مين سمحلك بتقليب
مين سمحلك بتقليب الأكل مع الشغالين هنا؟
الصبح اللي وصل فيه عيلة الألفي عشان يوزعوا ثروة الجد الملياردير، كان حافيده الوحيد واقف في المطرة برة القصر، لابس بالطو سواق رمادي ومستني بوابات القصر تفتح!
محدش عرفه خالص.. وده بالظبط اللي كان الجد متكتك له قبل ما ېموت!
خلي بالك من رجليك، نادية الألفي قالتها بقرف وهي نازلة من العربية أو خلّي بالك وأنت بتسوق طالع برة هنا قبل العشا.. أمي مابتحبش تنتظر حد!
الشاب نزل راسه تحت أمرك يا فندم.
نادية زقت شنطة جلد غالية ناحيته من غير ما تتأكد إنه مسكها، فالشنطة وقعت على الأرض المبلولة. بصت له كأن الغلطة غلطته هي حاسب! الشنطة دي تمنها أكتر من مرتبك في ست شهور!
شال الشنطة بهدوء هحط ده في بالي.
مشيت نادية ناحية قصر الألفي.. القصر الضخم اللي بيطل على النيل، اللي عاش فيه أبوها الملياردير توفيق الألفي أخر أيامه، وما لاحظتش إن السواق اللي وراها معاه نفس عينين توفيق الألفي حافر ونقش!
ولا أخوها طارق لاحظ.. ولا ابن أخوها كريم.. ولا نص العيلة اللي وصلت في عربيات أحدث موديل!
واحدة بس هي اللي وقفت.
بنت بسيطة لابسة المريلة البيضا، كانت شايلة طفاحتين فاكهة طالعة بيهم على سلم الخدم لما واحدة زلقت من إيدها، والتفاح اتنطر على الأرض.
قبل ما حد يتحرك، السواق الجديد حط الشنطة على الأرض ووطى يساعدها هاتيهم عنك..
البنت بلمت مش لازم تتعب نفسك!
عارف، بس عادي.
لموا التفاح سوا، وابتسمت له بتعب شكراً.. أغلب الناس هنا بيمشوا يدوسوا عليه ولا كأنهم شايفين.
يبقى أغلب الناس غلطانين.
سكتت ثانية وبصت له.. شاب في التلاتين، طويل، عريض،
شعره مبلول من المطر، بس هيبته ومشيت طريقة كلامه ما تجيش أبداً مع طقم سواق!
أنت السواق الجديد؟
أيوة، اسمي إبراهيم.
أنا مريم.
وقبل ما يكملوا، صوت نادية جه من الباب مريم! إحنا فاتحين القصر لخدمة التعارف؟
لأ يا فندم.
وبصت لإبراهيم وأنت.. أودتك فوق الجراج.. باب الخدم بس! ما تلمحش وشك جوة البيت إلا لو حد ندهلك!
إبراهيم شال الشنطة مفهوم.
أول ما نادية اختفت، مريم برقت بعينيها هتحب القعدات هنا أوي!
إبراهيم ضحك بصوت واطي واضح فعلاً!
اللي مريم ما تعرفوش، إن مفيش حد اسمه إبراهيم.. ده اسمه الحقيقي مازن الألفي!
الحفيد الوحيد لتوفيق الألفي!
وحسب بند سرّي في وصية الجد، لو مازن قدر يعيش ٩٠ يوم جوة القصر بصفتة سواق من غير ما حد يكشف هويته، القصر والشركة والملايين كلها هتؤول ليه هو لوحده!
الجد كان قال له وهو بېموت الفلوس بتغير النفوس، وأنا عايزك تشوفهم على حقيقتهم لما يفتكروا إن محدش مهم بيبص عليهم!
وفعلاً.. كان عمو طارق طمعان، ونادية متكبرة، وكريم واخد قسۏة أبوه.. الوحيدة اللي كانت طيبة معاه وبتهتم بأكله وعشاه هي مريم الشغالة البسيطة اللي بتوفر من مرتبها عشان تدخل كلية تمريض!
لكن في
اليوم الحادي عشر.. نادية شافت مازن ومريم واقفين يتكلموا في المطبخ، فصړخت فيهم، وقررت تطرد مريم فوراً وتغرمها تمن طقم صيني مكسور عشان تأدب الخدم!
وهنا.. مازن اضطر ياخد قرار غير كل حسابات الوصية، وشقلب كيان العيلة كلها!
تفتكروا مازن هيعمل إيه عشان ينقذ مريم من إيد عيلته المفترسة؟ وازاي هينتقم منهم ويخليهم يندموا على اليوم اللي عاملوا فيه سواق القصر وقهروا البنت البسيطة؟
صړخت نادية وهي واقفة على باب المطبخ
مين سمحلك بتقليب الأكل مع الشغالين هنا؟!
اتجمدت مريم مكانها، وإبراهيم أو بالأصح مازن رفع عينيه بهدوء.
كان طقم الصيني المكسور واقع على الأرض، وقطعة صغيرة منه جنب رجل مريم.
قالت نادية پغضب
أنا مش هكرر كلامي! من النهارده مفيش مكان ليكي هنا. وإنت يا إبراهيم، إنت سواق، فاهم؟ سواق! مش صاحب القصر عشان تقف تدافع عن الخدم!
مريم حاولت تتكلم
يا فندم، أنا والله ما كسرت الطقم، هو وقع مني وأنا
قاطعتها نادية
مش فارقة! تمنه هيتخصم من مرتبك، ولو مرتبك مش مكفي، هتدفعيه من جيبك.
هنا تقدم مازن خطوة.
وقال لأول مرة بنبرة مختلفة تمامًا
لأ.
سكتت نادية.
إيه؟
الطقم مش هيتخصم من مرتبها.
ضحكت نادية بسخرية
وأنت هتدفعه؟
بص لها مازن في عينيها
أيوه.
إنت بتتكلم بجد؟
جداً.
رفعت نادية حاجبها
واضح إنك نسيت نفسك يا إبراهيم.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
لأ أنا فاكر نفسي كويس أوي.
ثم انحنى على الأرض، وأخذ قطعة من الصيني المكسور، وقال
بس الظاهر إن ناس كتير هنا هي اللي نسيت هي مين.
نادية احمر وجهها من الڠضب
اخرج برة المطبخ فورًا!
لكن مازن لم يتحرك.
في اللحظة دي، دخل عمه طارق، ومعاه كريم.
في إيه؟ الصوت واصل لآخر القصر.
قالت نادية
السواق الجديد اټجنن! بيدافع عن مريم وبيكلمني كأنه صاحب البيت.
ضحك كريم
هو فعلاً شكله صدق نفسه.
مازن بص لهم واحدًا واحدًا.
وبهدوء قال
يمكن.
ثم خرج من المطبخ.
لكن محدش منهم لاحظ إن عينيه لم يكن فيهما ڠضب
كان فيهما قرار.
في نفس الليلة، وبعد ما نام القصر، دخل مازن مكتبه الصغير في الجراج.
قفل الباب.
فتح حقيبة قديمة كان محتفظ بيها تحت السرير.
طلع منها ظرف أسود مختوم بالشمع، وعلى الظرف اسم جده
توفيق الألفي.
فتح مازن الظرف.
كانت فيه ورقة واحدة.
قرأها للمرة العاشرة
يا مازن
لو وصلت للمرحلة دي، يبقى أنت اكتشفت إن المال مش هو الاختبار الحقيقي.
أنا عايزك تعرف إنك لو فضلت ساكت على ظلمهم، فأنت فشلت.
الوصية لا تختبر قدرتك على التحمل.
الوصية تختبر قدرتك على معرفة متى تتدخل.
لا تسمح أن يتحول القصر إلى مكان يُهان فيه إنسان بسبب فقره.
لو رأيت ظلمًا واضحًا، دافع عن المظلوم.
حتى لو اضطررت أن تكشف نفسك قبل انتهاء التسعين يومًا.
ثبت مازن عينيه على الجملة الأخيرة.
ابتسم.
كنت مستني اللحظة دي يا جدي، صح؟
ثم أخرج هاتفًا صغيرًا من الحقيبة.
وضغط رقمًا محفوظًا باسم
المحامي فؤاد.
أستاذ فؤاد؟ أنا جاهز.
جاءه الصوت
من الطرف الآخر
متأكد يا مازن؟ لو نفذت الخطوة دي، ممكن تختصر الاختبار، لكن عندي تعليمات جدك إننا ننتظر.
قال مازن
جدي كان عايز يعرف حقيقتهم. وأنا عرفتها.
وعايز تعمل إيه؟
نظر مازن إلى صورة قديمة لجده.
عايز أديهم فرصة أخيرة.
في اليوم التالي، استيقظ القصر على خبر غريب.
مريم لم تأتِ إلى العمل.
كانت قد أخذت أشياءها الصغيرة ورجعت إلى البيت.
لكن قبل ما تخرج، تركت ورقة على سريرها
أنا مش زعلانة من الشغل.
أنا زعلانة إني صدقت إن فيه ناس ممكن تعاملني كبني آدمة.
قرأ مازن الورقة، وشعر لأول مرة أن الاختبار لم يعد لعبة.
ذهب إليها.
وجدها في بيت صغير متواضع، جالسة أمام والدتها.
ما إن رأته حتى قالت
إنت جاي ليه؟
عشان أقولك ترجعي.
ضحكت بحزن
أرجع أتعرض للإهانة؟
لأ.
أمال أرجع ليه؟
سكت مازن ثواني.
ثم قال
عشان المرة دي، محدش هيقدر يهينك.
مريم بصت له باستغراب.
إبراهيم إنت بتتكلم كأنك تقدر تعمل حاجة.
قال
أقدر.
إنت سواق.
ابتسم.
أيوه.
ثم
لمحة نيوز