كنت دايماً بقول
قبل كده، ومع ذلك كان بينادي أبويا كأنه واحد من أفراد عيلتنا!
أبويا تنهد وقال
يا يوسف، إنت كبرت وبقيت كابتن طيارة، وأنا فرحان بيك. بس مش كل الناس اللي في المكان ده لازم تعرف حكايتي.
يوسف هز راسه وقال
عندك حق. بس فيه شخص لازم يعرف الحقيقة.
وبص ناحيتي.
في اللحظة دي، الراجل اللي أهان أبويا تدخل بسرعة وقال
أنا آسف لو كنت فهمت الموضوع غلط، بس أنا شفت الصورة القديمة على الإنترنت. الراجل ده كان…
الطيار قاطعه بنبرة حادة
حضرتك مش مطلوب منك تشرح لنا أنت شفت إيه. المطلوب إنك تحترم الراجل اللي قدامك.
الراجل بلع ريقه، وسكت.
لكن بعد ثواني، مد تليفونه ناحيتي بحذر وقال
اتفضلي، شوفي بنفسك. أنا والله ما كنت أعرف إنه هو.
أخدت التليفون، وبصيت للصورة.
كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود، لرجل أصغر من أبويا بسنين كتير، واقف قدام طيارة عسكرية، لابس زي طيار وعليه شارات كتير.
وفي إيده اليمين، كانت فيه ميدالية فضية على شكل جناحين.
نفس الميدالية اللي أبويا ماسكها!
وتحت الصورة كان مكتوب
الكابتن محمود عبد الرحمن.. الرجل الذي خاطر بحياته لإنقاذ عشرات الأشخاص، ثم اختفى من المشهد ورفض أي تكريم.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
قريت الكلام مرة واتنين، وبعدين رفعت عيني لأبويا.
بابا… إنت كنت طيار؟!
أبويا ما ردش.
يوسف هو اللي اتكلم، وقال
مش بس كان طيار يا آنسة. عمك محمود كان السبب في إن ناس كتير جدًا ترجع لبيوتها وتضم ولادها تاني. وأنا واحد من الناس دول.
بصيت له بذهول.
إزاي؟
يوسف قرب من أبويا، وقعد على ركبته قدامه للحظة، وقال بصوت مخڼوق
أنا كنت طفل عندي تسع سنين لما حصلت الحاډثة. أبويا كان ضمن طاقم رحلة اتعرضت لمشكلة خطېرة في الجو. كل الناس وقتها كانت فاكرة إن مفيش فرصة للنجاة، لكن الكابتن محمود عمل حاجة محدش كان متوقعها.
أبويا حط إيده على كتف يوسف وقال
خلاص يا ابني، اللي حصل حصل.
لكن يوسف أصر يكمل
لأ، مش خلاص! لأنك من يومها اختفيت، وسِبت الناس تتكلم عنك كأنك مجرد اسم في تقرير قديم. محدش عرف إنك فضلت سنين بتعاني من إصابة بسبب اللي حصل، وإنك قررت تسيب الطيران نهائيًا.
اتجمدت مكاني.
أبويا كان عنده إصابة قديمة فعلًا، إصابة كان دايمًا يقول لي إنها من شغل زمان، لكنه عمره ما شرح تفاصيلها.
وفجأة
افتكرت كل المرات اللي كنت بسأله فيها ليه عمره ما سافر بالطائرة، وليه كان بيتوتر في المطارات، وليه كان بيغيّر الموضوع كل ما أسأله عن الميدالية.
بصيت له والدموع بدأت تتجمع في عيني.
عشان كده كنت پتخاف من المطارات يا بابا؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
مش خوف يا بنتي… الذكريات ساعات بتبقى أتقل من أي حاجة الواحد يقدر يشيلها.
في اللحظة دي، الراجل اللي أهان أبويا كان واقف مطأطئ راسه، ووشه بقى أحمر من الإحراج.
لكنه فجأة رفع عينيه وسأل يوسف
طيب، لو الكابتن محمود هو الشخص ده فعلًا… ليه اسمه مش موجود في أي أخبار حديثة؟ وليه محدش يعرف عنه حاجة؟
يوسف بص له طويلًا، وبعدها قال جملة خلت الراجل يتراجع خطوة
لأنك بتدور على بطل مشهور، مش على إنسان اختار يعيش في هدوء. والأغرب إنك لو كنت قريت التقرير كامل، كنت هتعرف إن عيلتك نفسها مدينة له بحاجة أكبر مما تتخيل.
عيلته؟!
الراجل فتح بقه عشان يتكلم، لكن ما طلعش منه صوت.
وبعدين بص لأبويا وسأله بصوت مرتعش
حضرتك… تعرف اسم عيلة منصور؟
أبويا رفع راسه ببطء.
ولأول مرة من بداية الموقف، اتغيرت ملامحه تمامًا.
بص للراجل كأنه افتكر حاجة كان دافنها جواه من سنين، وقال
منصور؟ أيوه، أعرف الاسم ده كويس.
الراجل حط إيده على صدره وقال
أنا اسمي سامح منصور… وجدي كان كابتن طيار. ماټ قبل ما أولد، وكل اللي اتقال لنا إنه ماټ بسبب حاډثة في الشغل.
يوسف بص لأبويا، وأبويا بص للأرض.
وبعد لحظات طويلة من الصمت، أبويا قال
يبقى واضح إن الوقت جه عشان تعرفوا الحقيقة اللي اتخبّت عن العيلتين كل السنين دي.
وبعدين طلب من يوسف يجيب ملف قديم كان محفوظ في مكتب إدارة المطار، ملف تحديدًا ما كانش المفروض يتفتح إلا بموافقة أشخاص معينين.
يوسف اتردد، وقال
يا عمي، إنت متأكد؟ لو الملف ده اتفتح، حاجات كتير هتتغير.
أبويا رد بثبات
أنا سكتّ عشرين سنة عشان أحمي ناس، لكن مش هسمح إن السكوت يضيّع حق حد تاني.
وفي اللحظة اللي يوسف اتحرك فيها ناحية مكتب الإدارة، سامح مسك دراع أبويا وقال برجاء
أرجوك، قبل ما نفتح الملف… جاوبني على سؤال واحد. جدي كان بطل فعلًا، ولا أنا طول عمري كنت فاهم حكايته غلط؟
أبويا بص له، وسكت ثواني.
وبعدين قال جملة واحدة خلت سامح يحط إيده على بقه من الصدمة
جدك
كان راجل شجاع، يا سامح… لكن اللي اتكتب عن الحاډثة مش هو اللي حصل فعلًا.
يتبع…
سامح فضل واقف قدام أبويا، وكأنه مش قادر يستوعب الجملة اللي سمعها.
قال بصوت مهزوز
يعني إيه مش هو اللي حصل فعلًا؟! إنت تقصد إن جدي اتظلم؟ ولا تقصد إن فيه حد خبّى الحقيقة عننا؟
أبويا أخد نفس طويل، وبص ناحية بوابة الطيارة، وبعدين رجع بص له.
الحقيقة يا سامح إن جدك كان راجل شجاع، وأنا عمري ما أنكرت ده. لكن في الليلة دي، حصلت حاجات محدش كان مستعد يتحمل مسؤوليتها.
سامح قرب منه أكتر وقال
طب ليه محدش قال لنا؟ ليه أبويا عاش عمره كله فاكر إن جدي ماټ بسبب خطأ في الطيران؟
أبويا رد بحزن
لأن التقرير اللي اتكتب بعد الحاډثة ما كانش بيحكي كل اللي حصل. ولأن فيه ناس كانت خاېفة على سمعتها ومستقبلها، فاختارت أسهل طريق… إنها تسكت.
أنا كنت واقفة بينهم، مش عارفة أستوعب إزاي أبويا اللي طول عمره بيقضي يومه بين البيت والجامع والقهوة، واللي كنت فاكرة إن أكبر أسراره هي الميدالية القديمة، كان جزء من حكاية بالحجم ده.
مسكت إيده وقلت
بابا، أنا محتاجة أفهم. إنت كنت طيار فعلًا؟ وإيه اللي حصل لك وخلاك تسيب شغلك؟ وليه عمرك ما حكيت لي؟
بص لي بحنان، وقال
كنت ناوي أحكيلك يا بنتي، بس كل ما كنت أفتكر اللي حصل، كنت أقول لنفسي إن الماضي خلاص انتهى. وإن أهم حاجة عندي إني ربيتك وإنتِ حاسة بالأمان، بعيد عن ۏجع الحكايات دي.
قبل ما أتكلم، رجع يوسف من مكتب الإدارة، ومعاه موظف كبير في السن شايل حقيبة جلدية بنية قديمة.
الحقيبة كان شكلها عتيق، وعلى طرفها بطاقة صغيرة مكتوب عليها رقم ملف وتاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة.
يوسف حطها على ترابيزة جانبية، وقال
ده الملف اللي كنت بتتكلم عنه يا عمي. المسؤول وافق يطلّعه بعد ما اتأكد من هويتك، لكن فتحه قدام الركاب مش مناسب. وكمان لازم نتأكد إن أي مستند جواه مسموح بمراجعته.
أبويا هز راسه بالموافقة.
عندك حق. مش عايزين نأذي حد، ولا نتهم حد من غير دليل.
الموظف فتح الحقيبة بحذر، وطلع منها ملف سميك، فيه تقارير قديمة وصور بالأبيض والأسود وخطابات رسمية.
لكن أول ما أبويا شاف الورقة اللي فوق، وشه اتغير.
مد إيده، ورفعها ببطء.
كانت صورة لثلاثة طيارين واقفين جنب بعض قدام طيارة قديمة.
أبويا كان
في النص.
وعلى يمينه كان واقف رجل شبه سامح بشكل واضح، بنفس العينين ونفس شكل الأنف.
سامح قرب