كنت بشتغل ١

لمحة نيوز

الحسبة وأنا معاك، اخلص مني وسيبها تعيش.
نورهان بصت لضهر أدهم العريض، وشافت عضلات كتفه بتترعش من الألم والنزيف، بس مكنش متراجع سنتيمتر واحد.. كان بيحميها بجسمه وهو مش قادر يصلب طوله أصلاً.
في ثانية واحدة، عدت في دماغ نورهان ألف فكرة وفكرة. الراجل ده غريب عنها، لسه شايلاه من الموت من ساعتين، ورطهالها في مصيبة سودة وعربيات وسلاح، بس في نفس الوقت.. وقف راجل وحاول يفديها بروحه قدام لحمه ودمه اللي جاي يقتله.
وهنا.. بنت المكس مبتقفش تتفرج.
قبل ما طارق يرفع إيده بالمسدس، وقبل ما أدهم يحاول يتهور ويترمي عليه، نورهان مدت إيدها من ورا ضهر أدهم بسرعة البرق، وسحبت من جيب العفريتة مفتاح فرنساوي مقاس 40 تقيل، حديد صلب بيوزن ييجي تلاتة كيلو، ورزعته بكل غلها مش في وش طارق.. بل في لمبة الغاز الكبيرة اللي كانت معلقة في سقف الصالة وبتغذيها خرطوم غاز طبيعي صغير متوصل بأسطوانة تسخين اللحام.
الصوت كان انفجار مكتوم، والخرطوم فلت، ونار زرقا وصوت فحيح غاز ملا المكان في جزء من الثانية.
اطبس في الأرض! صرخت نورهان في ودن أدهم بصوت يهز الجدران.
وفي نفس اللحظة، ركلت برجليها جركن زيت محروق 50 لتر كان مفتوح جنب الباب، فاندلق الزيت الأسود اللزج تحت رجلين طارق ورجالته المسلحين.
الراجل اللي كان على يمين طارق اتزحلق ووقع بكامل ثقله على ضهره وسلاحه طار من إيده، ونورهان مأهدرتش ثانية؛ وطت على الأرض، مسكت أدهم من دراعه السليم وشدته بقوة مش طبيعية واحدة في حجمها تملكها على ورشة المواتير ورا.. بسرررعة!
الرصاص انطلق. صوت كواتم الصوت كان عامل زي زفير الأفاعي تَف.. تَف.. تَف!، والرصاص خرم الدواليب الصاج وكسر قزايز الزيت والسبيرتو، ونار ولعت في الزيت المدلوق عند المدخل وعملت ستارة دخان أسود عمى عيون الكل.
أدهم كان بيتحرك معاها وهو حاسس إن جنبه اليمين بيتقطع، رصاصة طارق عدت جنب ودنه بسنتيمترات، بس عقله كان مشلول من سرعة بديهة البنت دي. مكانتش بتجري زي الضحايا اللي شافهم في حياته؛ كانت بتتحرك في بيتها زي ديب عارف كل شبر فيه، بتستغل العتمة والدخان زي ما تكون بتتنفسهم.
دخلوا ورشة المواتير الداخلية، مكان مقفول بباب حديد جرار، نورهان زقته ورزعته وراهم وحطت فيه جنزير صلب وقفلت بقفل تقيل.
معاكي سلاح هنا؟ أدهم سأل وهو بينهج، ساند ضهره على بنك الشغل، ودمه بيسيل على القميص الأبيض المقطع.
نورهان بصتله، وعينيها بتلمع في ضوء النار اللي جاي من برة سلاح إيه يا باشا؟ أنا ورشة تصليح مواتير صيد مش قسم شرطة! بس عندي اللي أجدع من السلاح.. عندي البحر، وعندي ورشتي.
الباب الحديد اتخبط خبطتين عنيفة برصاص ثقيل، وبدأ يتشوه من برة. رجالة طارق كانوا بيحاولوا يخلعوا القفل أو ينسفوه.
معندناش دقيقة واحدة، أدهم همس وهو بيحاول يمسك مسدس كان خده من الراجل اللي اتزحلق برة، بس إيده كانت بتترعش من الصدمة العصبية ونزيف راسه. طارق مش هيمشي غير وهو متأكد إني اتفحمت.. الباب ده مش هيقعد أكتر من نص دقيقة.
نورهان قربت منه، مسكت وشه بإيديها الاتنين الخشنين اللي فيهم ريحة الشحم والبحر، وبصت في عينيه مباشرة بنظرة ثبتته مكانه اسمعني يا أدهم.. الورشة دي تحتها مجرى مائي معمول عشان ننزل المراكب منه على الملاحات ومنها للبحر المفتوح.. لو استسلمت دلوقتي ودمك هرب منك هنموت إحنا الاتنين. افتح عينك دي وخليك معايا.. هتعرف تعوم ولا هشيلك تاني؟
أدهم بصلها.. وفي وسط الرصاص اللي بيخبط في الحديد، وريحة الحريق، والوجع اللي بيهد جبال، حس بحاجة غريبة بتتحرك جواه. البنت دي مش عادية. ملامحها إسكندرانية أصيلة، بشرتها خمرية صافية واخدة شمس البحر، وعيونها عسلية واسعة مرسومة بحِدة وذكاء، مفيهاش مياعة الستات اللي عرفهم في حياته ولا تصنع الطبقة المخملية. فيها قوة تخلي راجل في أعتى حروبه يقف وراها وهو مطمن.
ابتسم أدهم ابتسامة وجع بس كان فيها إعجاب حقيقي لو شيلتيني تاني كرامتي هتروح في البحر يا أسطى.. وريني المجرى ده وأنا وراكي.
كرامتك دي نلمها لما نطلع سالمين! قالتها بلهجة صارمة، وجرت ناحية أرضية الورشة الخشبية في الزاوية، رفعت غطا خشبي تقيل بمقبض حديد، فبان تحته سرداب ضيق نازل على مية البحر، وصوت المية وهي بتلطش في الصخور كان مسموع وواضح.
في اللحظة دي، القفل بتاع الباب الحديد طار بصوت مفزع، والباب اتفتح نص فتحة.
دخل أول راجل من بتوع طارق، رافع سلاحه الآلي.
أدهم مكنش هيلحق يرفع مسدسه، بس نورهان كانت مجهزة مفاجأة تانية. كانت شادة خرطوم مياه التبريد عالي الضغط المتوصل بطلمبة سحب ديزل شغالة في السرداب، وفتحت المحبس على الآخر.
المية ضربت في وش الراجل بقوة تعادل خبطة عربية، طيرته لورا ورزعته في الحيطة، ونورهان صرخت انزل يا أدهم!
أدهم نط في فتحة المجرى المائي، ونورهان رمت مسدس الشماريخ البحري بتاع الاستغاثة كانت خطفاه من الرف، وولعته ورمته جوة الصالة عشان يعمل كتلة دخان فسفوري وبريق يعمي أي حد يحاول يبص في السرداب، وقفلت الغطا الخشبي وراها ونزلت في المية.
المية كانت ساقعة تلج، بس الأدرينالين كان بيغلي في عروقهم.
تحت الورشة، كان في حوض مائي صغير مربوط فيه قارب صيد خشبي مش كبير، بس تصميمه غريب.. الخشب بتاعه متقوي بفايبر جلاس، وفي ضهره موتور ياماها 250 حصان معدل، شكله ميركبش على مركب بالحجم ده.
إيه ده؟ أدهم سأل وهو بيبلع ريقه وبيسند على حافة القارب بالعافية.
دي الجدعة.. مركبي اللي مسقطالها موتور لانش سريع بمجهودي ومحدش في المينا كلها يقدر يسبقها، نورهان قالتها بفخر وهي بتنط جوة القارب بخفة فهد، وسحبت أدهم من هدومه ورمته في قاع المركب جنب شبك الصيد اتكتم تحت، ومتطلعش حس ولا نفس لحد ما نعدي البواغيز.
أدهم رقد في أرضية المركب، باصص للسما والغيوم اللي مغطية قمر الفجرية. كان جسمه بينبض بالألم، بس عينه مكانتش بتفارق نورهان.
كانت واقفة عند الدفة، شعرها الأسود فلت من الطرحة اللي كانت لافاها، والرياح البحرية بتطيره ورا ضهرها، إيديها ماسكة حبل المارش وشدته شدة واحدة حاسمة. الموتور زمجر زئير مكتوم تحت المية، مروحة الموتور لفت، والمركب اتحركت بانسيابية مرعبة وسط قنوات المكس الضيقة.
وفوق على الشط، كان صوت السراين وعربيات الجيب بيلفوا حوالين ترعة الخندق. طارق كان فهم إنهم هربوا في البحر.
فجأة، ضربت كشافات تلات عربيات جيب من فوق كوبري المكس العالي، ورصدوا حركة المركب في القناة.
أهو هناك! اضربوا على الموتور! صوت طارق جه من فوق، بيصرخ في اللاسلكي بهستيريا.
الرصاص نزل زي المطر على سطح المية، بيعمل فوارغ وطرطشة حوالين القارب، رصاصة خرمت الخشب على بعد سنتيمترات من كتف نورهان، بس هي متهزتش. ولا حتى رمشت.
وطت نص توطية، عينيها مثبتة على مخرج القناة الضيق بين بيوت الصيادين القديمة وصخور السقالة، ولفت الدفة بحركة مفاجئة خلت القارب يميل بزاوية حادة ويختفي تحت كوبري واطي ومظلم العربيات متقدرش تكشفه ولا الرصاص يوصله.
أدهم كان متابع كل حركة بتعملها. الهدوء ده مش طبيعي.. الثبات الانفعالي ده مبيشفهوش غير في أعتى ضباط

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *