كنت بشتغل ١
نورهان كانت دايمًا تقول جملة واحدة حافظاها عن ظهر قلب البحر ملوش أمان، ومبيسامحش اللي يفتري عليه. بقالها اتناشر سنة ماسكة ورشة صغيرة لتصليح مواتير المراكب على أطراف المكس في إسكندرية، وخدت على إن شغلها كله يبدأ لما الدنيا تنام والبلد تهدا. كانت حافظة صوت خشب السقالة وهو بيزيق، وعارفة أماكن الصخور الغدارة تحت المية، ومن مجرد سحبة الموتور كانت تعرف مين من الصيادين راجع على البر ومين لسه عافر في الغريق.
الليلة دي بالذات كانت هادية بزيادة، لحد ما جت الساعة اتنين بعد نص الليل، ورجّ المينا صوت انفجار مفزع هدّ سكون البحر.
طلعت نورهان تجري بره الورشة، وشافت على بُعد كام متر بس من الشط طيارة هليكوبتر خاصة نازلة في المية برزعة عنيفة. جسم الطيارة اتقسم نصين، نص غرق في ثواني، والنص التاني كان الجاز والع نار حواليه فوق وش المية.
برقت نورهان وهي بتهمس لنفسها برعب يا نهار مش فايت أكيد في حد جوه!
محسبتهاش ولا استنت نجدة ولا خفر سواحل. خطفت كشاف كبير، لبست لايف جاكيت، ورمت نفسها في المية الساقعة بتعوم بكل قوتها. في دقايق كانت واصلة لحطام الطيارة السايح في المية، وسمعت صوت أنين خافت طالع من جوه الكابينة.
كان راجل متدمر، غرقان في دمه وفاقد الوعي، ونَفَسه طالع بالعافية.
مسكت كتفه وهزته يا أستاذ! سامعني؟ أوعى تغمض عينك! هطلعك من هنا، بس لازم تسند معايا!
فتح عينه بصعوبة وهو بيغمغم بصوت مش طالع مش مش قادر أتحرك.
ردت عليه بحزم هتتحرك معايا غصب عنك، إحنا هنا يا نموت سوا يا نعيش سوا، مفيش حل تالت!
بمعافرة تهد الحيل، نورهان سحبته وطلعت بيه من قلب الحطام وعامت بيه لحد ما وصلوا لشط الورشة. سحبته لجوه، كتمت النزيف، طهرت جرح غويط في دماغه، وربطتله دماغه بشاش طبي ومفارقتش جنبه ثانية لحد الفجر.
أول ما فاق وفتح عينه بالكامل، فضل باصص لسقف الورشة ولنورهان كتير، كأنه مش مستوعب هو إزاي لسه بيتنفس وعلى قيد الحياة.
سألته نورهان اسمك إيه؟
رد بصوت واطي ومجهد أدهم الكردي.
نورهان اتسمرت مكانها. الاسم ده مش غريب عليها خالص؛ عيلة الكردي من أكبر حيتان المقاولات، وأصحاب شركات واستيراد وتصدير في المينا، بس دايمًا كان بيدور حواليهم كلام تقيل ومشبوه في السوق ومحدش كان يقدر يقربلهم.
بصتله بقلق وسألته بهدوء أنت من عيلة الكردي بتاعة إسكندرية؟
بصلها أدهم بملامح جامدة ونبرة تخوّف نصيحة مني، بلاش تعرفي إجابة السؤال ده عشان سلامتك.
لسه نورهان هتنطق وتفهم إيه الحكاية، سمعت صوت العربيات بيهز الشارع الترابي اللي بره الورشة. في ثواني، وقفت خمس عربيات جيب سودا مظللة فاميه قفلوا مدخل المكان كله.
اتعدل أدهم في قعدته بعنف وهو ماسك جنبه من الوجع اطفي النور حالا! نور الورشة والصالة، بسرعة!
سألته وهي قلبها هيقف من الخوف مين دول؟!
دول ناس مكانش المفروض يعرفوا إني لسه عايش.
نورهان حست بتلج نزل على ضهرها، وقالت بصوت مرتعش هو إيه اللي حصل للطيارة بالظبط؟
بص أدهم للشباك المكسور وهو عينه بتطلع شرار الطيارة اتلعب في أجهزتها عشان تقع هنا واللي عملها خلاص وصله خبر إني لسه على وش الدنيا.
وفي لحظة، نزل هبد مرعب على باب الصالة البراني. الباب اترج رجة عنيفة، وقبل ما نورهان تصرخ، الباب طار من مكانه ودخل على الورشة بصوت كسر يفجع.
أدهم لف بسرعة ووقف متأهب وهو ضامم إيده بس المفاجأة إن اللي كانوا واقفين على الباب مطلعوش خالص الناس اللي هو كان مستنيهم! واللي حصل بعدها شل تفكيرهم هما الاتنين.
الفصل الثاني عفرة البحر ورصاص الغدر
غبار الخشب المكسور ملا الصالة، وريحة البارود والتراب اختلطت بريحة الجاز والملح اللي معبية الورشة من سنين. الباب الخشب التقيل، اللي كان متثبت بمسامير صلب من أيام المرحوم أبو نورهان، اترمى على الأرض كأنه كرتونة اتداست بجزمة.
أدهم كان شادد جسمه كله، عضلات دراعاته متصلبة وعروق رقبته نافرة، وإيده اليمين متشنجة كأنه بيدور على سلاح مش في جيبه. كان مستني يشوف وشوش القتلة المأجورين، العصابة اللي متعود يشوفهم في الصفقات المشبوهة، أو يمكن رجالة من بيت الجبالي اللي بينافسوهم على خطوط الملاحة في البحر الأحمر والمتوسط.
بس لما الدخان خف شوية، والضوء بتاع كشافات العربيات الجيب ضرب جوه الصالة وعمى العينين، أدهم اتسمر مكانه. شفايفه نشفت، وعينيه وسعت برعب مكنش رعب من الموت، ده كان رعب من الغدر اللي بيجي من أقرب الناس.
اللي كان واقف في صدر الباب، لابس بدلة كحلي متفصلة على المقاس ومعطف كشمير أسود ميليقش بأجواء المكس الرطبة، كان طارق الكردي.. ابن عمه، وذراعه اليمين، والراجل اللي كان نايم في عيلته وبيشاركه اللقمة والسر.
طارق كان واقف، شادد ضهره، وفي إيده مسدس بكاتم صوت بيلمع تحت كشافات العربيات، وعلى وشه ابتسامة صفرا، باردة كأنها تلج، ابتسامة واحد راح يعزي في جنازة ولقى الميت بيتنفس قدامه.
ورا طارق، كان في أربعة رجالة ضخام ملثمين، لابسين سترات واقية وماسكين أسلحة آلية خفيفة، عيونهم مفيهاش أي رحمة، متدربين على القتل بنظرة عين.
يا محاسن الصدف.. طارق نطق الكلمة بنبرة هادية مستفزة، وهو بيميل راسه يمين وشمال، وبيبص لأدهم كأنه بيعاين بضاعة تالفة سبع أرواح يا ابن الكردي؟ البحر بكل غشامته ملعفكش؟ الطيارة تنزل تتقسم نصين، والطيار يسيح في الجاز، وأنت تطلع تقف على رجلك هنا؟ حقيقي جينات عيلة الكردي متعبة.. مبتعرفش تموت بالساهل.
أدهم نفسه كان بيطلع بصوت مسموع، وجرح راسه بدأ ينزف تاني من العصبية، ونقط الدم نزلت على خده طارق؟.. أنت اللي لعبت في طلمبة البنزين بتاعة الطيارة؟ أنت اللي بايعني لحساب مين يا ابن عمي؟
طارق ضحك ضحكة قصيرة واطية، وقرب خطوتين جوه الصالة وهو بيدوس بجزمته الجلد اللامعة على خشب الباب المكسور لحساب نفسي يا حبيبي.. لحساب مين يعني؟ هو الكرسي بتاع العيلة ده يساع اتنين؟ بقالك عشر سنين مسيطر على المينا، وعقود التوريد، ومقاولات الرصيف الجديد، وأنا شغال وراك زي خيال المآتة.. كان لازم الطيارة تقع في الغريق وميطلعلكش جثة، عشان الورث يتقفل، والتوكيلات تتنقل، والاسم يفضل نضيف.. بس للأسف، دايماً حظك بيخليني أتعب زيادة عشان أخلص شغلي.
في اللحظة دي، طارق لمح نورهان.
كانت واقفة ورا أدهم بنص خطوة، إيديها الاتنين مشمرين، متبهدلة شحم وبحر، وعينيها واسعة بس مفيهاش ذرة خوف عادية؛ كان فيها غضب بكر، غضب ولاد البلد اللي بيشوفوا حد دخل بيتهم من غير إذن وكسر حرمة المكان.
طارق بصلها باحتقار مقزز، من فوق لتحت ومين البلية دي كمان؟ الأسطى اللي بتصلحلك عطل الطيارة؟ شكلك وقعت في خرابة يا ابن عمي.. يلا، مش مشكلة، كدة كدة مكنش ينفع نسيب شهود ورانا في المكس. رصاصة ليكي ورصاصة ليه، والبحر يبلع الاتنين ويتقال حادثة صيد بالديناميت.
أدهم حس بجسمه بيغلي، خطى خطوة لقدام، حط نفسه حيطة سد بين طارق وبين نورهان، وصوته رج المكان رغم الضعف اللي فيه طارق! حسابك معايا أنا. البنت دي ملهاش ذنب، دي صيادة غلبانة لقتني برمي في المية وطلعتني.. طلعها برة