اختى وطليقي
على خانة الزوج في الدفتر الكبير.
وشه كان فيه توريدة الفرح والانتصار الزايف، ضهره مفرود، ولابس البدلة التوكسيدو الكحلي اللي أنا عارفاها كويس، البدلة اللي كان دايماً يقول إنه هيوفرها لأهم صفقة في حياته. لما لقى الراجل أبو بدلة رمادي وقف فجأة بينه وبين المأذون، حاجب شريف اليمين اترفع بنوع من العجرفة، وبص للراجل من فوق لتحت باستهزاء، كأنه شايف شحات دخل عليه القاعة بالغلط.
فيه إيه يا عمنا؟ أنت مين وداخل كده زريبة؟ ما تخرج تقف بره لحد ما نخلص مراسم الفرح!
شريف قالها بصوت عالي متعمد، عشان يضحك الناس اللي حواليه ويفرض هيبته قدام نسايبه الجداد. كام واحد من صحابه ضحكوا ضحكة خفيفة ومكتومة، بس الراجل اللي واقف قدامه متهزش فيه شعرة، ولا حتى رمش. ملامحه كانت جامدة زي صخر الجرانيت، وش وظيفي بحت، ملامح حد شاف أشكال وألوان من المماطلين والكدابين لحد ما شبع، ومبقاش يفرق معاه لا بدلة عريس ولا ليلة عمر.
الراجل فتح المحفظة الجلد اللي في جيبه الداخلي بهدوء مستفز، طلع كارنيه نحاسي محفور عليه نسر الجمهورية، وفرده قدام وش شريف والمأذون في ثانية واحدة، ورجعه تاني مكانه في صدر الجاكيت
محضر تنفيذ قضائي وإخطار نيابة الأموال العامة. شريف عبد المنعم المنشاوي؟
الاسم لما اتقال بالطريقة دي، بالصيغة الجافة الرسمية،
كان له مفعول الرصاصة في نص الصالة.
أبويا، اللي كان واقف على جنب الكوشة بيعدل في ياقة قميصه وبيبتسم للمعازيم، وشه جاب ألوان، خطواته بقت سريعة ومرتبكة وهو بيقرب من التربيزة خير يا باشا؟ في إيه؟ إحنا ناس محترمين وبنكتب كتاب بنتنا، إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ ده يوم فرح، مفيش احترام لحرمة المناسبة؟
المحضر القضائي حتى مابصش لأبويا، عينه فضلت متسمرة على شريف، اللي القلم في إيده بدأ يتهز هزة خفيفة مكنش عارف يسيطر عليها أستاذ شريف، الإخطار ده يخص الدعوى القضائية المرفوعة بالطعن في الذمة المالية وإخفاء أرصدة بقصد التهرب من أحكام قضائية واجبة النفاذ، وجنحة تقديم مستندات مزورة لجهة قضائية رسمية.
المأذون، وكان راجل عجوز دقنه بيضا ولابس قفطان، رفع نضارته الطبية لفوق جبهته، بص للراجل، وبص للدفتر المفتوح قدامه، وبعدين سحب الدفتر بهدوء ناحية صدره، كأنه بينأى بنفسه عن المصيبة اللي بتتشكل قدامه.
نهى صوتها طلع أخيرًا، صوت حاد، رفيع، ومخنوق بالغيظ إيه التهريج ده؟! بابا، طلع الراجل ده بره! إنت مين أصلاً عشان تهجم علينا كده؟ كلموا الأمن يا جماعة! أمن القاعة فين؟! إزاي حد يدخل كده في وسط كتب الكتاب؟
اهدي يا مدام. صوت المحضر كان واطي بس رنان، خلى نهى تسكت غصب عنها الأمن
شاف الإذن الرسمي بره وسمح بالدخول. الورقة دي تخص العريس، والإجراء ده رسمي بقوة القانون.
شريف حاول يبلع ريقه، بس ريقه كان ناشف تماماً. شفته بتتحرك بس مفيش صوت طالع منها لأول ثانية، وبعدين بص للمحضر وابتسم ابتسامة صفرا باهتة، نوع الابتسامات اللي كان بيعملها لما يتزنق في كدبة قدامي زمان يا فندم أكيد فيه تشابه أسماء، تشابه أسماء مش أكتر. أنا لسه مخلص كل قضايا الأحوال الشخصية ومسوي كل أموري، ومعايا أحكام باتة بنفقة بنتي وكل مليم بدفعه بموجب إنذار عرض على يد محضر. الورق اللي معاك ده غلط، غلط خالص.
المحضر مسك الدوسيه الورقي اللي في إيده، دوسيه لونه أصفر مقفول بدوبارة بيضا، فك الدوبارة بروقان يحرّق الدم، وطلع ورقة رسمية متدبسة في كشف حساب طويل، متني كذا تانية، ومطبوع عليه شريط فسفوري أحمر. الورقة دي بالذات، أنا كنت عارفاها كويس أوي؛ ده إذن كشف السرية المصرفية الصادر بقرار من النائب العام بناءً على المذكرة اللي نهاد محاميتي اشتغلت عليها تلت شهور متواصلين في محكمة الأسرة والنيابة العامة.
المحضر فرد الورقة على التربيزة، بالظبط فوق الخانة الفاضية اللي كانت نهى المفروض تمضي فيها كزوجة بعد شريف. شاور بصباعه على سطر مكتوب بالبنط العريض، وقاله بصوت رخيم سمعه كل
اللي واقفين في الدايرة الأولى حوالين الكوشة
ست كلمات بس عايزك تقراهم بصوت عالي يا أستاذ شريف.. رد عليا بخصوص الست كلمات دول، وبلاش نكبر الموضوع أكتر من كده قدام المعازيم حساب رقم سبعة، باسم شركة النيل للتوريدات.
لما الجملة طلعت من بق المحضر، شريف وشه اتقلب أصفر زي الكركم، وفجأة عرق بارد طفح على جبينه، كأن حد دلق عليه جردل تلج.
شركة النيل للتوريدات..
الاسم ده مكنش مجرد اسم تجاري، ده كان الصندوق الأسود بتاع شريف. الاسم اللي قعد خمس سنين يأسسه في الدرى، باسم حد من قرايبه الصوريين، عشان يحول عليه نص مستخلصات التكييفات المركزية اللي كان بيعملها لمولات التجمع والشيخ زايد. الشركة اللي يوم ما قعدنا في مكتب التسوية في محكمة الأسرة، حلف قدام الخبير وقدام ربنا إنه ميعرفش عنها حاجة، وإنها مجرد شركة منافسة بتاكل عيشه في السوق، وإنه بيخسر ومبيطلعلوش في الشهر أكتر من اتناشر ألف جنيه بيصفوا بعد مصاريف العمال والإيجار، وإن حتى الألفين جنيه بتوع نفقة بنته فريدة بيستلفهم من طوب الأرض!
شريف حاول يمد إيده عشان ياخد الورقة من على التربيزة، بس صوابعه كانت مرتعشة بطريقة واضحة جداً للمعازيم اللي بدؤوا يقربوا أكتر ويتساسروا.
نهى بصت للورقة، وبصت لوش شريف، وابتدت