قعدوني على كرسي بلاستيك ورا عمود رخام في آخر القاعة، أتفرج على أختي وهي بتتجوز طليقي وأبو بنتي، وبكل وقاحة تبصلي وترميلي بوسة في الهوا مع ابتسامة نصر. اعقلي بقى ومتبوظيش ليلة أختك، دي كانت نصيحة أمي. بلعت الإهانة وقعدت في الضلمة، لأن بقالي 18 شهر بكتب وراهم كل مليم هربان من الحسابات. بعد ما المأذون خلص، موظف قضائي حط ورقة قدام العريس وسأله عن ست كلمات بس.. قلبت الفرح لجنازة. إياكي تعكّري مزاج أختك وتخربي بيتها الليلة دي. أبويا ميل على ودني وقالها بهمس، محدش في القاعة كلها سمعه غيري. كنت محشورة في أبعد نقطة في الصالة بالتجمع، الرؤية مقطوعة بعمود خرساني ضخم، والصوت يدوبك واصلني مع الزغاريد ومراسم كتب الكتاب. وبنتي فريدة، اللي عندها تمن سنين، كانت واقفة جنب الكوشة بفستان أوف وايت وماسكة سبت الورد؛ خالتها أصرت هي اللي تزفهم. أيوه، بنتي بتزف أبوها على أختي. وأمي قبل ما المعازيم يكملوا، قربت مني وقالت بكل برود افهمي يا مريم، دي ليلة نهى.. وجودك في وشها ممكن يقلقها وينكد عليها، تعالي على نفسك المرة دي. عمري كله وأنا باجي على نفسي عشان نهى تفضل مرتاحة. من وإحنا أطفال، نهى ليها اللبس الجديد، الدلع، والطلبات المجابة. وأنا الشاطرة العاقلة اللي تجيب مجموع عالي ومبتطلبش مليم. فهمت من بدري إن البيت فيه بنتين، بس واحدة بس هي اللي ليها تمن. اتعرفت على شريف وأنا في نص العشرينات؛ كان لسه فاتح ورشة صغيرة لتوريد وصيانة تكييفات للشركات والمولات في القاهرة. بنينا الكيان ده طوبة طوبة مع بعض. وبحكم شغلي في إدارة اللوجستيات والحسابات، كانت شغلتي ألقط أي رقم مش مظبوط أو قرش تايه. في الأول، شريف كان شايف دي ميزة وشطارة. لحد ما بدأ يسحب إيده ورا ضهري؛ يغير باسووردات الحسابات، يخبي كشوفات البنك، ويرد بنبرة ناشفة الفلوس دي بتاعتي وإدارتي، ملكيش دعوة بتفاصيل شغلي. بعد حداشر سنة جواز، رفعت قضية الطلاق. نهى ساعتها مكانش ليها أي ذكر في الصورة. وقت القضية، شريف وقف قدام القاضي وحلف إنه واقع ومبيكسبش، وقدم كشف حساب رسمي لبنك واحد بيقول إن رصيده فيه ملاليم وإن الشركة بتصفي وبتخسر. بس أنا كنت فاكرة كويس. كان فيه حساب تاني خالص في بنك استثماري، حساب بيشيل فيه عِربون المقاولات والسيولة التقيلة بتاعة الشغل. الحساب ده اتبخر ومظهرش في أي ورقة رسمية. محاميتي، أستاذة نهاد، سألتني معاكي إثبات رسمي إن الحساب ده لسه شغال وفيه فلوس؟ رديت لأ. قالتلي يبقى بلاش صوت عالي.. وثّقي كل حركة بالورقة والقلم. الفلوس دي لو حية، هتسيب وراها أثر ورجليها هتغرز لوحدها. جبت أجندة صغيرة، وقعدت 18 شهر أسجل كل تعاقد، وكل فاتورة بتتسرب، وكل حركة شراء مش راكبة على إيراداته الميتة. الطلاق خلص، شريف أخد الشركة، ونفقة بنتي فريدة اتحسبت على أساس إنه راجل يدوبك بيكفي أكل يومه بالعافية. قفلت الأجندة.. وفضلت مستنية. بعد ست شهور، في غدا يوم جمعة عادي في بيت العيلة، شفت دراع شريف محاوط كتف نهى أختي. أمي أول ما لمحت الصدمة في عيني، قالتلي متعمليش مشكلة، أختك أخيرًا لقت نصيبها وبقت مبسوطة. تلت شهور بعدها، وأعلنوا الخطوبة والفرح. نهى طالعة نازلة تستعرض خاتم ألماز حر، قاعة بمبلغ خيالي، فستان مستورد، وحجز شهر عسل في الجونة والمالديف. ساعتها بس فهمت لو شريف ناوي يعيش أختي في المستوى ده، يبقى هيضطر يصرف من الفلوس اللي حلف على المصحف قدام المحكمة إنه مبيملكهاش. الفلوس بدأت تنطق وتفضح كدبه. يوم الفرح، ومن ورا العمود، سمعت المأذون بينده عشان التوقيعات. نهى رفعت راسها، عينيها جت في عيني ورا العمود، وبكل شماتة باثت كف إيدها ورمتلي بوسة في الهوا. مكنتش حركة عفوية، دي كانت رقصة انتصار على كل السنين اللي فاتت. مردتش.. ولا اتهز فيا عصب، بس بصيت في ساعة إيدي. أختي كانت فاكرة إنها كسبت كل حاجة وكسرتني، وطليقي افتكر إنه دفن سرقته وشطارته للأبد، وأهلي كانوا متأكدين إني هفضل البنت الغلبانة اللي تتقبل الإهانة وتسكت. محدش فيهم كان واخد باله من الباب اللي اتفتح، ولا من الراجل اللي كان داخل وسط المعازيم بخطوات هادية وبدلة رسمية. وأنا نفسي، مكنتش مصدقة المشهد اللي خلاص كان على بعد ثواني. السكوت اللي نزل فجأة على القاعة مكنش طبيعي، سكوت تقيل يخنق، كأن حد سحب الأكسجين من الصالة في لحظة واحدة. صوت الضحكات والزغاريد اللي كانت مالية المكان اتبخرت، والمزيكا اللي كان ال مشغلها ورا المأذون اتقفلت فجأة بصوت تصفير مزعج خلى كم واحد من المعازيم يحطوا إيديهم على ودانهم. أنا كنت لسه قاعدة مكاني، ساندة ضهري على الكرسي البلاستيك ورا العمود الخرساني. ضلي كان مخفي، بس عيني كانت شايفة كل تفصيلة بتحصل في الكوشة كأنها بتتعرض على شاشة سينما. نهى كانت لسه إيدها اليمين متشعلقة في الهوا، نفس الإيد اللي كانت بتبعتلي بيها بوسة الشماتة من ثواني معدودة. صوابعها اتجمدت، والخاتم الألماز اللي عمت بيه عيون الكل لمع تحت كشاف الإضاءة الأبيض، بس الابتماسة العريضة اللي كانت مرسومة على شفايفها اتمسحت، وحل مكانها تعبير ممسوح، ملامح واحدة اتلخبطت ومش فاهمة إيه الحركة الغريبة اللي عطلت مشهد تتويجها. شريف كان قاعد جنب المأذون، القلم الجاف الفضي لسه بين صوابعه بعد ما مضى على خانة الزوج في الدفتر الكبير. وشه كان فيه توريدة الفرح والانتصار الزايف، ضهره مفرود، ولابس البدلة التوكسيدو الكحلي اللي أنا عارفاها كويس، البدلة اللي كان دايماً يقول إنه هيوفرها لأهم صفقة في حياته. لما لقى الراجل أبو بدلة رمادي وقف فجأة بينه وبين المأذون، حاجب شريف اليمين اترفع بنوع من العجرفة، وبص للراجل من فوق لتحت باستهزاء، كأنه شايف شحات دخل عليه القاعة بالغلط. فيه إيه يا عمنا؟ أنت مين وداخل كده زريبة؟ ما تخرج تقف بره لحد ما نخلص مراسم الفرح! شريف قالها بصوت عالي متعمد، عشان يضحك الناس اللي حواليه ويفرض هيبته قدام نسايبه الجداد. كام واحد من صحابه ضحكوا ضحكة خفيفة ومكتومة، بس الراجل اللي واقف قدامه متهزش فيه شعرة، ولا حتى رمش. ملامحه كانت جامدة زي صخر الجرانيت، وش وظيفي بحت، ملامح حد شاف أشكال وألوان من المماطلين والكدابين لحد ما شبع، ومبقاش يفرق معاه لا بدلة عريس ولا ليلة عمر. الراجل فتح المحفظة الجلد اللي في جيبه الداخلي بهدوء مستفز، طلع كارنيه نحاسي محفور عليه نسر الجمهورية، وفرده قدام وش شريف والمأذون في ثانية واحدة، ورجعه تاني مكانه في صدر الجاكيت محضر تنفيذ قضائي وإخطار نيابة الأموال العامة. شريف عبد المنعم المنشاوي؟ الاسم لما اتقال بالطريقة دي، بالصيغة الجافة الرسمية، كان له مفعول الرصاصة في نص الصالة. أبويا، اللي كان واقف على جنب الكوشة بيعدل في ياقة قميصه وبيبتسم للمعازيم، وشه جاب ألوان، خطواته بقت سريعة ومرتبكة وهو بيقرب من التربيزة خير يا باشا؟ في إيه؟ إحنا ناس محترمين وبنكتب كتاب بنتنا، إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ ده يوم فرح، مفيش احترام لحرمة المناسبة؟ المحضر القضائي حتى مابصش لأبويا، عينه فضلت متسمرة على شريف، اللي القلم في إيده بدأ يتهز هزة خفيفة مكنش عارف يسيطر عليها أستاذ شريف، الإخطار ده يخص الدعوى القضائية المرفوعة بالطعن في الذمة المالية وإخفاء أرصدة بقصد التهرب من أحكام قضائية واجبة النفاذ، وجنحة تقديم مستندات مزورة لجهة قضائية رسمية. المأذون، وكان راجل عجوز دقنه بيضا ولابس قفطان، رفع نضارته الطبية لفوق جبهته، بص للراجل، وبص للدفتر المفتوح قدامه، وبعدين سحب الدفتر بهدوء ناحية صدره، كأنه بينأى بنفسه عن المصيبة اللي بتتشكل قدامه. نهى صوتها طلع أخيرًا، صوت حاد، رفيع، ومخنوق بالغيظ إيه التهريج ده؟! بابا، طلع الراجل ده بره! إنت مين أصلاً عشان تهجم علينا كده؟ كلموا الأمن يا جماعة! أمن القاعة فين؟! إزاي حد يدخل كده في وسط كتب الكتاب؟ اهدي يا مدام. صوت المحضر كان واطي بس رنان، خلى نهى تسكت غصب عنها الأمن شاف الإذن الرسمي بره وسمح بالدخول. الورقة دي تخص العريس، والإجراء ده رسمي بقوة القانون. شريف حاول يبلع ريقه، بس ريقه كان ناشف تماماً. شفته بتتحرك بس مفيش صوت طالع منها لأول ثانية، وبعدين بص للمحضر وابتسم ابتسامة صفرا باهتة، نوع الابتسامات اللي كان بيعملها لما يتزنق في كدبة قدامي زمان يا فندم أكيد فيه تشابه أسماء، تشابه أسماء مش أكتر. أنا لسه مخلص كل قضايا الأحوال الشخصية ومسوي كل أموري، ومعايا أحكام باتة بنفقة بنتي وكل مليم بدفعه بموجب إنذار عرض على يد محضر. الورق اللي معاك ده غلط، غلط خالص. المحضر مسك الدوسيه الورقي اللي في إيده، دوسيه لونه أصفر مقفول بدوبارة بيضا، فك الدوبارة بروقان يحرّق الدم، وطلع ورقة رسمية متدبسة في كشف حساب طويل، متني كذا تانية، ومطبوع عليه شريط فسفوري أحمر. الورقة دي بالذات، أنا كنت عارفاها كويس أوي؛ ده إذن كشف السرية المصرفية الصادر بقرار من النائب العام بناءً على المذكرة اللي نهاد محاميتي اشتغلت عليها تلت شهور متواصلين في محكمة الأسرة والنيابة العامة. المحضر فرد الورقة على التربيزة، بالظبط فوق الخانة الفاضية اللي كانت نهى المفروض تمضي فيها كزوجة بعد شريف. شاور بصباعه على سطر مكتوب بالبنط العريض، وقاله بصوت رخيم سمعه كل اللي واقفين في الدايرة الأولى حوالين الكوشة ست كلمات بس عايزك تقراهم بصوت عالي يا أستاذ شريف.. رد عليا بخصوص الست كلمات دول، وبلاش نكبر الموضوع أكتر من كده قدام المعازيم حساب رقم سبعة، باسم شركة النيل للتوريدات. لما الجملة طلعت من بق المحضر، شريف وشه اتقلب أصفر زي الكركم، وفجأة عرق بارد طفح على جبينه، كأن حد دلق عليه جردل تلج. شركة النيل للتوريدات.. الاسم ده مكنش مجرد اسم تجاري، ده كان الصندوق الأسود بتاع شريف. الاسم اللي قعد خمس سنين يأسسه في الدرى، باسم حد من قرايبه الصوريين، عشان يحول عليه نص مستخلصات التكييفات المركزية اللي كان بيعملها لمولات التجمع والشيخ زايد. الشركة اللي يوم ما قعدنا في مكتب التسوية في محكمة الأسرة، حلف قدام الخبير وقدام ربنا إنه ميعرفش عنها حاجة، وإنها مجرد شركة منافسة بتاكل عيشه في السوق، وإنه بيخسر ومبيطلعلوش في الشهر أكتر من اتناشر ألف جنيه بيصفوا بعد مصاريف العمال والإيجار، وإن حتى الألفين جنيه بتوع نفقة بنته فريدة بيستلفهم من طوب الأرض! شريف حاول يمد إيده عشان ياخد الورقة من على التربيزة، بس صوابعه كانت مرتعشة بطريقة واضحة جداً للمعازيم اللي بدؤوا يقربوا أكتر ويتساسروا. نهى بصت للورقة، وبصت لوش شريف، وابتدت إيه الورقة دي؟ إيه الكلام ده يا شريف؟ أنت مش قولتلي إنك خلصت كل حاجة مع مريم ومبقاش في أي قواضي ولا مشاكل؟ شريف ماردش عليها. كان باصص في الورقة، عينه بتجري بين الأرقام. المبالغ اللي كانت مرصودة في الكشف الملحق مكنتش أرقام عادية.. ملايين. أرباح سنين، تحويلات بالدولار وبالجنيه، شيكات مقبولة الدفع، وكلها كانت بتتحرك في حسابات متجمدة من يومين بس بأمر تحفظ رسمي. أمي هنا مقدرتش تمسك نفسها، دخلت في النص وزقت كتف شريف بخفة وهي بتزعق ما تنطق يا بني آدم! إيه الفضايح دي في وسط الناس؟! المعازيم بيتفرجوا علينا! أنت جايب لنا مصيبة في يوم فرح بنتي؟! وفجأة، وفي وسط الفوضى دي كلها، شريف رفع راسه. عينه مسابتش الورقة وطلعت تدور في القاعة، مكنش بيبص لأمي، ولا لأبويا، ولا حتى لنهى اللي كانت بتعيط عياط هستيري والميكب بتاعها بدأ يسيح على خدودها. عينه قطعت القاعة كلها، وراحت مباشرة على العمود الرخام الضخم اللي في آخر الصالة. عينيه اتقابلت مع عيني. أنا مكنتش بتحرك. فضلت قاعدة مربعة إيدي، لابسة فستاني الأسود البسيط اللي أمي قالتلي البسيه عشان متبانيش في الصور ومتاخديش اللقطة من أختك. بصيتله في عينيه مباشرة بنظرة باردة وهادية ومستقرة، زي بحر ميت مفيش فيه موجة واحدة. الابتسامة المكسورة اللي كنت شايلها طول السنين اللي فاتت اتبدلت بنظرة شخص قاعد بيتفرج على لعبة الشطرنج وهي بتنتهي ب كش ملك متوقعة ومحسوبة بالمللي. شريف فتح بقه، وأول كلمة طلعت منه كانت اسمي مريم… الكلمة دي لفتت نظر الصالة كلها. نهى لفت وشها بسرعة ناحية العمود، وأمي لفت، وأبويا اتسمر مكانه. أنا قمت من مكاني بهدوء شديد. صوت كعبي على الأرضية الرخام كان هو الصوت الوحيد المسموع، خطوات رتيبة، منتظمة، مفيهاش أي تردد. مشيت من ورا العمود، وطلعت لنص الممر الطويل المفروش بالورد الأبيض والريش اللي كانت أختي متباهية بيه، الممر اللي كنت ممنوعة أمشي عليه عشان مكسرش فرحة العروسة. بنتي فريدة كانت واقفة على جنب، ماسكة سبت الورد الأوف وايت ومرعوبة، عنيها متعلقة بيا. أول ما قربت منها، مسحت على شعرها بحنية، ومديت إيدي ليها تعالي يا فريدة، هاتي إيدك يا حبيبتي. فريدة سابت سبت الورد يقع على الأرض، الورد اتنثر تحت رجليا، ومسكت في إيدي وجريت استخبت ورا ضهري. نهى شافت المنظر، وصرخت فيا بانهيار إنتي؟! إنتي اللي ورا المصيبة دي يا مريم؟! أنتي غيرانة مني؟! جاية تخربي فرحتي عشان شريف اختارني أنا وسابك أنتي بعد العمر ده كله؟! أنتي مش قادرة تشوفي أختك مبسوطة؟! أمي قربت مني وهي بتنهج، عينيها بتطق شرار، رفعت صباعها في وشي كعادتها من وإحنا أطفال أنتي إيه يا شيخة؟ إيه السواد والغل اللي مالي قلبك ده؟! أنتي مش أخت، أنتي عقربة! تبيعي أختك الصغيرة وتفضحيها قدام نسايبها والمعازيم عشان حتة ورقة؟ مكنش عشمي فيكي كده! طول عمرك أنانية وبتبصي للنعمة اللي في إيد غيرك! أبويا كان وراها، وشه كان مكسور، بس عينه فيها خذلان، قالي بصوت مرتعش ليه يا مريم؟ ده أنا جيتلك بنفسي وقولتلك راعي خاطر أبوكي وأمك ومتبوظيش الليلة.. تعملي فينا كده قدام الناس؟ الفضايح دي مش هتتلم! أنا وقفت في نص الكوشة، قدامهم كلهم. بصيت لأمي، وبعدين بصيت لأبويا، وآخر نظرة كانت لنهى، اللي كانت بتبصلي بغل مخلوط بدموع ذل حقيقي. سواد؟ غل؟ رديت عليهم بنبرة هادية جداً، مفيهاش ذرة انفعال واحدة السواد ده هو الفلوس اللي بنتك المحترمة كانت بتتباها بيها من الصبح. الخاتم اللي في إيدها، والفستان اللي مستورداه من برة، والقاعة اللي دافعين فيها دم قلبهم، وشهر العسل اللي في المالديف.. ده كله مش بفلوس شريف، دي فلوس بنتي فريدة. الفلوس اللي حلف قدام القاضي إنه مبيملكهاش عشان يديني ألفين جنيه نفقة لبنته ميكفوش تمن كتب مدرستها ومصاريف علاجها! شريف حاول يصرخ، بس صوته طلع مخنوق ومتحشرج إنتي مجنونة! الورق ده مزور! أنتي بتلفقيلي تهمة عشان تنتقمي مني! أنتي مريضة نفسياً! المحضر القضائي اتدخل بصرامة، وحط إيده على كتف شريف بثقل التزم الأدب يا أستاذ وصوتك ميعلاش. النيابة أصدرت قرارها بناءً على تقرير الخبراء وتحريات مباحث الأموال العامة اللي استمرت أكتر من ست شهور. وأنت مطلوب رسمياً بكرة الساعة تسعة صباحاً في سراي نيابة الشؤون المالية والتجارية للتحقيق، ومعاك أمر منع من السفر ساري من ساعة واحدة بس، والتحفظ على كافة أموالك وأرصدتك العقارية والنقدية وشركاتك، بما فيها شركة النيل وشركة التكييفات، لحد ما يتم الفصل في رد المبالغ المهربة ودفع الغرامات والتعويضات المدنية المؤقتة. الجملة نزلت زي المرزبة على دماغ شريف. قعد على الكرسي بتاعه كأنه اتقطم نصين. وشه دفنه بين كفوفه، وبدأ ينهج بصوت مسموع، أنفاس سريعة كأنه هيجيله أزمة قلبية. كل الهيبة، وكل النفخة الكدابة اللي كانت عامية عيون الكل، ادشدشت في دقايق معدودة على بلاط القاعة. نهى بصتله وهو واقع كده، وبصت للورق اللي على التربيزة، وبعدين مسكت دراعه وهزته بعنف، كأنها بتصحي ميت شريف! رد عليا! الحسابات دي فيها كام؟! يعني إيه منع من السفر؟! يعني مفيش مالديف؟! يعني الشقة اللي في التجمع اللي قولتلي هكتبهالك باسمك دي عليها حجز؟ لهوا برة القاعة كان ساقع، بيلسع في الوش زي شفرة حلاقة، بس لأول مرة من سنين أحس إن الهوا ده بيدخل صدري ينضفه من سمّ كان راكد فيه. الشارع اللي قدام بوابة القاعة كان زحمة عربيات بتلف وترجع، كلاكسات متوترة، وأصوات معازيم طالعين يجروا كأنهم بيهربوا من حريقة. تليفونات مشغولة، رنات، وكلهم بيسجلوا فويسات، بيحكوا لأصحابهم وقرايبهم عن الفضيحة اللي حصلت في فرح نهى وشريف. فريدة كانت ماسكة في إيدي اليمين بكل عزمها، صوابعها الصغيرة متلجة، وراسها مرفوعة بتبصلي بعيون فيها خوف طفولي بس فيها برضه نوع من الراحة الغريبة ماما.. إحنا خلاص مش هنرجع هناك تاني؟ وطيت على ركبتي، نزلت لمستوى طولها، مسحت بإيدي التانية على خدها الناعم، وشيلت خصلة شعر شاردة نزلت على جبينها من التوكة الأوف وايت لأ يا قلب ماما. إحنا خلصنا خلاص. اللي جوة ده مكانش مكاننا من الأول. أجرت تاكسي من قدام البوابة. ركبنا ورا، وفريدة سندت راسها على كتفي وغفت من كتر التعب والتوتر، وسبت الورد كان واقع في الصالة ورا، خلاص اتبخر ومبقاش له وجود. وأنا باصة من شباك التاكسي على أعمدة النور في شارع التسعين اللي بتجري لورا، تليفوني في الشنطة مبطلش زن. شاشة التليفون كانت بتنور وتطفي باسم ماما، وبعدها مكالمة من بابا، وبعدها رسائل واتساب بتهديدات صريحة من أرقام قرايب عمري ما سمعت صوتهم إلا في المواسم إنتي إزاي تعملي كده في أختك؟، مش مسامحينك ليوم الدين، فضحتونا وخليتوا سيرتنا على كل لسان. قفلت الشاشة بزرار الباور، وحطيت التليفون على وضع الصامت، ورجعته جوا الشنطة. السكوت اللي في قلبي كان أقوى من دوشة الدنيا كلها. وصلنا شقتي الصغيرة في مدينة نصر. الشقة دي اللي أجرتها بعد الطلاق، شقة على قدنا، بس كانت بتتنفس كرامة. غيرت لفريدة هدوم الفرح، لبستها بيجامتها القطن، ودخلتها سريرها وغطيتها. وقفت عند باب أوضتها دقيقة واحدة، بتفرج على صدرها وهو بيعلو ويهبط بهدوء، طفلة بريئة كانت هتدفع تمن جشع وطمع ناس مبيشبعوش. قعدت على ترابيزة السفرة في الصالة، فتحت اللاب توب، ومسكت الأجندة الخضراء الصغيرة اللي رافقتني 18 شهر. الورق كان متبهدل ومكتوب فيه تفاصيل لا يمكن تخطر على بال مخلوق. الأرقام كانت رصّاص حقيقي، مسألة حسابات مقفولة بالمللي. الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل لما التليفون نور برقم أستاذة نهاد المحامية. فتحت الخط ألو.. يا نهاد. صوت نهاد جه من الناحية التانية، نبرتها كانت واثقة وهادية زي عوايدها مريم؟ وصلتي البيت؟ أيوة، فريدة نامت وأنا قاعدة مستنياكي. كل حاجة مشيت بالمللي زي ما رسمنا وأحسن. المحضر سلم الإخطار الرسمي قدام الشهود، والنيابة العامة الصبح الساعة تسعة هتكون أول محطة. بس عايزة أقولك على حاجة.. شريف مش هيسكت، ومامتك وباباكي قالبين الدنيا عند باب القاعة، ونهى جالها انهيار عصبي ونقلوها على المستشفى الجوي. غمضت عيني ورديت ببرود نهى مش عيانة يا نهاد.. نهى مكسورة عشان اللقطة ضاعت، والفلوس اللي كانت بتتباها بيها طلعت وهم وحبال دايبة. نتقابل الصبح قدام المحكمة. الصبح طلع بريحة تراب القاهرة وسقوعية الفجر. لبست بدلة كلاسيك كحلي بسيطة، رفعت شعري لفوق، وأخدت فريدة وديتها عند جارتي أم أحمد، الست الطيبة اللي ربتني واعتبرتني بنتها. قولت لفريدة إني ورايا مشوار شغل وراجعة، وبوستها ونزلت. قدام مجمع المحاكم ونيابة الشؤون المالية والتجارية، الجو كان زحمة، ناس رايحة وناس جاية، محامين شايلين روبات سودة ودوسيهات تقيلة. نهاد كانت واقفة مستنياني على السلم، شياكتها ووقفتها كانت تديكي إحساس بالأمان؛ ست تفهم القانون وتعرف إزاي تضرب ضربتها في الوقت الصح وبدون رحمة للمزورين. جاهزة؟ نهاد سألتني وهي بتبص في عيني. أنا بقالي سنة ونص مستنية اللحظة دي. دخلنا ممر النيابة. على الكراسي الجلد المقطعة اللي قدام أوضة وكيل النيابة، كان المشهد كفيل يلخص الدنيا كلها. شريف كان قاعد، منكمش على نفسه بطريقة غريبة. البدلة التوكسيدو الكحلي كانت لسه عليه بس مبهدلة، القميص مفتوح منه زرارين، والكرافتة مفكوكة ومتدلية، وشعره منكوش، وعينيه حمرة دم كأنه منامش بقاله أسبوع. جنبه كان قاعد محاميه، راجل كبير في السن ماسك سيجارة بيولعها ومقلق، وقدامهم كان واقف أبويا وأمي. أول ما أمي شافتني داخلة الممر، عينيها وسعت من الغل، وقامت جارية عليا زي الطور الهايج، صوت كعبها كان بيطرق في الممر الفاضي، ورفعت إيدها كانت ناوية تضربني بالقلم يا فاجرة! جاية تكملي مسرحيتك؟! قبل ما إيدها تلمس وشي، نهاد المحامية وقفت حاجز في النص ومسكت إيد أمي بقوة وبنبرة صارمة هزت الممر إيدك متتمدش هنا يا ست إنتي! إحنا في سراي النيابة، حركة واحدة زيادة وهعملك محضر تعدي وإهانة هيخليكي تباتي في الحجز الليلة دي، اعقلي واعرفي إنتي واقفة فين! أمي وقفت مسمرة، صدرها بيعلى ويهبط، وعينيها بتطق شرار، بصتلي وقالت بصوت مفحوح بالسم أختك في المستشفى بسببك! حاطين لها محاليل ومنهارة! شمتي الناس فينا، بقى أهل منطقتنا كلهم ملهومش سيرة غيرنا! ده أنتي ياريتني ما ربيتك، ياريتني موتك في بطني قبل ما أشوف اليوم ده! بصيت لأمي، ومردتش بكلمة واحدة. كنت شايفة قدامي ست معرفهاش، ست فضلت طول عمرها تدوس على ضنا عشان تلمع ضنا تاني، ودلوقتي لما لمعتها طلعت فالصو، جاية تفرغ سمها أبويا قرب بخطوات تقيلة، راجل اتكسر في ليلة واحدة، دقنه البيضا كان باين عليها الإهمال، حط إيده على كتف أمي ورجعها لورا، وبصلي بصوت رايح ليه يا بنتي بس كده؟ لو ليكي حق كنتي جيتيلي.. كنا قعدنا قعدة رجالة وأخدتلك حقك من شريف، مكنش العشم تفضحينا قدام الغريب والقريب بالشكل ده! ابتسمت بسخرية وقولتله قعدة رجالة يا بابا؟ فين الرجولة دي لما جه قعد في بيتك وطلب إيد نهى بعد طلاقي بشهور؟ فين الأصول لما كنت باجي اشتكيلك إن شريف بيبعتلي ألفين جنيه مبيدفعوش تمن علاج حساسية صدر بنتي، وكنت تقولي امشي على قدك يا مريم وظروف الراجل صعبة؟ ولا ظروف الراجل بقت حلوة فجأة لما دخل يطلب بنتك المدلعة؟ إنتوا مكنتوش شايفيني بني آدمة أصلاً، كنتوا شايفيني مجرد ظل لازم يختفي عشان شمس نهى تطلع. الباب بتاع أوضة التحقيق اتفتح، وخرج الساعي بصوته الأجش قضية شريف عبد المنعم المنشاوي، يتفضل الأستاذ ومحاميه، والمدعية مريم فاروق ومحاميتها! دخلنا الأوضة. وكيل النيابة كان شاب ثلاثيني، وشه صارم، لابس نضارة طبية رقيقة، وقدامه أكوام من الملفات. شريف دخل ودخل وراه محاميه وهو بيترعش. قعدنا على الكراسي قدام المكتب. وكيل النيابة بص في الورق اللي قدامه، ورفع عينه لشريف شريف عبد المنعم المنشاوي؟ شريف بلع ريقه وصوته طلع مبحوح أيوه يا فندم. النيابة بتوجهلك تهمة التهرب من تنفيذ أحكام قضائية صادرة من محكمة الأسرة، وتقديم إقرارات ذمة مالية مزورة تفيد بامتلاكك لحساب بنكي واحد فقط، في حين إن تحريات مباحث الأموال العامة وتقرير وحدة غسيل الأموال والرقابة على الحسابات المصرفية أثبتت وجود حساب بنكي برقم سبعة في بنك الاستثمار العربي مقيد باسم شركة النيل للتوريدات العامة، وأثبتت التحريات إنك المالك والمستفيد الفعلي والوحيد من هذا الحساب عبر وكالة عامة وتفويض رسمي من المسجل صورياً باسمه. الرصيد في الحساب ده تجاوز خمسة وتلاتين مليون جنيه خلال تلات سنين اللي فاتوا، وكان فيه حركة سحب وتحويلات بمبالغ ضخمة تمت في الأيام الأخيرة قبل زواجك الثاني. إيه قولك في الكلام ده؟ محامي شريف اتنحنح وحاول يتدخل يا فندم، موكلي شريك فقط في هذه الشركة، والأموال دي ليست ملكية خاصة خالصة له بل تخص نشاط تجاري قائم، والادعاءات المقدمة من طليقته ما هي إلا كيد نساء بسبب زواجه من شقيقتها وكيل النيابة خبط بالقلم على المكتب بحزم لما أسألك يا أستاذ ترد.. أنا بسأل المتهم شخصياً! أستاذ شريف، العقد المرفق في أوراق القضية، واللي بيمتلك بموجبه حساب النيل، ده توقيعك ولا لأ؟ شريف وشه بهت تماماً، ومقدرش ينطق. نهاد قامت وقفت، وطلعت من الشنطة ملف بلاستيك أزرق وحطته قدام وكيل النيابة سيادة الرئيس، بنقدم لعدالتكم صورة طبق الأصل من عقود التوريد اللي وقعها المتهم بنفسه مع خمس شركات كبرى لمولات في القاهرة الجديدة والشيخ زايد، العقود دي كانت بتنص صراحة على إن الدفعات المالية بتتحول مباشرة للحساب المذكور، وكمان بنقدم كشف حساب بفيزا كارت صادرة من نفس الحساب، تم استخدامها في حجز صالة الأفراح، وشراء شبكة ألماز من محل مجوهرات شهير في مصر الجديدة بمبلغ مليون وثمانمائة ألف جنيه قبل أسبوعين من الواقعة، في الوقت اللي بيقدم فيه شهادات فقر للمحكمة ويدعي إنه غير قادر على دفع نفقة بنته البالغة ألفين جنيه شهرياً. وكيل النيابة بص في الورق، وبص لشريف بنظرة احتقار واضحة مليون و ألف شبكة، وبنتك مش لاقية تاكل؟ ده كلام ده يا راجل؟ شريف انهار، صوته بدأ يتقطع بالدموع يا فندم أنا غلطت.. أنا كنت بحمي شقايا، مريم كانت طمعانة وعايزة تاخد نص الشركة اللي أنا بنيتها بدم قلبي! أنا مستعد أسوي كل حاجة، مستعد أدفع كل الفلوس اللي هي عايزاها، بس بلاش حبس، بلاش أتحبس وتضيع سمعتي في السوق! نهاد ردت ببرود قاتل الصلح ده كان زمان يا أستاذ شريف.. إحنا هنا مش في قضية نفقة عادية، إحنا قدام تهمة تزوير واستعمال محررات رسمية مزورة أمام القضاء، وده حق عام للدولة وحق خاص لموكلتي وبنتها. وكيل النيابة كتب كلمتين في المحضر، وبعدين بص لأمين الشرطة اللي واقف على الباب حرز المستندات دي.. ويُحجز المتهم شريف عبد المنعم المنشاوي أربعة وعشرين ساعة على ذمة تحريات المباحث، مع تجديد حبسه لحين ورود تقرير الخبراء النهائي، ويُخطر البنك المركزي بالتحفظ الفوري على كافة أمواله المنقولة والسائلة والعقارية، وتعيين حارس قضائي على شركاته لضمان حقوق الصغار والدائنين. أول ما أمين الشرطة حط الكلبشات في إيد شريف، صوت التكة بتاعة الحديد على معصمه كانت زي صدمة كهربا ضربت الكل. شريف صرخ بصوت عالي مريم! عشان خاطر بنتنا! متعمليش فيا كده! قولي كلمة يا مريم! بصيتله للمرة الأخيرة، مكنتش حاسة بأي شماتة، كنت حاسة بس بشيء غريب.. كأن الراجل ده عمري ما شوفته، كأنه سراب واختفى من حياتي للأبد بنتك دي يا شريف، هي اللي كنت بتسرق أكل عيشها عشان تشتري بيه رضا غيرك. اللي عملته ده بإيدك، والقانون هو اللي هياخد حقها منك. خرجنا من أوضة النيابة. أمي وأبويا كانوا واقفين مستنيين برة. أول ما شافوا شريف متكلبش وفي إيده الحديد وأمين الشرطة جاره من دراعه ونازل بيه على الحجز، أمي دكة خشب في الممر، حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مكتوم وكتفه بيتهز، دموع راجل فهم متأخر إنه ضيع بيته وكرامته عشان يرضي غرور كداب. أنا مشيت في الممر، خطوتي كانت ثابتة، مفيهاش ذرة ندم. نهاد مشيت جنبي وطبطبت على ضهري خلاص يا مريم، القضية اتقفلت. الحجز القضائي هيضمنلك متجمد النفقة بالكامل من الحسابات دي، غير نصيب فريدة المحفوظ بحكم القانون، وشريف هيدفع تمن كدبه سنين في المحاكم. شكراً يا نهاد.. شكراً إنك صدقتيني لما الكل قالي أنتي بتتوهمي. أنا مصدقتش كلامك.. أنا صدقت الأرقام، والأرقام عمرها ما بتكدب. رجعت على بيتي في مدينة نصر. لما فتحت الباب، فريدة جرت عليا وحضنتني ماما! اتأخرتي ليه؟ شيلتها وضميتها لحضني جامد، شميت ريحة شعرها، وحسيت إن نبض قلبها بيهديني خلاص يا روح ماما، أنا رجعت، ومش هسيبك تاني أبداً، وكل حاجة هتبقى كويسة من هنا ورايح. الشهور اللي بعد كده عدت بسرعة وببطء في نفس الوقت. نهى مقدرتش تستحمل الفضيحة في المنطقة ولا وسط صحابها. الفرح اللي كان المفروض يبقى حديث الموسم اتقلب لكابوس، الخطوبة اتفسخت رسمياً في المحاكم، والشبكة الألماز اتحرزت ضمن ممتلكات شريف المحجوز عليها قانوناً، لأنها اتسددت من فلوس مهربة ومتحفظ عليها. سمعت بعدين إنها دخلت في حالة عزلة، مبقتش تخرج من البيت، وفقدت كل الشلل التافهة اللي كانت بتتباها قدامهم. أمي وأبويا حاولوا يتواصلوا معايا أكتر من مرة، بعتوا رسايل، وأبويا جه وقف تحت العمارة عايز يشوف فريدة وطلب مني أسامحه. مقفلتش الباب في وشه تماماً عشان صلة الرحم وعشان هو في الأول والآخر جد بنتي، بس الحدود اترسمت بخرسانة مسلحة؛ مفيش عشم، مفيش تدخل في حياتي، ومفيش كلمة زيادة يقدروا يقولوها عليا. فهموا إن البنت الغلبانة اللي كانت بتقعد في ركن الضلمة وتاكل في نفسها عشان متزعلش حد، ماتت واندفنت في الليلة المشؤومة ورا عمود القاعة. أما شريف، فالمحكمة أصدرت حكمها ضده بحبسه سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة التزوير واستعمال أوراق مزورة للنصب والتهرب من أحكام قضائية، وتغريمه مبالغ ضخمة، غير إن الحارس القضائي صفي جزء من الشركة وسدد كل متجمد نفقة فريدة بمبلغ محترم اتحط في حساب توفير مقفول باسمها في البنك تحت وصايتي أنا، وميفتحهوش غيرها لما تكمل سن الرشد. بعد سنة كاملة من اليوم ده، كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة في المعادي. شقة واسعة، بتطل على حتة خضرة وشجر عالي، الشمس داخلة مالية الصالة من كل حتة. فريدة كانت قاعدة على سجادة الصالة بتلون في كراسة الرسم وتضحك مع صاحبتها في المدرسة. مسكت الأجندة الخضراء الصغيرة اللي في إيدي. كانت مليانة أرقام وحسابات، وتواريخ، وملاحظات، وألم سنة ونص. قربت من المطبخ، ولعت عين البوتاجاز الصغيرة، ومسكت أول طرف من الأجندة وقربته من النار. النار مسكت في الورق وبدأت تاكل الأرقام بهدوء. رميت الأجندة في طاسة قديمة، ووقفت أتفرج على الدخان وهو بيتصاعد، بيحرق كل ذكريات القهر، والظلم، وحسابات الماضي اللي اتسدت كلها بالمليم، قرش بينطح قرش. الرماد طار في الهوا، والشمس ملّت وشي بنور دافي. بصيت لفريدة وابتسمت، وقولت لنفسي بصوت عالي سمعه قلبي بس الحساب خلص، والصفحة اتقفلت.. ودلوقتي بس، نقدر