كنت دايماً بقول
أمي، اللي كانت عايشة في محافظة تانية.
أول ما ردت، سألتها
خالتي، هو جدي من ناحية ماما كان ليه علاقة بالطيران؟
سكتت خالتي فجأة.
الصمت اللي جه من الناحية التانية كان كفاية يخليني أحس إنها عارفة أكتر مما قالت لنا طول عمرها.
قلت لها بقلق
خالتي؟ إنتِ سامعاني؟
ردت بصوت واطي
إنتِ عرفتي منين الكلام ده؟
حكيت لها باختصار عن اللي حصل في المطار، وعن الميدالية والملف القديم.
بعد ما خلصت، سمعتها بتتنهد تنهيدة طويلة.
وقالت
كنت عارفة إن اليوم ده ممكن ييجي، بس كنت بتمنى ما يجيش أبدًا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إيه؟ إنتِ تعرفي إيه عن الموضوع؟
قالت
أمك قبل ما ټتوفى، سابت عندي صندوق صغير. وصتني ما أفتحهش إلا لو إنتِ عرفتي الحقيقة بنفسك.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
صندوق؟ فيه إيه؟
ردت
ما فتحتهوش يا بنتي. وعدتها إني أحافظ عليه زي ما هو.
بصيت لأبويا، اللي كان متابع كلامي، وأشرت له إني محتاجة أكمل المكالمة.
سألت خالتي
تقدري تبعتيلي صورة للصندوق؟
قالت إنها هتبعت الصورة حالًا، وبعد أقل من دقيقة وصلتني رسالة.
فتحتها.
كان صندوق خشبي صغير، عليه قفل نحاسي قديم.
لكن اللي خلاني أصرخ مش شكل الصندوق.
كان فيه نقش محفور على الغطاء.
جناحان فضيان، وفي النص الرقم نفسه المحفور على ميدالية أبويا!
رفعت عيني لأبويا، وورّيته الصورة.
أول ما شافها، قام واقف وقال
الصندوق ده كان عند أمك؟!
هززت راسي.
خالتي بتقول إن ماما سابته عندها قبل ما ټتوفى.
أبويا قرب الصورة من عينيه، وبعدها غمّض عينيه للحظة.
دلوقتي فهمت ليه كانت مصممة تحتفظ بالصندوق.
سألته بسرعة
ليه يا بابا؟ إيه اللي جواه؟
رد
مش عارف على وجه اليقين. لكن الميدالية اللي معاكي دي كان ليها نسخة تانية، اتعملت في نفس اليوم اللي حصلت فيه الحاډثة. النسخة التانية كانت مع أمك.
فؤاد رفع راسه فجأة.
محمود، إنت بتقول إن الميدالية التانية كانت مع زوجتك؟
أبويا أومأ.
فؤاد ضړب كف بكف وقال
يبقى لازم نعرف إذا كانت لسه موجودة.
في اللحظة دي، خالتي بعتت رسالة تانية.
كانت بتقول إن الصندوق موجود في خزانة قديمة في بيتها، وإنها مستعدة تفتحه معانا لما نوصل.
لكن قبل ما نقرر هنتحرك إزاي، رن تليفون سامح مرة تانية.
المرة دي، كان المتصل أبوه.
رد سامح بسرعة
أيوه يا بابا، إحنا لسه في المطار. وصلت لحاجة؟
سمعنا صوت أبوه من السماعة، وكان واضح إنه متوتر جدًا.
يا سامح، أنا محتاجك تيجي البيت فورًا. عمك عادل وصل ومعاه أوراق قديمة، وبيقول إنه عايز يحكي كل حاجة.
سامح سأله
طب ليه ما تروحش بيها للجهة المختصة؟
أبوه سكت لحظة، وبعدين قال
لأن فيه اسم في الورق ده… اسم لو ظهر، ناس كتير هتضطر تعترف إنها ظلمت ناس بريئة.
سامح بص لأبويا.
بابا، الاسم ده اسم مين؟
جاء الرد من الطرف التاني ببطء شديد
الاسم هو اسم الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة التقرير النهائي للحاډثة.
وبعدين أضاف جملة خلتنا كلنا نبص لبعض پصدمة
والشخص ده لسه عايش، ولسه عنده نفوذ لحد النهارده.
أبويا أخد التليفون من إيد سامح وقال
اسمعني كويس. ما تمضيش على أي ورقة، وما تسلّمش أي مستند لحد قبل ما محامي يراجعه.
الرجل رد
حاضر يا كابتن محمود… بس فيه حاجة لازم تعرفها. عادل قال لي إنه مش جاي يعتذر بس، ده جاي يعترف بدوره في اللي حصل.
أبويا سكت للحظة، ثم قال
خليه يستنى. إحنا جايين.
بعد ساعات، وصلنا بيت سامح.
كان بيت قديم واسع، مليان صور عائلية، وفي الصالة كانت فيه صورة كبيرة لجد سامح، مرتديًا زي الطيار.
وقفت قدام الصورة، وافتكرت الصورة اللي شفناها في الملف.
نفس الملامح، ونفس النظرة الواثقة.
لكن قبل ما ألحق أقول أي حاجة، خرج رجل مسن من غرفة جانبية.
كان لابس بدلة رسمية، وماسك حقيبة مستندات.
أول ما شاف أبويا، وقف مكانه.
محمود عبد الرحمن… أخيرًا.
أبويا بص له ببرود.
عادل منصور.
عادل حط الحقيبة على الترابيزة، وقال
أنا عارف إنك مش هتسامحني بسهولة، ويمكن ما تسامحنيش أبدًا. بس أنا مش جاي أطلب منك تسامحني. أنا جاي أقول لك إن الوقت خلص، وإن الحقيقة لازم تظهر.
فتح الحقيبة، وطلع منها مجموعة مستندات، وحطها قدامنا.
لكن قبل ما يبدأ الكلام، مد إيده في جيبه وطلع صورة صغيرة.
كانت صورة لطفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا، وعلى طرف الصورة تاريخ قديم.
عادل بص لأبويا وقال
قبل ما نتكلم عن الحاډثة، لازم تعرف إن فيه سر تاني اتدفن في نفس الفترة… سر يخص عيلتك إنت.
أبويا اتغيرت ملامحه.
عيلتي؟ إنت بتتكلم عن إيه؟
عادل مد له الصورة.
الطفل ده اتولد قبل الحاډثة بأسابيع قليلة، واتسجل في الأوراق باسم مختلف عن اسمه الحقيقي.
أنا قربت من أبويا، وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
عادل كمل
والشخص اللي كان مسؤول عن تسجيل بيانات الطفل هو نفس الشخص اللي وقّع التقرير اللي ظلم جد سامح.
أبويا بص للصورة، وإيده بدأت تترعش.
وبعدين رفع عينيه لعادل وقال بصوت مبحوح
إنت بتقول إن فيه طفل من عيلتي اتغيّر اسمه في السجلات؟!
عادل أومأ ببطء.
أيوه يا محمود. والطفل ده كبر، وعاش حياته كلها من غير ما يعرف الحقيقة.
سكت لحظة، وبعدين بص ناحيتي أنا بالذات.
والمشكلة الأكبر… إن الشخص اللي ممكن يثبت هوية الطفل ده موجود وسطنا، لكنه لحد النهارده ما يعرفش إنه شاهد على السر كله.
في اللحظة دي، حسيت إن الكلام بقى موجه ليا.
بصيت لأبويا، لكن أبويا كان لسه مركز في الصورة، ودموعه بدأت تتجمع في عينيه.
مد إيده لعادل، وأخد الصورة منه.
قلبها على ضهرها.
كان مكتوب عليها بخط أمي
لو بنتي عرفت الحقيقة يومًا، لازم تعرف إن اللي اتخفى عنها ما كانش ذنبها أبدًا.
أبويا رفع عينيه ليا، وفتح بقه عشان يتكلم…
لكن جرس الباب رن فجأة.
سامح راح يفتح، وبعد ثواني رجع وهو شاحب.
كان واقف وراه رجل غريب، شايل ملف رسمي، وبيسأل عن الكابتن محمود عبد الرحمن بالاسم.
قال الرجل بجدية
مساء الخير. أنا جاي بخصوص مستند ظهر النهارده في أرشيف قديم، وفيه معلومات ممكن تغيّر نتيجة التحقيق اللي اتعمل من أكتر من عشرين سنة.
وبعدين بص لأبويا وقال
لكن قبل ما أوريك المستند، لازم أسألك سؤال واحد هل سبق لك إنك أخفيت عن بنتك حقيقة تخص شهادة ميلادها؟
يتبع…
الرجل الغريب وقف في نص الصالة، وكل العيون اتعلقت بيه. أبويا كان لسه ماسك الصورة القديمة، وإيده بتترعش، وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
بص أبويا للرجل وقال بثبات
أنا عمري ما زوّرت شهادة ميلاد بنتي، ولا أخفيت عنها حاجة تخص نسبها. لو عندك دليل على غير كده، طلّعه.
الرجل فتح الملف الرسمي، وطلع منه صورة طبق الأصل من سجل قديم، وقال
إحنا مش بنتهمك بحاجة يا كابتن محمود. لكن أثناء مراجعة أرشيف الحاډثة، اكتشفنا إن فيه ملف عائلي اتحط بالغلط وسط مستندات التحقيق، واتسجل برقم مختلف. الملف ده فيه شهادة ميلاد لطفلة اتولدت في نفس الفترة اللي حصلت فيها الحاډثة.
خدت الورقة من إيده، وبدأت أقرا.
اسم أمي كان موجودًا، واسم أبويا كمان.
لكن في خانة تانية، كان فيه اسم رجل مكتوب باعتباره شاهدًا على تسجيل الميلاد.
فؤاد عبد الرحمن.
رفعت عيني ناحية فؤاد، اللي كان واقف في آخر الصالة.
إنت كنت شاهد على ميلادي؟!
فؤاد هز راسه ببطء وقال
أيوه يا بنتي. كنت موجود يومها، وكنت أعرف أمك وأبوكي من سنين طويلة.
سألته وأنا مش فاهمة
طب إيه حكاية الطفل اللي اتغير اسمه؟ أنا مالي بكل ده؟
أبويا أخد الورقة من