على تليفونه اللي مش مبطل رن، وتليفون المكتب بيرن معاه في نفس الوقت، مكالمات ورا بعضها مبتقفش. رد على تليفونه لقى معاذ صاحبه ومدير أعماله، صوته جاي مخضوض: “ياسين.. انت فين؟ إيه الصورة الزفت اللي نازلة دي؟” ياسين قام مفزوع وقال: “صورة إيه؟” معاذ قاله وهو بيحاول يتمالك نفسه: “في صورة متسربة ليك وانت شايل بنت في جنينة الفيلا عندك وواخدها في حضنك بالليل.. والصورة نازلة على كل المواقع ومكتوب فوقها عنوان.. عريس بيخون عروسته في أول ليلة ليه بعد جوازه.. إلحق شوف المصيبة” ياسين اتصدم، فتح التليفون بسرعة، لقى فعلا الصورة.. صورته هو وهو شايل مريم إمبارح في الجنينة لما كانت خايفة من الكلب وأغمى عليها، الصورة متاخدة من زاوية غريبة كأنها مقصودة تطلعه بالمنظر ده. كان هيتجنن، مين اللي صور الصورة دي؟ ومين اللي اتجرأ ونشرها؟ وانتشار الصورة في كل المواقع بالسرعة دي مكنش طبيعي أبدا.. واضح إنها حملة معمولة عليه ومقصودة. خرج ياسين من أوضة المكتب وهو مولع، تليفونه في إيده مفتوح على الصورة، وشه أحمر وعروق رقبته طالعة، بيزعق بصوت هز الفيلا كلها وبينادي على كل الخدم: “يا عديلة.. كل اللي في البيت .. كلكم تيجوا هنا حالا!” الخدم اتجمعوا وهم مرعوبين، وياسين واقف في نص الصالة ورافع التليفون في وشهم وبيزعق فيهم: “مين اللي عمل كدا؟ مين اللي صور الصورة دي ونزلها على النت؟ انطقوا!” رواية الكاتبة ملك إبراهيم كل الخدم خافوا، وشهم أصفر، واحدة منهم بتعيط والتانية بتحلف برحمة أبوها. واحدة قالت وهي بترتعش: “والله ما نعرف حاجة يا ياسين بيه.. احنا معملناش حاجة” والتانية قالت وهي حاطة إيدها على قلبها: “والله ما صورنا حاجة يا بيه” ياسين كان مولع، مش مصدق حد فيهم، بص لرئيس الحرس بتاعه اللي جه جري على صوته وقال بحدة: “خد منهم كل التليفونات.. فتشها تليفون تليفون.. واعرفلي مين اللي عمل كدا.. عايز أعرف دلوقتي حالا” رواية الكاتبة ملك إبراهيم رئيس الحرس هز راسه وقال: “حاضر يا باشا” في نفس اللحظة نزل عمه رأفت ومرات عمه ثريا وهم في إيديهم تليفوناتهم ووشهم مقلوب. رأفت بص لياسين وقال بصدمة: “مين اللي عمل كدا يا ياسين؟ مين ابن الحرام اللي صورك ونزل صورتك كدا؟” ثريا كانت ماسكة تليفونها وبتتكلم وهي مولعة، صوتها عالي ومليان شماتة مستخبية: “دي فضيحة.. دي فضيحة للعيلة كلها.. الناس هتقول علينا إيه؟ ياسين الجارحي بيخون مراته ليلة دخلته؟ سمعتنا هتبقى في الأرض!” ياسين كان ساكت ومش بيرد، عينيه على التليفون والغل جواه بيزيد، عارف إن في حد قاصده هو بالذات. ……… فوق في أوضة لمياء، القصة كانت حاجة تانية خالص. لمياء كانت قاعدة على السرير وبتضحك، ماسكة التليفون وبتتكلم بسعادة كأنها كسبت جايزة كبيرة، وشها منور من الفرحة. كانت بتقول في التليفون بكل برود: “برافو عليك.. هحولك باقي الفلوس اللي اتفقنا عليها حالا.. بس بقولك إيه..” سكتت ثانية وضحكت ضحكة كلها خبث وقالت: “أنا عايزة فضيحة ياسين الجارحي تفضل تريند كام يوم كدا.. وعايزاك تطلعني أنا الزوجة المظلومة اللي اتعرضتgetProgressالخيانة في ليلة فرحها.. عاوزة كل الناس تتعاطف معايا أنا.. فاهم؟” قفلت التليفون ورمته على السرير وقامت وقفت قدام المراية تعدل شعرها، كانت شايفة نفسها ذكية أوي، فاكرة إنها كده بتلوي دراع ياسين وبتخليه ميقدرش يطلقها بعد ما عملت له فضيحة. ما تعرفش إن اللعبة اللي بدأتها هتتقلب عليها هي، وإن الصورة اللي نشرتها هتكون هي نفسها السبب اللي هيجيب مريم تاني لقصر الجارحي، بس المرة دي مش كخدامة. رواية الكاتبة ملك إبراهيم ياسين دخل أوضة الكاميرات وقعد قدام الشاشات، عينيه حمرا ومش قادر يستوعب اللي يحصل، إزاي يتصور جوه بيته؟ جوه جنينة قصره؟ وصورته تتسرب كده على النت! كان هيتجنن، بيراجع الكاميرات كاميرا كاميرا، الجنينة فاضية، مفيش حد غريب دخل الفيلا طول الليل، البوابات مقفولة والحرس واقف. رئيس الحرس دخل عليه وهو ماسك تليفونات الخدم كلها وقال: “يا باشا.. راجعت تليفوناتهم كلهم واحد واحد.. مفيش أي حاجة اتبعتت ولا اتصورت من عندهم.. كل تليفوناتهم نضيفة” ياسين بص له بغضب وقال: “يعني إيه؟ عفريت اللي صور الصورة دي؟” رئيس الحرس سكت ومردش. ياسين قام خد تليفونه وخرج الجنينة، واقف في نفس المكان اللي كان شايل فيه مريم، بيبص للصورة في تليفونه وبيقارنها بالواقع، هيتجنن وعايز يعرف الشخص ده صوره إزاي. وقف في نفس المكان.. ورفع عينيه لفوق.. بيدور على الزاوية اللي اتلقطت منها الصورة.. عينيه بتلف في كل حتة. وفجأة اتصدم.. اتسمر مكانه. زاوية لقطة الصورة.. جاية من فوق.. من اتجاه بلكونة أوضته.. الأوضة اللي فيها لمياء دلوقتي.. لمياء اللي منزلتش بالليل ساعة اللي حصل وكانت قاعدة في أوضتها لوحدها. الدم غلي في عروقه مرة واحدة، كل حاجة اتربطت ببعضها في ثانية، برودها، خيانتها، كلامها عن الفضيحة. دخل جري على جوه، طالع على السلم بخطوات كلها غضب، فتح باب أوضته مرة واحدة ودخل عليها. لمياء كانت قاعدة على السرير وبتتفرج على التليفون ومبتسمة، أول ما شافت ياسين داخل عليها بالمنظر ده اتخضت، بس حاولت تمثل البرود. ياسين بص لها بنظرة كلها قرف وقال بصوت واطي يخوف: “انتي اللي صورتي الصورة.. صح؟” رواية الكاتبة ملك إبراهيم لمياء عملت نفسها مش فاهمة حاجة، رفعت حاجبها ببرود وقالت: “صورة إيه؟ انت بتتكلم عن إيه؟” ياسين مقدرش يمسك نفسه أكتر من كده، قرب منها مرة واحدة وخد التليفون من إيديها بالقوة، فتحه وهي بتحاول تشده منه. فتح الواتساب.. وشاف كل حاجة.. رقم الصحفي اللي كلمته، والرسايل، والصورة اللي بعتتهاله هي بإيديها، وكلامها معاه: “نزلها وقول إن العريس بيخون عروسته” ياسين اتصدم من حقارتها، وشه اتقلب، هو ستر عليها.. ستر على مصيبتها وشال عارها فوق كتفه وهي فضحته! شوهت سمعته بين الناس وشوهت سمعة بنت غلبانة ملهاش أي ذنب! زعق فيها بكل صوته، صوته هز القصر كله: “يا حقيرة! يا زبالة! أنا سترت عليكي وانتي بتفضحيني؟!” أهلها دخلوا بسرعة على صوته العالي، رأفت وثريا دخلوا الأوضة مفزوعين. رأفت بص على تليفون بنته وشاف الرسايل، فهم كل حاجة. ياسين بص للمياء بكل قرف الدنيا وقال: “انتي طالق.. انتي طالق.. انتي أحقر وأقذر إنسانة شفتها في حياتي!” ثريا شهقت وحطت إيدها على بوقها، ورأفت واقف مصدوم ومش قادر ينطق. أمها خدتها وخرجتها من الأوضة وهي بتعيط وبتحاول تداري فضيحتها. ياسين بص لعمه وقال بصوت عالي من الغضب: “أنا آسف يا عمي.. بنتك هي اللي بدأت.. وأنا هندمها على كل اللي عملته” عمه لأول مرة في حياته ياسين يشوفه بيبكي، راجل كبير زي الجبل واقف بيترجاه، قرب منه ومسك إيديه وقال بصوت مكسور: “استر عليها يا ياسين.. متفضحناش.. خلي الطلاق ده بينا.. وقدام الناس سيبها مراتك 3 شهور بس وبعدين أعلن الطلاق.. عشان سمعتي.. عشان اسم العيلة” وبعدين بص له بنظرة كلها كسرة وقال: “وانت راجل ومفيش حاجة هتعيبك.. هتنزل تصريح إن البنت دي خدامة عندك وعملت نفسها تعبانة وانت شيلتها تدخلها الفيلا وإن مرات أبوها هي اللي صورتك كده عشان يورطوك ويبتزوك” ياسين اتصدم من كلام عمه، بص له بدهشة وعدم تصديق.. يعني عشان يحمي بنته.. يشوه سمعة بنت تانية غلبانة؟ يظلم مريم اللي ملهاش ذنب؟ ياسين بص لعمه بتحدي، عينيه كلها نار وقال: “أنا وعدتك إني هستر على سمعة بنتك يا عمي.. بس مش في المقابل أشوه سمعة بنت تانية ملهاش ذنب.. مريم ملهاش دعوة بقرف بنتك” عمه بص له وقال بقلة حيلة: “وناوي تعمل إيه يا ياسين.. هتفضح عمك وبنت عمك؟ هتخلي سيرتنا على كل لسان؟” ياسين بص لعمه بصة طويلة كلها تحدي وثقة وقال: “أنا عرفت هعمل إيه” رواية الكاتبة ملك إبراهيم ياسين دخل أوضة تانية وغير لبسه، لبس قميص أسود وبنطلون أسود ونضارة شمس مخبية عينيه الموجوعة. نزل وهو بينادي بصوت عالي: “عديلة!” عديلة جت جري وهي خايفة ومرعوبة وبتترعش، أول ما شافته قالت بسرعة: “والله يا بيه أنا مصورتش حاجة.. والمصحف ما صورت حاجة.. أنا مليش دعوة” ياسين بص لها ببرود وقال: “تعالي ورايا” وخرج من الفيلا ووراه الحرس بتوعه، عديلة ركبت العربية معاه بأمر منه وهو بيقولها وهو بيسوق بسرعة: “احنا رايحين بيت جوزك” عديلة قلبها وقع، مش فاهمة هو رايح ليه، بس ساكتة ومرعوبة. ……… في شقة بسيطة أوي، يدوب أوضة وصالة، ريحة الشاي المغلي طالعة منها. مريم كانت مجهزة الفطار لأبوها المريض، حتة جبنة ورغيف عيش وكوباية شاي، وجنبهم الدوا بتاعه. قعدت جنبه على السرير تفطره بإيديها وتديه الدوا، صوتها حنين وهي بتسأله: “محتاج حاجة يا بابا قبل ما أروح الشغل؟” أبوها، حسنين الراجل الغلبان اللي المرض هده، دمع وعينيه مليانة دموع، طبطب عليها وقال من قلبه: “ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يحافظ عليكي ويعوضك على شقاكي وتعبك معايا يا بنتي.. انتي اللي شايلاني وانا عاجز” مريم ابتسمت بحزن وباست إيديه. وفجأة الباب خبط. مريم قامت تفتح بسرعة، فتحت الباب لقت مرات أبوها عديلة واقفة ووراها ياسين، لابس نضارة شمس مخبية عيونه، بس هي عرفته على طول من طوله ومن هيبته. وقفت مصدومة ومش فاهمة في إيه، إيه اللي جاب ياسين باشا لحد بيتها البسيط ده؟ بس الغريب إن مرات أبوها عديلة كانت فرحانة أوي، وشها منور وبتضحك ضحكة واسعة وبتقول بصوت عالي: “مبروك يا وش السعد.. مبروك يا مريم.. مبروك!” رواية الكاتبة ملك إبراهيم مريم مش فاهمة حاجة، واقفة مكانها متنحة وبتبلع ريقها. عديلة دخلت بسرعة وقالت لياسين بفرحة مصطنعة: “اتفضل يا ياسين بيه.. اتفضل ادخل” وجريت عديلة على أوضة جوزها عشان تبلغه إن ياسين الجارحي بذات نفسه هنا في بيتهم. ياسين قعد في بيتهم البسيط، قعد على كرسي خشب قديم، هيبته مالية المكان، النضارة لسه على عينيه مخبية كل اللي جواه. ومريم واقفة قدامه مرتبكة ومش فاهمة في إيه، إيديها بتترعش وبتحاول تداري كسوفها، سألته بصوت هادي: “تشرب إيه؟” ياسين بص لها بنظرة عميقة، نظرة خلت قلبها يدق بسرعة وتتوتر أكتر، ومردش. فجأة خرجت مرات أبوها وهي بتزق الكرسي المتحرك اللي أبو مريم قاعد عليه، حسنين وشه منور أول ما شاف ياسين. ياسين قام وقف بسرعة وسلم عليه باحترام، باس راسه كأنه أبوه، وقال: “إزيك يا عم حسنين” مريم اتوترت أكتر من الموقف، حست إن في حاجة كبيرة بتحصل وهي مش فاهماها، قالت وهي بتتراجع لورا: “طب بعد إذنكم أنا.. اتأخرت على شغلي ولازم أمشي” مرات أبوها مسكتها من إيديها جامد وقالت بسرعة: “شغل إيه؟ مفيش شغل تاني.. تعالي معايا” وسحبتها من إيديها على جوه الأوضة التانية وقفلت الباب وراهم. جوه الأوضة، عديلة كانت بتتكلم بسرعة وعينيها بتلمع بالطمع، مسكت إيدين مريم وقالت: “اسمعي يا مريم.. ياسين بيه جاي يتجوزك.. أيوه زي ما سمعتي كده.. عايز يتجوزك انتي!” مريم شهقت وبرقت وقالت: “يتجوزني أنا؟!” عديلة ضغطت على نقطة ضعفها، مسكت إيديها وقالت: “عشان خاطر أبوكي يا مريم.. أبوكي اللي تعبان وبيموت كل يوم قدامك.. ياسين بيه هيعمل لأبوكي العملية وهيرجع أحسن من الأول.. وهيعملكوا كل اللي انتو عايزينه.. فلوس كتير وعلاج وكل حاجة.. أبوكي هيلاقي كل العلاج اللي محتاجه وهيقوم يمشي على رجليه تاني.. بشرط إنك توافقي تتجوزيه” مريم بصت من شباك الأوضة على أبوها اللي قاعد على الكرسي وبيبص لها بفرحة، قلبها وجعها، هي دي فرصتها الوحيدة تنقذ أبوها. وبرا الأوضة، ياسين كان قاعد قدام حسنين وبيطلب إيد مريم بكل أدب واحترام وقال: “أنا طالب إيد بنتك مريم يا عم حسنين.. وهكتب لها مؤخر كبير يأمن حياتها وهيدفع لها مهر كبير.. وهتكفل بعلاجك وكل حاجة انت محتاجها” أبو مريم فرح، دموعه نزلت وحس إن دعوته لبنته استجابة في نفس اللحظة، كان بيقول: “ربنا يرزقها بابن الحلال” وجه ابن الحلال لحد عنده. كانوا مستنيين رأي مريم. عديلة قدرت تضغط على مريم وتقنعها توافق عشان خاطر أبوها، مريم خرجت ووشها في الأرض وقالت بصوت واطي: “موافقة” الحرس بتوع ياسين جم بسرعة ومعاهم المأذون، وكتبوا الكتاب على طول في نفس القعدة، مريم كانت مصدومة وحاسة إنها بتحلم، بتمضي على ورقة هتغير حياتها كلها في ثانية. وياسين كان قاعد جنبها وساكت، بيبص لها من تحت النضارة وبيفكر إزاي هيعلن جوازه من مريم قدام الناس كلها ويحاسب لمياء على كل اللي عملته، جوازه من مريم هيكون هو الرد اللي هيخلي الكل يسكت. بعد ما المأذون مشي والحرس بتوع ياسين خرجوا برا، الجو في الشقة البسيطة كان تقيل ومشحون. ياسين قام وقف وبص لحسنين باحترام وقال: “هستأذنك يا عم حسنين.. مريم تجهز حاجتها وتيجي معايا.. هتعيش في بيتي من النهاردة” وبص لعديلة بنظرة حادة وقال: “وانتي يا ست عديلة.. مش هتيجي الشغل تاني.. مرتبك هيوصلك كل شهر وزيادة.. بس هتفضلي هنا في بيتك تراعي.. عم حسنين.. ولو احتاجتوا أي حاجة كلموني في أي وقت” عديلة كانت فرحانة أوي، عينيها بتلمع وبتحسب الفلوس في دماغها، حاسة إن في كنز فلوس هيتفتح لهم من ورا مريم، قالت بسرعة: “حاضر يا بيه.. اللي تؤمر بيه يا بيه.. ربنا يخليك لينا” ومريم كانت مصدومة ومش مستوعبة إنها بقت مرات ياسين الجارحي، مرات الراجل اللي كانت بتسمع عنه بس في الحكايات، بقت مراته على سنة الله ورسوله في أقل من ساعة. ياسين استأذن وقالهم وهو خارج: “أنا هستنى مريم في عربيتي برا” خرج وسابهم. بعد شوية خرجت مريم من البيت وفي إيديها شنطة صغيرة قماش فيها حاجتها، كل حاجتها كانت بسيطة، كانت بتفكر في أبوها وبس وإنها بالطريقة دي هتقدر توفر له الرعاية والراحة، أبوها اللي كان بيدعي لها من شوية. واحد من الحرس قرب منها بسرعة وخد الشنطة من إيديها باحترام، وفتح لها باب عربية ياسين عشان تركب جنبه. ياسين كان لابس النضارة السودة اللي بتداري عينيه، بيبص قدامه ببرود وكأنه بيفكر في حاجة بعيدة، وشه جامد ومش باين عليه أي حاجة. مريم ركبت جنبه وهي خايفة، قلبها بيدق بسرعة، مش فاهمة حاجة ولا عارفة إيه هدفه من الجوازة دي وهو لسه متجوز بنت عمه إمبارح. العربية اتحركت والشقة البسيطة بقت وراهم. مريم بصت له بطرف عينيها وجمعت كل شجاعتها وقررت تسأله، قالت بصوت واطي ومرتعش: “هو.. هو حضرتك اتجوزتني ليه يا ياسين بيه؟ وانت لسه متجوز إمبارح؟”… الكاتبة ملك إبراهيم.. ياترى إيه اللي مستنيكي يا مريم في قصر ياسين الجارحي… “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” الفصل الثاني دي البت مريم بنت جوزي.. كنت جيباها تساعدني في التنضيف بعد الفرح” ياسين بص لمريم اللي بين إيديه.. سرح في ملامحها كام لحظة، ملامح هادية وطيبة عكس كل اللي شافه الليلة دي. لقي اللي في القصر كلهم خرجوا يسألوا في إيه والكل مستغربين ياسين بيعمل إيه هنا في الوقت دا وسايب عروسته.. ومين البنت الغريبة دي.… رأفت الجارحي واقف في نص الجنينة، لابس الروب بتاعه ووشه كله ، مش مستوعب المنظر اللي قدامه.. ابن أخوه وعريس الليلة شايل بنت غريبة في حضنه ونازل من أوضته وسايب عروسته ! بصله بصدمة وصوته طالع : “مين دي يا ياسين؟” عديلة قلبها كان هيقف، ردت بسرعة وقفت قدامه وهي بتبلع ريقها وبتحاول تلم الموضوع، صوتها كله خوف ورعشة: “دي.. دي مريم بنت جوزي يا بيه.. كنت جيباها تساعدني في التنضيف بعد الفرح، والله ما عملت حاجة يا بيه” وقبل ما ياسين يرد، اتكلمت ثريا مرات رأفت الجارحي، صوتها طالع ب سم وكبرياء وغرور، ست متعودة الكل يسمع كلامها، بتبص ل عديلة بقرف من فوق لتحت كأنها حشرة: “وبنت جوزك بتعمل ايه في حضن ياسين جوز بنتي ؟” وبصت لياسين نظرة كلها اتهام وشماتة، كأنها مسكت عليه : “رد يا ياسين باشا.. سايب عروستك لوحدها ليلة دخلتك ونازل تشيل البنت دي في حضنك نص الليل؟” الجنينة كلها كانت ساكته، الخدم اللي طلعوا على الصوت بصوا لبعض، وياسين واقف ومريم لسه غايبة عن الوعي بين إيديه. ياسين بص لمرات عمه بغضب، عينيه كانت حمرا من القهر اللي شايله من فوق، ومش ناقص كلمة من حد وقال بغضب : “ياريت كل اللي عنده كلمة يحتفظ بيها لنفسه!”قالها بزعيق خلّى ثريا تبلع باقي كلامها وترجع خطوة لورا، وشال مريم ودخل بيها جوه القصر وهو بيقول لعديلة بصوت عالي آمر: “هاتي دكتور يفوقها.. حالا!” عديلة دخلت وراه جري وهي بتلعن مريم في سرها، قلبها بيدق بسرعة وخايفة.. خايفة مريم تكون سبب في قطع عيشها من قصر الجارحي بعد السنين دي كلها، كانت بتبرطم وهي بتجري: “منك لله يا مريم.. هتخربي بيتي؟” ياسين حط مريم على أقرب كنبة في الصالون، كان ناوي يسيبها ويمشي، بس اتفاجئ إن إيديها الصغيرة ماسكة في قميصه جامد، متشبثة فيه كأنه هو الأمان الوحيد في الدنيا، صوابعها البيضا غارسة في القماش ومش عايزة تسيبه. فضل واقف ثانية بيبص لإيديها، وبعدين بص لوشها.. وش بريء، هادي، مفيهوش خبث لمياء ولا برودها، رموشها طويلة وعليها دموع محبوسة حتى وهي غايبة عن الوعي. حس بحاجة غريبة بتتحرك جواه، حاجة أول مرة يحسها الليلة دي من ساعة ما طلع من أوضته وهو مقهور. مد إيده بالراحة وفك إيديها من قميصه، بس عينيه فضلت متعلقة بملامحها، بيتأملها كأنه بيشوف ملاك واقع وسط نار. عديلة قربت بسرعة وهي ماسكة إزازة برفان في إيدها بتترعش:”حقك عليا يا ياسين باشا.. أنا هفوقها.. أنا هفوقها” في اللحظة دي كان رأفت دخل هو وثريا ووقفوا على باب الصالون، وشهم مقلوب ومضايقين. رأفت مال على ودن ثريا وهمس لها بغضب مكتوم عشان محدش يسمع: “اطلعي شوفي الهانم بنتك بتعمل ايه فوق وسايبة جوزها ينزل ليلة دخلتهم لوحده! اطلعي شوفي اللي بنتك عملاها!” ثريا اتنفضت وطلعت على السلم جري على أوضة لمياء. ورأفت بص لياسين، وشه كله جد، وعينيه بتقول إن في كلام كبير لازم يتقال: “ياسين.. أنا محتاج أتكلم معاك في أوضة المكتب.. دلوقتي”ياسين بصله، وبعدين رجع بص بصة أخيرة على عديلة وهي بتحاول تفوق مريم اللي لسه نايمة على الكنبة ووشها أصفر . اتحرك مع عمه وهو قلبه لسه مقبوض، وسايب وراه لغز جديد هيولع القصر كله. عديلة كانت واقفة فوق دماغ مريم وبتفوقها بالبرفان، ريحته نفاذة وقوية. مريم فاقت مفزوعة، انتفضت من مكانها مرة واحدة كأن حد كهربها، عينيها بتلف في كل حتة بهلع، نفسها طالع نازل بسرعة، وإيديها بتتحسس جسمها وهي بتصرخ برعب: “الكلب.. الكلب عضني؟ هو فين؟ ابعدوه عني!” كانت بتبص حواليها ومش فاهمة هي فين، الصالون الكبير والنجف والكنب الغالي كله غريب عليها، آخر حاجة فاكراها.. صاحب عيون سودا وقعت في حضنه وهي بتستنجد بيه. عديلة بصت لها بخبث ورفعت حاجب من حواجبها، عينيها بتفحصها من فوق لتحت كأنها بتحقق معاها: “اهدي كدا واحكيلي كل اللي حصل من الأول؟” مريم بصت لمرات أبوها وهي مش فاهمة هي تقصد إيه، دموعها نازلة ووشها أصفر: “حصل إيه؟ أنا مش فاكرة حاجة.. أنا كنت بنضف الجنينة ومرة واحدة لقيت كلب كبير بيجري ورايا.. وبعدها.. بعدها شفت شاب.. وقعت قدامه.. هو مين؟” عديلة سكتت ومردتش، بس جواها نار، خايفة البت دي تكون عملت حاجة ويتقطع عيشها، كانت بتبص لها بقرف وساكتة. روايات الكاتبة ملك إبراهيم. في لمياء فوق، القصة كانت مختلفة خالص. ثريا أمها قاعدة قدامها على طرف وبتتكلم بغيظ، عينيها بتطق شرار: “قولتلك من الأول كان لازم تعملي عملية قبل الفرح.. كنت عارفة إن ياسين هيكتشف إنك مش بنت! قولتلك ياسين متربي ودمه حامي ومش هيعديها!” لمياء كانت قاعدة ببرود، بتبص في ضوافرها كأن الموضوع ميخصهاش، ردت بغيظ: “كنت فاكرة إني هقدر أخدعه والليلة هتعدي.. هو انا يعني أول واحدة تعمل كدا؟ بس ياسين طلع مش سهل وكبر الموضوع أوي”أمها مسكت إيديها بلهفة وخوف، صوتها وطي: “ربنا يستر وميحكيش حاجة لأبوكي.. أبوكي لو عرف هيخلص عليكي فيها.. رأفت ممكن يموتك يا لمياء” لمياء هزت كتفها ومش مهتمة، من جواها شايفة إنها مش غلطانة وإن دي حياتها وهي حرة فيها، بصت لأمها ببرود وقالت: “وهو يعني هيستفاد إيه لما يفضحني؟ هيخلي سيرة العيلة على كل لسان.. ياسين أذكى من كدا… في أوضة المكتب تحت، الجو كان يخنق. رأفت قاعد قدام ياسين، وشه غضبان وملامحه حادة ، قاعد باصص لابن أخوه اللي هو مربيه كأنه ابنه. سأله بصوت واطي ومكسور: “إيه اللي نزلك من أوضتك ليلة دخلتك في وقت زي ده يا ياسين؟ إيه اللي حصل فوق؟” ياسين بص لعمه، عينيه مليانة وجع وقهر، الكلام واقف في زوره، الموضوع كان صعب، كان حاسس إن رجولته وكرامته بقت في الأرض، مش عارف يبدأ منين. أخد نفس طويل وبص لعمه بوجع وقال: “أنا مش هينفع أكمل مع لمياء يا عمي.. أنا هستحملها كام شهر قدام الناس وبعدين هطلقها.. عشان الانفصال يبان طبيعي وقدام الناس إننا متفقناش” عمه اتصدم، قام وقف مرة واحدة وقال: “تقصد إيه؟ إيه اللي حصل؟ لمياء عملت إيه؟” ياسين مردش بكلام، نظراته بس كانت كفاية، نظرة راجل في كرامته، رأفت فهم.. فهم كل حاجة من غير ما ياسين ينطق حرف واحد. وش رأفت اتخطف، اتصدم صدمة عمره، حس بالكسرة والعار نازل على دماغه، قعد تاني كأنه عجز عشرين سنة مرة واحدة. بص لياسين وعينيه مليانة دموع واعتذار وقال: “أنا آسف يا ياسين.. أنا آسف على سوء تربيتي لبنتي.. أنا اللي غلطان.. سيبتها تعيش برا وعملت نفسي مش شايف.. سيبتها تعيش زي ما هي عايزة.. وكتر خيرك يا بني إنك فكرت في سمعة عمك وشرفه ” ياسين قام قرب من عمه وطمنه، حط إيده على كتفه وقال: “متقلقش يا عمي.. مفيش حد هيعرف حاجة.. وبعد كام شهر بهدوء وكأن مفيش حاجة حصلت” عمه هز راسه بانكسار، راجل كبير اتكسر قدام ابن أخوه، وقال بصوت واطي كله وجع: “حقك يا ياسين.. حقك” رأفت الجارحي خرج من أوضة المكتب ووشه أصفر، طالع على فوق بخطوات تقيلة، كل خطوة كأنها جبل على كتفه.. طالع لبنته ومراته وهو شايل عاره معاه. ياسين خرج بعده، بس موقفش، رجليه خدته لوحده على الصالون، كان عايز يطمن على البنت اللي أغمي عليها في الجنينة، معرفش ليه، بس قلبه مش مطاوعه يسيبها ويمشي. أول ما قرب من الصالون سمع صوت عديلة.. كانت واقفة بتزعق لمريم بغضب ومش واخدة بالها خالص إن ياسين واقف وراها. كانت ماسكة دراع مريم وبتبرق لها وبتقول بقسوة: “انتي مش نافعة في أي حاجة.. طب ياريت الكلب ده كان خلصنا منك وارتحنا.. جايبالي الكلام والمصايب وانتي لسه داخلة القصر!” مريم واقفة وراسها في الأرض وبتعيط في صمت، كتفها بيترعش. وفجأة صوت ياسين القوي قطع كلام عديلة، صوت خلّى الحيطة تتهز، نطق اسمها بعصبية: “عديلة!” عديلة اتنفضت مكانها، لفت بسرعة ووشها اتقلب مية لون، أول ما شافت ياسين وقفت بانتباه واحترام مصطنع وقالت بتوتر: “تحت أمرك يا ياسين بيه.. احنا آسفين على اللي حصل.. حقك عليا أنا يا بيه.. البت دي غبية ومعرفتش تتصرف” ولفت لمريم وزقتها قدامها وقالت بحدة: “اعتذري ل ياسين بيه.. يلا اعتذري!” مريم استغربت، رفعت وشها المليان دموع وهي مش فاهمة تعتذر عن إيه، هي اللي كان الكلب هياكلها! بصت ل ياسين، أول ما عينيها جت في عينيه افتكرت.. افتكرت إن العيون دي هي آخر عيون شافتها قبل ما يغمى عليها، هي نفس النظرة الحنينة اللي طمنتها. قالت بتوتر وصوتها بيترعش: “أنا.. أنا مش عارفة المفروض أعتذر عن إيه.. بس أنا آسفة لحضرتك على اللي حصل” ياسين بص لها بنظرة عميقة أوي، نظرة طويلة، شاف في عينيها كسرة وحزن غريب، حزن واحدة شايلة هموم الدنيا كلها على كتفها، حزن غير اللي شافه في عيون لمياء الباردة. مريم كانت جميلة بشكل يوجع القلب، جمالها هادي ومكسور. هز راسه وقال بصوت واطي: “المهم إنك بخير” وبعدين بص لعديلة ببرود وطلب منها: “اعمليلي قهوة” عديلة هزت راسها بطاعة وقالت: “حاضر يا بيه” خدت مريم من إيديها وشدتها ناحية المطبخ، وقفت قدام الباب وقالت لها بصوت واطي كله غل: “روحي انتي لأبوكي وأنا هعمل الشغل كله لوحدي.. ياريتك ما كنتي جيتي.. عملتيلي مشكلة على الفاضي.. يلا غوري من وشي” مريم خفضت وشها وخرجت في هدوء، ماشية بكسرة. ياسين كان خرج الجنينة تاني، الساعة بقت 3 بعد نص الليل، الهوا ساقع والدنيا سكوت، وواضح إن الليلة دي طويلة ومش هتعدي عليه بسهولة. ولع سيجارة وخد نفس طويل، بيحاول يطفي النار اللي جواه. وفجأة شافها.. شاف مريم وهي خارجة من الباب الخلفي بتاع المطبخ، ماشية لوحدها في الضلمة وبتعيط وبتمسح دموعها بكم فستانها البسيط. استغرب، وقف وبص لها بدهشة، معقول هتمشي لوحدها في الوقت المتأخر ده؟ في الشارع لوحدها الساعة 3 الفجر؟ ياسين خرج وراها بسرعة، صوته طلع عالي في سكوت الليل: “استني عندك!” مريم وقفت مكانها وهي مصدومة، جسمها اتنفض، لفت وبصت له بخوف، كانت فاكراه مشي خلاص. قرب منها، كان لابس قميص ابيض مفتوح من فوق من كتر الخنقة، سألها وهو مستغرب: “رايحة فين دلوقتي؟”ردت بهدوء وهي بتبعد عيونها عن عيونه، مش قادرة تبص في وشه، صوتها واطي ومكسور: “راجعة البيت” ياسين استغرب أكتر، بص في الساعة وبص في الشارع الضلمة وقال: “هترجعي البيت دلوقتي إزاي لوحدك؟ الساعة 3 الفجر!” قالت وهي لسه منزلة وشها في الأرض: “عشان بابا تعبان وهو في البيت لوحده.. لازم أرجع عشان أطمن عليه.. مينفعش أسيبه” ياسين عارف أبوها كويس، حسنين الراجل الطيب اللي كان بواب القصر طول عمره، هز راسه بتفهم وقال: “استنيني هنا.. هجيب العربية وآجي أوصلك” مريم اتصدمت وخافت مرة واحدة، رجعت خطوة لورا، عينيها وسعت، وافتكرت كلام عديلة عن رجالة القصر وعن الأغنياء، افتكرت إنه عايز منها حاجة غلط. قالت بسرعة وخوف: “شكرا.. أنا هعرف أرجع لوحدي” ياسين استغرب رد فعلها، بس فهم.. فهم هي خايفة من إيه من نظراتها ومن حركة إيديها اللي كانت بتحمي بيها جسمها لا إراديا. وفجأة ضحك.. كانت أول ضحكة ليه في الليلة الصعبة اللي عاشها، ضحكة قصيرة بس طالعة من قلبه موجوع. قالها وهو بيبص لها: “انتي فاكرة إني عايز أوصلك عشان إيه؟ اللي جه في تفكيرك ده كله غلط.. أنا مش من دول” مريم جمعت شجاعتها وبصت له وقالت ببراءة خلته يتوجع: “حضرتك عريس والليلة دي كان فرحك.. وهو عادي تسيب عروستك وتيجي توصلني.. هو ده كده مش غلط؟” أول ما فكرته بجوازته، وشه اتقلب، الدم غلي في عروقه تاني، الجرح اللي لسه مفتوح نزف من جديد، وشه احمر وعينيه اسودت من الغضب وقال بصوت عالي: “عندك حق.. اتفضلي روحي لوحدك.. بس لما حد يتعرضلك على الطريق في الوقت ده.. ابقي افتكري إني كنت هساعدك خوف عليكي لأنك بنت لوحدك.. مش أكتر من كدا!”مريم بصت له وسكتت ثانية، وبعدين فتحت شنطتها القماش القديمة وطلعت منهاصغيرة بتلمع في الضلمة، مسكتها في إيديها وقالت بثبات وكرامة: “اطمن حضرتك.. أنا مش بمشي خطوة من غير دي.. عشان لو حد فكر يتعرض لي.. يا .. يا نفسي.. أنا أقدر أحافظ على شرفي كويس أوي يا ياسين بيه” الكلمة رشقت في قلب ياسين زي . “شرفي” جت على الجرح اللي لسه في قلبه، جت على الوجع اللي شافه فوق في نومه مع واحدة باعت شرفها بسهولة وبتتكلم عنه كأنه موضوع عادي. وقف مصدوم قدامها، بيبص للس\كينة اللي في إيديها وبص لعينيها اللي كلها عزة وكرامة، بنت فقيرة ماشية عشان تحافظ على شرفها، وواحدة تانية لابسة فستان أبيض بملايين ورا ضهرها. حس إن الدنيا بتلعب بيه، وإن ربنا بعتهاله في الليلة دي بالذات عشان يشوف الفرق بعينيه….. الكاتبة ملك إبراهيم… يتبع في الجزء الثالث الفصل الاول أوضة ياسين كانت متزينة كأنها من الجنة، نور هادي وورد في كل مكان، بس قلبه كان مقبوض ومخنوق كأنه في قبر.. واقف قدام سريره ومش مصدق اللي اكتشفه، الصدمة كانت أكبر من إنه يستوعبها، عقله واقف وقلبه بيدق بسرعة، دي مش أي واحدة، دي بنت عمه، اللي متربية معاه، اللي كان مديها الأمان ومديها اسمه: “إنتي مش بنت؟ سلمتي نفسك لمين قبلي؟” كانت قاعدة على طرف السرير ببرود، كأنها سامعة موضوع عادي، وملامحها مفيهاش ذرة ندم، ومن جواها شايفة إنه هو اللي مكبر الموضوع: “انت مكبر الموضوع ليه يا ياسين؟ دا حصل قبل ما تخطبني.. كانت تجربه غلط ومكملتش فيها واتجوزتك انت عشان حبيتك” ياسين حس إن الدم بيغلي في عروقه، هيتجنن من برودها، الوجع اللي جواه وجع راجل اتغدر بيه في أكتر مكان كان مأمنه: “إنتي عارفة إنتي بتقولي إيه يا لمياء؟” كانت بتبصله على إنه بيبالغ في رد فعله، ومن جواها شايفة إنه مكبر الموضوع، ورأيها إن دي حياتها قبل كده وهو مالوش فيه.. قالت ببرود: “هو أنت كنت فاكرني إيه؟ عيلة صغيرة؟ معنديش تجارب قبلك؟ أنا عشت برا خمس سنين، وكان طبيعي ان يكون ليا علاقات.. وحياتي قبلك انا حرة فيها” ياسين حس بدمه بيغلي، كرامته ورجولته اللي طول عمره شايلهم على كتفه كأنهم اتكسروا مرة واحدة، ووجعه الأكبر إنها بنت عمه، من لحمه ودمه، حاسس كأنه اتطعن في ضهره: “حرة؟ عشان حرة تقومي ترخصي نفسك، انتي عار على اسمي، اسم الجارحي، اللي أبويا وعمي أمنوني عليه” ضحكت ضحكة مستفزة، قامت وقفت قدامه وهي مش هاممها أي حاجة غير نفسها وبس، قلبها جامد وعينيها كلها تحدي: “وماله اسم الجارحي؟ ما أنا جارحي زيي زيك، وبعدين لو إللي عرفته وجعك آوي كدا طلقني، بس ساعتها هتفضح عمك وهتفضحني وهتخلي سيرة العيلة على كل لسان” الكلمة رشقت في قلبه، هي عارفة بتلعبه إزاي، عارفة إنه لو اتكلم هيهد اسم العيلة وهيفضح عمه، وياسين مستحيل يقبل بكدا، واقف متكتف بين ناره وبين خوفه على اسم عمه اللي هيتفضح مع بنته.. قالها بغضب: “أنا لا يمكن أقبل إن واحدة زيك تشيل اسمي لحظة واحدة بعد الليلة دي، إنتي فاهمة؟” وخرج من الأوضة وسابها وهو بيلعن اليوم اللي فكر يتجوزها وهو واثق في تربيتها وأخلاقها لأنها بنت عمه، قلبه مليان قرف وغضب وماشي بيخبط في الحيطان. ……… في نفس الوقت تحت، القصر كان كله هادي بعد دوشة الفرح.. سكوت تقيل بعد يوم طويل. في المطبخ كانت واقفة عديلة أكبر خدامه في القصر.. كانت جايبه مريم بنت جوزها عشان تساعدها في تنضيف القصر بعد ما الفرح خلص. مريم بنت جميلة عندها 22 سنة.. بتشتغل في محل لعب أطفال عشان تساعد أبوها الغلبان في مصاريف علاجه، قلبها أبيض ووشها بريء بس الدنيا جاية عليها بدري. حسنين أبو مريم كان بيشتغل بواب في قصر الجارحي.. واتجوز عديلة بعد ما أم مريم ماتت.. بس عديلة ست قاسية وقلبها زي الحجر.. من يوم ما اتجوزته وهي بتعذب في مريم بنته.. وحسنين ضعيف قدام مراته ومكسور بسبب المرض اللي جاله وقعده عاجز في البيت.. وعديلة ومريم هما اللي بيشتغلوا ويصرفوا على مرضه. مريم كانت في الجنينة بتنضفها، لابسة فستانها البسيط وشايلة مقشة أكبر منها، جسمها بيترعش من التعب والبرد، وإيديها ساقعانين، بس من جواها بتقول لنفسها استحملي عشان أبوكي، عشان لو عديلة مرات أبوكي غضبت عليكي.. هتسيب أبوكي من غير دوا.. وكانت بتهون على نفسها وتقول: “معلش يا مريم، استحملي، كله عشان أبوكي يقوم بالسلامة” صوت عديلة جاي من المطبخ عالي وبتتأمر كأنها صاحبة القصر، صوتها كله قسوة وذل: “إخلصي يا بت، إنتي لسه بتتدلعي؟ ده قصر الجارحي مش زريبة أبوكي” مريم بلعت الإهانة وسكتت، عينيها كانت مليانة دموع بس بتحبسها، اتعودت إنها تبقى لوحدها دايما، وإن ملهاش حد يطبطب عليها. ياسين كان نازل على السلم، كل خطوة بياخدها كأنها بتدوس على قلبه، وشه أحمر من الغضب والقهر، ونفسه طالع نازل، ومش شايف قدامه، فاكر إن القصر كله فاضي وإن الكل نايم، ومش واخد باله خالص إن في حد لسه موجود في الجنينة تحت. وقف ياسين في الجنينة وهو عايز يكسر كل حاجة حواليه.. جواه نار ووجع مش قادر يخرجه، حاسس إن الدنيا ضاقت بيه. في نفس اللحظة كانت مريم بتنضف في الجنينة ورا القصر.. فجأة سمعت صوت وراها.. بتبص وراها لقت كلب أسود حجمه كبير أوي، عينيه بتلمع في الضلمة. مريم أول لما شافته مش مستوعبه إن دا كلب بجد! قلبها وقع في رجليها، والخوف سيطر على كل جسمها. صرخت فجأة بكل صوتها وهي بتجري وبتقول: “الحقوووني” والكلب بيجري وراها لأنها غريبة وأول مرة يشوفها في القصر. ياسين اتصدم لما سمع صوت صراخ بنت في الجنينة، الصوت خلاه يفوق من النار اللي جواه. بيبص وراه لقى بنت جاية عليه وبتصرخ.. والكلب بتاعه رعد بيجري وراها. مريم أول لما شافت ياسين.. كان هو طوق النجاة في اللحظة دي، شافته زي أمل أخير. جريت عليه بسرعة وهي خلاص حاسة إن قلبها هيقف من الخوف والرعب، جسمها كله بيترعش. مسكت فيه وهي بتقول برعب: “الحقني.. الحقني” وبصت وراها شافت الكلب بيجري وجاي عليها.. بصت لياسين بنظرة كلها رعب واستنجاد، وفجأة غابت عن الوعي، جسمها وقع مرة واحدة. ياسين لحقها بسرعة قبل ما تلمس الأرض.. قلبه اتخض عليها، وزعق في الكلب بتاعه عشان يقف مكانه: “رعد.. مكانك” .. بص على البنت اللي بين إيديه وهو مستغرب مين دي وكانت بتعمل إيه هنا في الوقت دا! بص في ملامحها البريئة وهي بين إيديه، حس ببراءة غريبة في وشها رغم خوفها. شالها وهو بيبص حواليه مش فاهم هي جات منين.. وكانت غايبة عن الوعي ومش عارف يفوقها، وشايلها بخوف لا تقع منه. عديلة خرجت من المطبخ جاية عليه بتجري.. وأنوار القصر اتفتحت والكل صحيوا على صوت الصراخ. عديلة اتصدمت لما لقت ياسين بيه شايل مريم بنت جوزها في الجنينة.. هو المفروض عريس وكان يبقى في أوضته مع عروسته دلوقتي! قلبها وقع في رجلها من المنظر. قربت منه وقالت بتوتر وخوف: “ياسين بيه؟؟! هو ايه اللي حصل؟” ياسين كان لسه شايل مريم.. قالها بدهشة وصوته لسه فيه أثر الغضب: “لقيت البنت دي في الجنينة.. رعد كان بيجري وراها عشان غريبة عن القصر؟ انتي تعرفيها؟” ردت عديلة بتوتر وهي بتبلع ريقها: “دي.. دي البت مريم بنت جوزي.. كنت جيباها تساعدني في التنضيف بعد الفرح” ياسين بص لمريم اللي بين إيديه.. سرح في ملامحها كام لحظة، ملامح هادية وطيبة عكس كل اللي شافه الليلة دي. لقي اللي في القصر كلهم خرجوا يسألوا في إيه والكل مستغربين ياسين بيعمل إيه هنا في الوقت دا وسايب عروسته.. ومين البنت الغريبة دي…. الكاتبة ملك إبراهيم.. يتبع في الجزء الثاني “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”