كنت دايماً بقول
راجل زقّ أبويا الكبير في السن في طابور التفتيش في المطار، واتريق عليه وقال عليه عجوز تايه ومعطّل الناس كلها… لكن اللي حصل بعد شوية خلّى الراجل ده يتسمّر مكانه من الصدمة! الطيار خرج من قمرة القيادة، وأول ما شاف أبويا، جري عليه وحضنه بكل حب!
أبويا عنده 81 سنة، والمطارات عمرها ما كانت المكان اللي بيحس فيه بالراحة. كان دايمًا بيتوتر شوية وسط الزحمة والإجراءات الكتير.
وعشان كده، وإحنا راجعين البيت بعد ما زرنا أختي، فضلت ماشية جنبه وقريبة منه وإحنا داخلين على طابور التفتيش.
كنا قربنا نوصل لأول الطابور، وفجأة أبويا وقف لحظة عشان يرجّع جواز سفره في جيب الجاكيت بتاعه.
الراجل اللي واقف ورانا طلع تنهيدة بضيق، وكأنه مش قادر يستحمل ثانية زيادة.
وبعدين، من غير ما يستأذن ولا حتى يعتذر، زقّ نفسه من جنب أبويا ودخل قدامنا في الطابور!
أبويا اختل توازنه للحظة، وكان هيقع لولا إني سندته.
صړخت فيه وقلت لو سمحت! إنت بتعمل إيه؟!
الراجل حتى ما كلّفش نفسه يلف ويبصلي.
وبعد لحظات، سمعته بيتكلم في التليفون بصوت عالي، وكأنه قاصد إن كل اللي حواليه يسمعوه.
قال وهو بيضحك بسخرية أيوه، أنا لسه معدّي من جنب راجل عجوز تايه. غالبًا هو نفسه مش عارف المفروض يقف في أنهي طابور!
أبويا سمع كل كلمة قالها.
شفت الۏجع في عينيه، رغم إنه حاول يخبيه ويداري إحساسه بالإهانة.
لكن بدل ما يرد عليه أو يدخل معاه في خناقة، بصلي بهدوء وقال
سيبيه يا بنتي، إحنا كلنا رايحين نفس المكان في الآخر.
كنت متعصبة جدًا، ونفسي أوقف الراجل عند حدّه، لكن احترمت رغبة أبويا وسكتّ.
بعد شوية، سمعت الراجل وهو بيذكر رقم الرحلة اللي هيسافر عليها.
كانت نفس الرحلة بتاعتنا!
ولما وصلنا لبوابة الصعود للطائرة، لقيته لسه بيتكلم في التليفون بصوت عالي، وبيحكي عن خططه.
من كلامه، فهمت إنه راجع بلده عشان عنده اجتماع مهم جدًا في شغله، وإنه مش قادر يتحمل أي تأخير، وكل شوية يشتكي من الوقت وكأنه أهم واحد موجود في المطار كله.
أما أبويا، فكان قاعد جنبي في هدوء، وبيقلّب بين صوابعه ميدالية فضية قديمة على شكل جناحين صغيرين.
الميدالية دي كانت معاه من وأنا طفلة، وعمرها ما فارقته.
كنت بسأله عنها كتير، وكل مرة كنت بحاول أعرف حكايتها، كان يتهرّب من الإجابة ويغيّر الموضوع بطريقة غريبة.
وعلى ضهر الميدالية،