كنت دايماً بقول

من الصورة، وقال
ده جدي! أنا عندي صورة شبه دي في بيتنا، بس عمري ما شفت الصورة دي قبل كده.
أبويا أشار للرجل الثالث اللي واقف على شماله.
وده كان الكابتن فؤاد. كنا أصحاب من قبل ما نبدأ شغلنا بسنين.
سألته
وكان موجود في الحاډثة؟
أبويا ما ردش على طول. فضل باصص للصورة، وبعدين قال
كان موجود… وكان آخر واحد شفته قبل ما كل حاجة تتغير.
يوسف فتح التقرير اللي بعد الصورة، وبدأ يقرا بصوت منخفض. كانت فيه تفاصيل عن رحلة اتعرضت لظروف خطېرة، وقرارات اتاخدت في وقت قصير جدًا، وبعدها تحقيق رسمي حمّل مسؤولية كبيرة لجد سامح.
لكن أبويا وقف يوسف فجأة.
استنى. اقلب الصفحة.
يوسف قلبها.
وفي آخر الصفحة، ظهر توقيع قديم بخط إيد أبويا.
سامح شهق وقال
إنت اللي وقّعت على التقرير؟!
الهواء في المكان بقى تقيل.
حتى أنا حسيت للحظة إني مش عارفة أبويا اللي قدامي.
أبويا بص لسامح وقال
أيوه، أنا وقّعت. لكن التوقيع ده مش معناه إني وافقت على كل كلمة مكتوبة في التقرير.
سامح رجع خطوة لورا.
يعني إنت كنت عارف إن جدي اتلام ظلم، ومع ذلك وقّعت؟!
أبويا ما حاولش يبرر لنفسه، ولا ڠضب من اتهامه.
قال بهدوء
وده السؤال اللي فضلت أسأله لنفسي كل يوم من يومها.
أنا قربت منه، وقلت
بابا، إنت كنت مجبر؟ حد هدّدك؟
أبويا بص لي، لكن قبل ما يجاوب، الموظف الكبير اللي كان واقف ساكت طول الوقت مد إيده ناحية الحقيبة.
قال بتردد
فيه مستند تاني لازم تشوفوه قبل ما تحكموا على أي حاجة.
طلع ظرفًا أبيض قديمًا، كان متثبتًا في آخر الملف، ومكتوب عليه بخط اليد
يُفتح فقط إذا عاد الكابتن محمود للمطالبة بالحقيقة.
اتسمرت مكاني.
سامح بص للظرف، وبعدها بص لأبويا.
مين اللي كتب الكلام ده؟
أبويا قرب من الظرف، ولمس اسمه المكتوب عليه بأطراف صوابعه، وكأن مجرد رؤيته رجّع له ذكريات كان بيحاول ينساها.
وبصوت واطي قال
الراجل الوحيد اللي كان يعرف أنا ليه وقّعت.
يوسف فتح الظرف بحذر، وطلع منه خطاب من صفحتين، وفي آخره توقيع واضح.
لكن بمجرد ما أبويا شاف التوقيع، غمّض عينيه، وحط إيده على وشه.
لأول مرة في حياتي، شفت أبويا بيعيط.
مش عياط بصوت عالي، لكن دموع نزلت من عينيه وهو بيحاول يخبيها عننا.
حضنته وقلت
بابا، مين صاحب الخطاب؟
فتح عينيه، وبص لي مباشرة، وقال
صاحب الخطاب ده ماټ من سنين… وكنت فاكر إنه أخد سره معاه للقبر.
سامح مد إيده وأخد الخطاب من يوسف، وبدأ يقرا أول سطر.
وفجأة، وشه شحب.
رفع عينيه لأبويا، وصوته خرج بالكاد مسموع
مش معقول… ده معناه إن جدي ما كانش الشخص الوحيد اللي اتظلم!
وبعدين قلب الصفحة التانية، لكن إيده وقفت عند السطر الأخير.
كان فيه اسم واحد مكتوب بوضوح، وتحت الاسم جملة قصيرة قلبت كل اللي كنا فاهمينه عن الحاډثة.
سامح رفع راسه، وبص لأبويا وقال
يا كابتن محمود… الاسم ده اسم أبويا! إزاي أبويا كان له علاقة بالموضوع، وهو طول عمره بيقول إنه ما يعرفش أي حاجة عن الحاډثة؟!
أبويا وقف ببطء، ومسح دموعه، وبعدين قال
لأن أباك يا سامح كان طفل وقتها، وما كانش يعرف إن القرار اللي اتاخد في الليلة دي هيغيّر حياة عيلتين كاملتين.
لكن قبل ما أبويا يشرح له المقصود، رنّ تليفون الموظف الكبير.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه فجأة.
ردّ، وسمع كام كلمة، وبعدها قال بقلق
حضرتك متأكد؟ الملف اتفتح فعلًا؟
سكت لحظة، وبعدين قفل التليفون وبص لأبويا.
يا كابتن محمود، فيه مشكلة. حد عرف إننا فتحنا الملف، وفيه شخص من الإدارة القديمة جاي المطار بنفسه… وطلب إنه يقابلك فورًا.
أبويا ما بانش عليه أي خوف.
على العكس، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
سألته وأنا قلبي بيدق بسرعة
مين الشخص ده يا بابا؟
بص لي، وبعدها بص لسامح، وقال
الشخص اللي فضلت مستنيه أكتر من عشرين سنة… والشخص الوحيد اللي يقدر يفسر لنا ليه الحقيقة اتدفنت كل السنين دي.
وبعد أقل من عشر دقايق، ظهر رجل مسن عند مدخل المنطقة، مستند على عصاية، ومعاه ملف أسود صغير.
أول ما شاف أبويا، وقف مكانه.
وأبويا قام من الكرسي، وبص له طويلًا.
الرجل رفع الملف الأسود وقال بصوت متعب
محمود… أنا جاي أقول لك الحقيقة بنفسي، قبل ما حد تاني يكتشف اللي مخبيه هنا.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في كلامه…
المفاجأة كانت إن أبويا، أول ما شاف الوجه اللي قدامه، قال اسمًا خلاني أصرخ من الصدمة… لأن الاسم ده كان اسم جدي من ناحية أمي، اللي كنت فاكرة إنه ماټ قبل ما أتولد!
فضلت باصة للراجل العجوز وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
جدي من ناحية أمي ماټ قبل ما أتولد، وأمي نفسها عمرها ما حكت لي عنه غير حكايات بسيطة جدًا. كانت دايمًا تقول إنه ماټ في حاډث، وإن أبوها ما كانش بيحب يتكلم عن الماضي.
لكن الراجل اللي واقف قدامنا كان المفروض يكون جدي نفسه!
بصيت لأبويا وقلت بصوت مرتعش
بابا، إنت قلت اسم جدي ليه؟ هو الراجل ده مين؟ وإزاي شبه الصور اللي عندنا في البيت؟
أبويا ما ردش عليّ فورًا.
الراجل العجوز قرب منه، وحط الملف الأسود على الترابيزة، وقال
من حق بنتك تعرف يا محمود. إنت أخفيت عنها الحقيقة سنين طويلة، وأنا كمان شاركت في السكوت.
أبويا بص له بعتاب واضح.
إنت مش بس سكت يا فؤاد… إنت سيبتني أتحمل اللوم لوحدي.
فؤاد نزل عينيه للأرض، وقال
عارف. وعشان كده جيت النهارده.
سامح كان واقف مش بعيد عننا، ووشه مليان أسئلة. أما الطيار يوسف، فطلب من الموظفين يسيبونا في مكان هادي، بعيد عن حركة الركاب.
قعدنا كلنا حوالين الترابيزة، وفؤاد فتح الملف الأسود.
أول حاجة طلّعها كانت صورة قديمة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.
أول ما شفت الصورة، قلبي دق بسرعة.
الست دي كانت أمي!
كنت أعرف الصورة دي كويس، لأنها كانت موجودة في درج قديم في بيتنا، لكن عمري ما فهمت ليه أمي كانت محتفظة بيها لوحدها، ولا مين الراجل اللي واقف بعيد عنها في خلفية الصورة.
فؤاد حط صباعه على الصورة وقال
دي أمك يا بنتي، ودي كانت آخر صورة اتصورت لها قبل ما تسافر مع أبوكي.
بصيت لأبويا بسرعة.
تسافر؟ أمي كانت مسافرة؟ إنتوا عمركم ما قلتوا لي الكلام ده!
أبويا شبك إيديه ببعض، وقال
أمك كانت تعرف كل حاجة عن شغلي القديم، وكانت عارفة إن اللي حصل في الرحلة دي مش مجرد حاډث عادي.
فؤاد أضاف بصوت منخفض
لكنها ما كانتش تعرف إن فيه مستند مهم اختفى بعد التحقيق، وإن المستند ده كان ممكن يغيّر مصير جد سامح.
سامح قرب من الترابيزة وقال
طب وإيه علاقة أمها بالموضوع؟ وإيه علاقة أبويا؟ أنا بدأت أحس إن كل واحد فينا عاش عمره وهو فاهم نص الحكاية بس!
فؤاد هز راسه.
لأن دي الحقيقة يا سامح. كل عيلة اتقال لها جزء مختلف، والجزء اللي كان ممكن يجمع كل الخيوط اختفى.
وبعدين فتح درج صغير في الملف، وطلع منه ورقة مطوية بعناية.
أبويا أول ما شافها، قام من مكانه فجأة.
الورقة دي! إنت لقيتها فين؟!
فؤاد رفع عينيه له وقال
كانت عندي طول السنين دي.
أبويا ضړب كف بكف من شدة الصدمة.
إنت قلت لي إنك دورت عليها في كل مكان!
فؤاد ما حاولش ينكر.
كنت خاېف يا محمود. لو الورقة دي ظهرت وقتها، كان ممكن ناس

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *