كنت دايماً بقول
كتير تخسر شغلها، وعائلات تتدمر. قلت لنفسي إني بحمي الناس… لكن الحقيقة إني كنت بحمي نفسي كمان.
ساد الصمت.
وبعدين مد الورقة لسامح.
اقرا آخر فقرة بصوت عالي.
سامح أخدها وبدأ يقرا. كانت الورقة عبارة عن ملاحظات مكتوبة قبل الحاډثة بأيام، وفيها تفاصيل عن خلل اتبلغ عنه في الطيارة، وعن طلب صيانة اتأجل رغم التحذيرات.
لكن المفاجأة كانت في التوقيع الموجود تحت الملاحظات.
سامح رفع الورقة قدام عينيه، وقال
ده توقيع جدي! يعني هو اللي بلّغ عن الخلل قبل الرحلة؟!
فؤاد رد
أيوه. جدك حذّر من المشكلة، وطلب وقف الرحلة لحد ما الطيارة تتفحص بالكامل. لكن طلبه ما اتنفذش.
سامح حط إيده على راسه.
طول عمري فاكر إن جدي هو اللي تسبب في الحاډثة! أبويا ماټ وهو شايل الفكرة دي، وعمره ما عرف إن أبوه حاول يمنع الکاړثة من الأساس!
أبويا قرب منه وقال
جدك كان راجل أمين يا سامح. وأنا كنت شاهد على ده.
سامح بص له والدموع في عينيه.
طب ليه وقّعت على التقرير اللي حمّله المسؤولية؟
أبويا سكت طويلًا، وبعدين قال
لأن بعد الحاډثة، اكتشفت إن فيه صفحات من سجل الصيانة اتبدلت، وإن شهادات بعض الموجودين اتغيرت. ولما اعترضت، جالي ټهديد واضح إن عيلتي ممكن تدفع الثمن لو فضلت أتكلم.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
يعني حد هدد أمي؟
أبويا هز راسه ببطء.
الټهديد ما كانش لأمك بس. كنت مسؤول عن سلامة عيلتي، وفي الوقت ده كنت فاكر إن سكوتي هو الطريقة الوحيدة عشان أحميكم.
مسكت إيده وقلت
بس يا بابا، إنت سبت نفسك تعيش كل السنين دي وإنت شايل الذنب لوحدك!
ابتسم بحزن.
كنت كل ما أشوفك بتكبري، أقول إن المهم إنك بخير. وكنت فاكر إن الحقيقة لو فضلت مدفونة، مش هتأذي حد تاني.
فؤاد قفل عينيه لحظة، وبعدين قال
لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.
كلنا بصينا له.
فتح آخر جيب في الملف الأسود، وطلع منه خطاب مختوم، وقال
قبل ۏفاة والدتك، بعتت لي جواب وطلبت مني ما أفتحوش إلا لو محمود قرر يرجع يطالب بحقه.
قلبي وقف تقريبًا.
أمي؟ أمي كانت عارفة إن بابا هييجي يوم ويفتح الموضوع؟
فؤاد رد
مش بالضبط. لكنها كانت متأكدة إن الحقيقة مش هتفضل مستخبية للأبد.
مد الخطاب لأبويا.
أبويا مسكه بإيد بتترعش، وفضل يبص على خط أمي كأنه بيشوفها قدامه بعد غياب سنين.
فتح الخطاب وبدأ يقرا بصمت.
كل ما كان يقرا سطر، ملامحه كانت بتتغير.
وفجأة، حط الخطاب على الترابيزة وقام واقف.
قال بصوت مخڼوق
يا نهار أبيض… هي كانت عارفة!
قربت منه بسرعة.
كانت عارفة إيه يا بابا؟
بص لي، وبعدها بص لسامح، وقال
أمك اكتشفت قبل ۏفاتها إن الشخص اللي أخفى مستندات التحقيق ما كانش مجرد موظف خاېف على شغله. كان فيه حد تاني أصدر له الأوامر.
سامح سأله
مين؟
أبويا رفع عينيه عن الخطاب، وقال اسم شخص خلّى فؤاد يسند إيده على الترابيزة من الصدمة.
اللواء المتقاعد عادل منصور.
سامح اتراجع خطوة.
عادل منصور؟ ده أخو جدّي! ده عم أبويا، وكان هو اللي اتولى رعايتنا بعد ۏفاة جدي!
فؤاد قال بسرعة
استنى يا سامح. إحنا لسه ما عندناش دليل كافي يثبت إنه هو اللي أصدر الأوامر بنفسه. الخطاب بيذكر اسمه، لكنه ما بيشرحش كل التفاصيل.
أبويا هز راسه.
عشان كده مش هنظلم حد قبل ما نعرف الحقيقة كاملة.
وفجأة، يوسف اللي كان ساكت طول الوقت قرب من الترابيزة، وأشار إلى ختم موجود على ظهر الخطاب.
قال باستغراب
عمي محمود، الختم ده مش ختم الشركة ولا ختم جهة التحقيق. ده ختم مكتب محاماة.
فؤاد بص للختم، ووشه شحب.
المحامي ده ماټ من أكتر من عشر سنين!
يوسف قلب الخطاب، ولاحظ رقمًا صغيرًا مكتوبًا في آخر الصفحة، وبجانبه عنوان قديم.
سامح طلع تليفونه بسرعة، وبدأ يدور على العنوان.
وبعد دقايق، رفع راسه وقال
المكان ده لسه موجود! مكتب المحامي اتقفل، لكن المبنى اتحول لمخزن تابع لشركة أرشيف خاصة.
أبويا بص للساعة، وبعدين قال بحسم
يبقى أول ما نوصل، لازم نعرف إذا كان فيه نسخة تانية من المستندات.
لكن قبل ما نتحرك، تليفون سامح رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
المتصل كان أبوه، ابن الرجل اللي اتظلم في التقرير القديم.
رد عليه وقال
أيوه يا بابا، أنا في المطار… حصلت حاجة غريبة جدًا، واكتشفت معلومات عن جدي.
سكت وهو بيسمع، وبعدها قال
إنت عرفت منين إننا فتحنا الملف؟
فضل سامح ساكت لثواني، وبعدين بص لنا بذهول.
قفل المكالمة ببطء، وقال
أبويا بيقول لي إن عمي عادل اتصل بيه من شوية، وطلب منه ييجي البيت فورًا.
فؤاد سأله
وقال له ليه؟
سامح بلع ريقه ورد
قال له إنه لقى المستند الأصلي اللي بيثبت مين المسؤول عن الحاډثة… وإنه لازم يسلّمه لابنه قبل ما يفوت الأوان.
أبويا مد إيده وأخد الخطاب القديم، وبص للتوقيع الموجود في آخره.
وبعدين قال بصوت هادي، لكنه كان مليان تصميم
واضح إننا مش الوحيدين اللي عندنا أسرار يا سامح.
وفي اللحظة دي، وصلتنا رسالة على تليفون يوسف من رقم مجهول.
كانت عبارة عن صورة حديثة لمبنى الأرشيف، وتحتها جملة واحدة
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، ما تروحوش المكان ده لوحدكم… لأن فيه حد سبقكم ووصل للمستندات.
والأخطر إن الصورة كانت متصورة من دقائق قليلة، وكان ظاهر في انعكاس زجاج المدخل شخص واقف شايل نفس الملف الأسود اللي كان مع فؤاد!
يتبع…
فضلنا كلنا باصين للصورة اللي على تليفون يوسف، وكل واحد فينا بيفكر في نفس السؤال مين الشخص اللي وصل للأرشيف قبلنا، وإزاي عرف إننا بندور على الحقيقة؟
يوسف كبّر الصورة بإصبعيه، وركز في انعكاس الزجاج.
استنوا… الراجل ده مش غريب عليّا.
فؤاد قرب منه بسرعة.
تعرفه؟
يوسف هز راسه وقال
مش متأكد، بس أنا شفت الوش ده قبل كده في صورة قديمة كانت موجودة في مكتب والدي.
أبويا رفع عينيه له.
والدك كان يعرف الراجل ده؟
يوسف رد بتردد
والدي كان مهندس صيانة طيران، واشتغل فترة طويلة في نفس المؤسسة اللي حصلت فيها الحاډثة. قبل ۏفاته بشهور، كان بيحاول يوصل لمستندات قديمة، وكل ما كنت أسأله عن السبب، كان يقولي إن فيه خطأ كبير حصل زمان، وإنه مش قادر ېموت قبل ما يصلحه.
فؤاد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
يا ساتر… يعني حتى والدك كان بيدور على الحقيقة؟
يوسف بص لأبويا وقال
أنا فاكر إنه ذكر اسمك مرة. قال لي لو قابلت الكابتن محمود في يوم، قوله إن أبويا ما نسيش وعده.
أبويا اتجمد مكانه.
والدك قال لك كده؟
أيوه. بس أنا ما كنتش أعرف إنك إنت المقصود.
أبويا سكت شوية، وبعدين قال
أبوك كان راجل محترم. وهو الوحيد اللي وقف جنبي وقت ما الكل كان بيطلب مني أسكت.
حسيت إن الحكاية بقت أكبر بكتير من مجرد حاډثة قديمة.
كل شخص بنقابله كان بيكشف لنا باب جديد، وكل باب وراه سر تاني.
لكن سامح كان أعصابه بدأت تفلت منه.
قام من مكانه وقال
أنا مش هفضل مستني أكتر من كده. أبويا عنده مستند أصلي، وفيه حد راح للأرشيف، وأنا لازم أعرف جدي اتظلم إزاي.
أبويا مسك دراعه وقال
استنى يا سامح. إحنا مش هنروح نواجه حد وإحنا مش عارفين معانا إيه. لازم نتصرف بعقل، ونخلي كل حاجة تتم بطريقة قانونية.
سامح هدي شوية، لكنه فضل متوتر.
أما أنا، فكنت مشغولة بحاجة تانية.
اسم أمي ظهر في القصة أكتر من مرة، وكل مرة كان فيه جزء ناقص.
طلعت تليفوني، واتصلت بخالتي الكبيرة، أخت