كل يوم الساعة
كل يوم الساعة 930 الصبح كانت جارتي تدلق جردل مية ۏسخة على زباين الكافيه بتاعي. كنت فاكرة إنها مريضة نفسية أو غاوية أذى. لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كده خلتني أتمنى لو كانت مجرد مچنونة… لأنى اكتشفت أن فى سر وراها اكبر من كده بكتير.
اسمي أمل، وكافيه قهوة ونور كان الحاجه الوحيدة اللي بنيتها في حياتي كلها بمجهودي وشقايا لوحدي. محدش ورثهولي، ومحدش جابهولي على الجاهز؛ أنا عملته من الصفر.
بدأت الموضوع بتربيزة خشب صغيرة قابلة للطي كنت بقف بيها قدام مجمع شركات في القاهرة، وأبيع عليها سينابون ومخبوزات عاملاها في البيت بيديا. شيلت القرش على القرش من بقشيش الزباين، كنت بنام أربع ساعات في اليوم، وعلمت نفسي طريقة عمل القهوة المختصة من فيديوهات اليوتيوب والكورسات الرخيصة أونلاين.
لما ربنا كرمني وأخيرًا مضيت عقد إيجار لمحل صغير في الدور الأرضي لعمارة سكنية راقية، قولت بس! الدنيا بدأت تضحكلي وحياتي أخيرًا بدأت تظبط.
جوزي رامي عمره ما اعترض على مشروعي علنًا، بس في نفس الوقت عمره ما مد إيده وساعدني بجد. كان بېموت في منظرة قدام الناس ويحب يقولهم قد إيه هو فخور بيا، بس في الحقيقة، دوره المفضّل كان إنه يقعد على الكاونتر يشرب قهوة ببلاش، ويقول لأصحابه مراتي عندها الكافيه الصغنن الكيوت ده، وأنا اللي كنت بشجعها وبدفعها لقدام في الموضوع كله.
المشاكل كلها بدأت لما سكنت معانا في العمارة ساكنة جديدة في الشقة اللي فوق الكافيه بتاعي بالظبط. اسمها رانيا. سنها كان في أواخر التلاتينات، وعلى كلامها إنها مطلقة. كانت دايماً بتنزل الساعة تمانية الصبح ملوهدة ومظبطة نفسها، ميك أب كامل على الفرازة، وبتتكلم بالصوت الدافي الرقيق الحنين اللي فيه ناس بتصطنعه عشان تحسس العالم إنهم غلابة ومكسورين الجناح.
في أول أسبوع ليها، نزلت الكافيه وهي شايلة علبة بسكوت شرياها من السوبر ماركت. وقالتلي بابتسامة كلها لؤم متداري يا خبر.. بجد وجود كافيه تحت البيت عندي ده حاجة تحفة! بوعدك مش هكون من الجيران المزعجين خالص.
بعدها بيومين بالظبط، لقيت قعدة الكافيه الخارجية الآوت دور كلها غرقانة مية رمادية ريحتها كلور تزهق. قولت مش مهم، يمكن غلطة أو حاډثة غير مقصودة، ودفعت لعمال النضافة عشان ينضفوا المكان.
تاني يوم الصبح، نفس الشيء تكرر.
وبعده.. وبعده.. وبعده.
الموضوع مبقاش مجرد مية وبس؛ بقى ينزل مية مسح، صابون مواعين، رغوة مسحوق غسيل، فتافيت أكل مبلولة، وشعر واقع وسط المية.. كل القرف ده كان بينقط مباشرة على الترابيزات اللي الزباين قاعدين بيفطروا عليها.
أول مرة طلعت عشان أتكلم معاها، رانيا فتحتلي الباب وهي لابسة روب ستان أبيض. برقت عينيها ببراءة مصطنعة وقالت يا خبر يا أمل، أنا آسفة بجد! جردل المسح اتقلب مني ڠصب عني.. إنتي عارفة بقى الست لما تكون عايشة لوحدها وبتعمل كل حاجة بنفسها بيبقى الموضوع صعب إزاي.
قبل ما أفتح بوقي وأرد، رامي اللي كان طالع ورايا اتدخل في الكلام وقال حصل خير يا رانيا، ولا يهمك.. أمل مراتي ساعات بتاخد الأمور بحساسية زيادة وشخصية شوية.
أنا اتسمرت في مكاني من الصدمة. رانيا نزلت عينيها في الأرض وعملت نفسها مكسوفة ومحرجة، بس أنا لمحت الابتسامة الخبيثة اللي اترسمت في طرف بوقها.
بعد الموقف ده، رانيا قلعت الوش وبطلت تمثيل. بقت كل يوم الساعة 930 الصبح بالثانية في ذروة زحمة الكافيه والقعدة برة تطلع في البلكونة بتاعتها.
الزبائن بتوعي بدأوا يطفشوا. في راجل طلب يرجع فلوسه بعد ما نقطة مية بصابون نزلت