مين سمحلك بتقليب
أضاف
بس مش بس سواق.
في اليوم الثالث عشر، اجتمعت عائلة الألفي كلها في الصالون الكبير.
نادية، طارق، كريم، وبعض الأقارب.
وكان بينهم المحامي فؤاد.
استغرب الجميع وجوده.
قال طارق
خير؟ ليه جاي من غير ميعاد؟
وضع فؤاد حقيبته على الطاولة.
بناءً على تعليمات المرحوم توفيق الألفي، أنا هنا لإبلاغكم بقرار رسمي.
تغير وجه طارق.
قرار إيه؟
فتح فؤاد ملفًا.
المرحوم وضع بندًا إضافيًا في وصيته.
نادية قالت
إحنا عارفين الوصية.
لأ. أنتم ما تعرفوش كل حاجة.
ثم نظر إلى باب الصالون.
ادخل يا مازن.
ساد الصمت.
الباب اتفتح.
دخل إبراهيم.
لكن هذه المرة لم يكن مرتديًا بالطو السائق.
كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
تغيرت ملامح الجميع.
طارق وقف فجأة.
كريم شهق.
نادية قالت
إنت؟!
أما مازن فوقف في منتصف الصالون.
وقال
مساء الخير.
طارق اقترب منه
إنت مين؟
فؤاد أجاب
ده مازن توفيق الألفي.
سقطت الكلمة على القصر كالصاعقة.
نادية رجعت خطوة للخلف.
مستحيل.
قال مازن
ليه مستحيل؟
مازن ماټ من زمان!
مين قالك؟
لم تجد جوابًا.
طارق قال بعصبية
أنت بتلعب علينا!
أخرج مازن شهادة ميلاده، وصورًا قديمة، ثم تقرير البصمة الوراثية الذي أُجري بناءً على طلب جده قبل ۏفاته.
فؤاد وضع الأوراق على الطاولة.
كل المستندات موثقة.
ثم قال
والأهم إن المرحوم كان يعرف إنكم ممكن تحاولوا تمنعوا مازن من الوصول لحقه.
كريم جلس على الكرسي.
أما نادية فبدأت تستوعب الحقيقة.
السواق الذي كانت بتزعق له
والشاب الذي كانت بتأمره يحمل حقائبها
والشخص الذي قالت له باب الخدم بس
كان صاحب القصر الحقيقي.
لكن المفاجأة لم تنتهِ.
قال فؤاد
في شرط أخير.
نظر الجميع إليه.
مازن لم يكن ملزمًا بإكمال التسعين يومًا إذا تعرض أي عامل داخل القصر للظلم أو الإهانة بسبب المال أو الطبقة الاجتماعية.
طارق قال
يعني إيه؟
يعني إن الاختبار انتهى.
ثم أضاف
ومازن هو الوريث الوحيد للقصر والشركة وكل الأموال المحددة في الوصية.
صړخت نادية
بس إحنا أولاده!
رد مازن
أولاد عمي.
قالت
إحنا من العيلة!
العيلة مش اسم على البطاقة.
ثم
نظر إليها
العيلة هي الناس اللي بتحافظ على بعض وقت القوة والضعف.
لم تستطع الرد.
بعدها بأيام، بدأت المفاجآت الحقيقية.
مازن لم يطردهم من القصر.
بل أعطاهم فرصة أخيرة.
طلب مراجعة كل حسابات الشركة.
واكتشف أن عمه طارق كان يحول أموالًا من الشركة لحسابات شخصية.
أما كريم، فاكتشف أنه كان يستخدم اسم الشركة لإبرام صفقات وهمية.
ونادية كانت قد باعت بعض مقتنيات القصر دون علم والدها.
رفع مازن الملفات إلى الجهات المختصة، واستُردت الأموال، وخسر طارق وكريم مناصبهما.
لكن مازن لم ينتقم منهم بالفضائح.
انتقم بطريقة أقسى.
جعلهم يعيشون لأول مرة بدون النفوذ الذي كانوا يعتبرونه حقًا طبيعيًا.
أما مريم
فذهب إليها بنفسه.
كانت في المستشفى تقف أمام مكتب القبول.
مريم.
التفتت.
إنت هنا؟
أخرج ظرفًا.
ده ليكي.
فتحته.
كان بداخله خطاب قبول في كلية التمريض، ومنحة دراسية كاملة.
مريم اتسعت عيناها
إيه ده؟
حلمك.
بس إزاي؟
لأنك طول عمرك بتقولي إنك نفسك تبقي ممرضة، لكن الفلوس مانعاكي.
بدأت عيناها تدمعان.
أنا مش عايزة صدقة.
قال مازن
دي مش صدقة.
أمال إيه؟
استثمار في واحدة شفتها بتساعد غيرها وهي محتاجة المساعدة.
سكتت.
ثم قالت
وإنت؟
أنا إيه؟
لسه هتفضل مازن الألفي؟
ابتسم.
قدام الناس؟ أيوه.
وقدامي؟
اقترب خطوة.
قدامك إبراهيم.
ضحكت وسط دموعها.
السواق؟
السواق اللي جمع التفاح معاكي.
قالت
واللي كان عامل نفسه غلبان؟
كنت مضطر.
واللي خلاني أفتكره محترم؟
دي مش تمثيلية.
ثم قال بهدوء
أنا حبيتك قبل ما تعرفي أنا مين.
نظرت إليه طويلًا.
وأنا حبيتك لما افتكرتك مجرد سواق.
ضحك الاثنان.
مرت السنوات.
مريم دخلت كلية التمريض، وتخرجت بتفوق.
ومازن وسّع شركة جده، لكنه غير أهم شيء فيها.
أنشأ مؤسسة باسم توفيق الألفي لرعاية العاملين وأبنائهم، ومنح آلاف المنح الدراسية.
أما القصر
فلم يعد المكان الذي يُسمح فيه للأغنياء بإهانة الفقراء.
مازن وضع قاعدة واحدة
مفيش حد أعلى من حد جوه البيت ده.
وفي يوم افتتاح المؤسسة، كانت مريم تقف بجواره بزي التمريض.
اقتربت منه وقالت
تفتكر جدك كان راضي عنك؟
ابتسم مازن ونظر إلى صورة جده المعلقة على الحائط.
أظن إنه كان مستني اليوم ده.
قالت
هو كان عارف إنك هتقع في حبي؟
ضحك
دي الحاجة الوحيدة اللي ما كتبهاش في الوصية.
قالت
ليه؟
عشان دي الحاجة الوحيدة اللي ما ينفعش حد يفرضها.
مد يده لها.
أمسكت بها.
وفي الخلف، كانت صورة توفيق الألفي معلقة فوق جملة كتبها بخط يده
الثروة الحقيقية ليست في أن تمتلك الناس بل في أن تظل إنسانًا حين يصبح بإمكانك امتلاك كل شيء.
أما نادية وطارق وكريم، فظلوا يتذكرون دائمًا ذلك الصباح الماطر
الصباح الذي ظنوا فيه أنهم كانوا يأمرون مجرد سائق.
ولم يعرفوا أنهم كانوا يهينون الرجل الذي سيصبح صاحب كل شيء.
لكن مازن لم يكن أكثر شيء يفتخر به هو أنه استعاد القصر.
ولا الشركة.
ولا الملايين.
كان أكثر شيء يفتخر به أنه في اليوم الحادي عشر
حين كان يستطيع أن ينتقم فورًا
اختار أولًا أن ينقذ مريم.
وفي النهاية، فهمت عائلة الألفي الدرس الذي أراد توفيق
أن يعلّمه لهم منذ البداية
الإنسان لا تُعرف قيمته من ملابسه، ولا من وظيفته، ولا من رصيده في البنك.
الإنسان يُعرف من الطريقة التي يعامل بها من لا يستطيع أن يرد له الإساءة.
وهكذا انتهت حكاية السواق الذي دخل القصر فقيرًا في نظرهم
وخرج منه صاحب القصر الحقيقي.
لكن مريم كانت الوحيدة التي لم تتغير نظرتها إليه.
لأنها ببساطة
لم تحبه عندما عرفت أنه مليونير.
هي أحبته يوم كان مجرد إبراهيم السواق الجديد.