كنت بشتغل ١
العمليات الخاصة أو قادة العصابات المخضرمين. مش في بنت عشرينية بتدير ورشة في أطراف إسكندرية.
بتعرفي تمشي في العتمة دي إزاي؟ أدهم سأل بصوت طالع بالعافية، وهو بيحاول يقعد.
نورهان بصت قدامها ومردتش في الأول، لفت المركب بمهارة تفادت بيها شبكة صيد عايمة وصخرة غاطسة كانت كفيلة تشق بطن القارب نصين، وبعدين بصتله نص بصه وقالت بصوت مليان ثقة وهيبة المكس دي شراييني يا ابن الكردي.. أنا حافظة أماكن الصخر اللي تحت المية أكتر ما حافظة ملامح وشي. وطارق بتاعك ده، آخره يمشي في شوارع أسفلت نضيفة.. البحر مبيفتحش سككه للغربان اللي زيه.
المركب خرجت من القناة، وفتحت سرعتها القصوى أول ما شمت ريحة البحر المفتوح. صوت الموتور المعدل كان بيشق الموج بهدير عالي، والمية المالحة كانت بتطرطش على وشوشهم، تغسل الدم والشحم، وتصحيهم من كابوس الموت اللي فات.
بعد نص ساعة من الجري في عرض البحر، والمكس بدأت تبعد وتبقى مجرد أضواء صفرا بهتانة في الخلفية، نورهان هدت السرعة، وميلت بالمركب في ممر مائي ضيق بين حواجز الأمواج القديمة المهجورة عند أطراف الدخيلة، مكان مفيش غير الصيادين العواجيز اللي يعرفوا يدخلوه، وربطت القارب في سقالة خشب متهالكة قدام كشك صيادين قديم مبني من الصاج والخشب المسكوفي، مداري بين تل رملة وصخور عالية.
طفت الموتور. سكون تام نزل على المكان، مفيش غير صوت تلاطم الموج الهادي، وصوت نَفَس أدهم التعبان.
نورهان نزلت من على الدفة، قربت منه في قاع المركب، ومدت إيدها تسنده يلا.. انزل هنا. المكان ده محدش يقدر يوصله بعربيات، ولا حتى اللنشات السريعة تقدر تدخل الممر ده من غير ما تشحط في الرملة.
أدهم حاول يقف، بس رجليه خانته ووقع على ركبه.
نورهان مسكته من تحت باطه بسرعة، وحطت دراعه على كتفها. كان تقيل عليها، وفرق الطول والحجم بينهم واضح، بس هي صلبت عودها ومكنتش عايزة تبان ضعيفة قدامه اسند عليا.. يلا، مش هنسيبك تموت بعد الحفلة دي كلها.
أدهم بص في عينيها القريبة جداً من عينيه. كان شميم ريحتها.. ريحة غريبة، ميكس بين يود البحر، وصابون غسيل عادي، وعطر خفيف جداً، مع عفرة البارود. كان وشها قريب، وشاف في عيونها لأول مرة لمحة قلق إنساني حقيقي، خوف مش على نفسها، خوف عليه هو.
أنا متقل عليكي.. همس أدهم وصوته مبحوح.
اسكت خالص، أنت لو قفلت بؤك هتوفر طاقتك ونخلص، ردت عليه بحدتها المعهودة بس كان في نبرتها حنية مستخبية ورا قناع الجدعنة الإسكندرانية.
دخلوا الكشك المهجور. نورهان نيمته على كنبة خشب قديمة مفروشة بحصيرة وقماش خيامية، وجرت فتحت دولاب صاج صغير وطلعت شمعة وولعتها، وطلعت شنطة إسعافات تانية أقدم من اللي كانت في الورشة، وإزازة بتادين وشاش نضيف.
جت قعدت على الأرض جنبه، ومسكت مقص صغير لازم أقص القميص ده.. الجرح اللي في جنبك شكله فتح تاني من الحركة، وجرح راسك عايز غيار.
أدهم مقالش ولا كلمة، فضل باصص لها وهي بتميل عليه وبتقص القميص بحذر. إيديها، رغم إنها إيدين شقيانة وخشنة من الشغل، كانت لمستها حنينة جداً ومتحفظة، بتتحرك باحترافية كأنها حكيمة صحة.
لما حطت البتادين على الجرح المفتوح في جنبه، أدهم كتم صرخة ألم وعض على شفته السفلية لحد ما جابت دم، وعضلات بطنه اتشنجت.
نورهان وقفت ثانية، بصت لوشه وقالت بصوت هادي وواطي أول مرة يسمعه منها معلش.. عارفة إنه بيحرق، بس لازم ينضف عشان ميتسممش. استحملني دقيقة واحدة.
أدهم رفع عينه وبص في عيونها، وقال وهو بيتنفس بصعوبة أنا شوفت رجالة بشنبات بيصرخوا من رصاصة زي دي.. بس أنا مش حاسس بالوجع قد ما أنا مستغربك.
نورهان وهي بتلف الشاش على وسطه وبتشده بحرفية ومستغربني ليه يا سي أدهم؟ شفتني بقرون؟
أدهم ابتسم برقة غير معتادة على ملامحه الصارمة مستغرب إنك مسبتنيش. أي حد مكانك، لما يشوف خمس عربيات ورصاص بيتضرب وباب بيته بيطير، كان هيقول يا فكيك ويرمي الراجل اللي جايبله المصايب في وشهم وينفد بجلده. أنتي حاربتي، وخططتي، وخرجتيني من قلب الموت مرتين في نفس الليلة.. أنتي مين بالظبط يا نورهان؟
نورهان خلصت ربط الشاش، وربطت العقدة بإحكام خلاه يتأوه بخفة، وبعدين قعدت على عقبها وربعت إيديها، وبصتله بنظرة كلها كبرياء وعزة نفس تخطف القلب
أنا نورهان بنت الريس حسن الصياد، الله يرحمه. أبويا علمني إن البحر ملوش أمان، بس الجدعنة ملهاش بديل. وعلمني إن اللي يدخل بيتك ويستجير بيك، لو طلع منك ميت أو متسلم، متسواش في سوق الرجال بصلة.. حتى لو كنت ست. أنا مش بتاعت جري ولا خوف يا ابن الكردي. اللي يدوس على طرفي أو يكسر بابي، يا أكسر رقبته، يا أخرج من الحكاية وأنا رافعة راسي.
أدهم فضل باصص لها لثواني طويلة، الصمت كان سيد الموقف، والضوء بتاع الشمعة كان بيترقص على ملامح وشها، يرسم خطوط قوتها وجمالها الطبيعي اللي ملوش علاقة بجمال بنات الحفلات والنوادي اللي كان بيسهر معاهم في القاهرة وبيروت.
البنت دي كان فيها سحر مختلف، سحر الأرض والملح والحديد، سحر القوة اللي تجبر أي راجل مهما كانت سطوته ونفوذه إنه ينحني قدامها باحترام.
أدهم حس بحاجة بتدق في صدره مش بس من أثر التعب، حس بانجذاب غريب وقوي، إعجاب حقيقي اتولد من قلب النار. مد إيده ببطء، ولمس كف إيدها اللي كان عليه أثر هباب أسود وشحم، وقفل صوابعه عليها بلطف
عيلتي عندهم مليارات يا نورهان.. بس وحياة تراب أبوكي، عمري ما قابلت فيهم حد راجل ولا عنده ربع الجدعنة اللي في قلبك دي. أنا مدين ليكي بحياتي.. والمديونية دي مبتتسددش بفلوس.
نورهان بصت لإيده اللي ماسكة إيدها. حست بكهربا سرت في دراعها كله، حرارة غريبة خلت ضربات قلبها تزيد وتتلخبط لأول مرة في الليلة دي كلها. حبت تسحب إيدها عشان تحافظ على هيبتها، بس لقت نفسها متبتة فيها لثانية زيادة قبل ما تسحبها بهدوء، وتعدل قعدتها وتتنحنح عشان تداري ارتباكها
سيبك من الكلام الحمصي ده دلوقتي.. وبدل ما تديني مواعظ عن الجدعنة، فكر هتعمل إيه في المصيبة دي. باب الورشة اللي طار ده حسابه لوحده كوم، والطيارة اللي غرقانة في الحوض دي كوم تاني، وابن عمك اللي قالب الدنيا عليك مش هيسكت لما يعرف إننا فلتنا.
أدهم سند راسه لورا على الحيطة، وعينيه لمعت بالشر والغضب اللي كان كابته طارق افتكر إنه دفن أدهم الكردي.. وخليه فاكر كدة كام ساعة. هو زمانه رايح يقابل اللي أكبر منه عشان يبلغهم إن العملية نجحت.
نورهان قطبت حواجبها هو في حد أكبر من طارق؟ مش ده ابن عمك وشريكك؟
طارق جبان.. ميعملش دي من دماغه ولا يقدر على تكلفة العملية دي لوحده، أدهم قالها وهو بيجز على سنانه في راس كبيرة وراه.. حد جوة مجلس إدارة المجموعة، أو حد من برة مصر خالص عايز يمسك المينا لحسابه.
وقبل ما نورهان ترد، فجأة..
جهاز اللاسلكي الصغير اللي كان في جيب جاكيت أدهم اللي كان خده من الراجل اللي اتزحلق في الورشة بدأ يصفر ويطلع صوت وشوشة
حادة قطعت سكون الكشك.
أدهم اتعدل بسرعة، ونورهان كتمت نفسها وبصت للجهاز بريبة.
الصوت طلع من اللاسلكي، بس مكنش صوت طارق..
كان صوت راجل تاني خالص، صوت غليظ، بارد، فيه بحة مميزة تخلي شعر الضهر يقف، ونبرته كانت واثقة ومفيهاش أي توتر
ألو.. طارق؟ بلغني إن الحريقة ولعت في المكس، بس ملقتش جثة أدهم في الحطام. متقوليش إنه هرب مع البت بتاعة الورشة؟.. اسمعني كويس يا طارق، لو أدهم طلع الصبح وهو عايش ووصل للمستندات اللي في خزنته، مش هو اللي هيموت.. أنت اللي هتدفن مكان الكلب بتاعه. افتح التتبع بتاع تليفون البنت.. هي لسه متصلة بشبكة برج الدخيلة. هاتلي روسهم هما الاتنين قبل ما الشمس تطلع.
الصوت سكت، واللاسلكي رجع يوش.
نورهان حطت إيدها ببطء على جيب بنطلونها.. وطلعت تليفونها القديم، لقت الشاشة منورة ومكتوب عليها جاري تحديد الموقع…
أدهم بصلها وعينيه وسعت برعب نورهان.. ارمي التليفون ده في البحر حالا!
بس قبل ما تتحرك، من بعيد، من ورا تلال الرمل عند مدخل السقالة.. صوت مواتير تقيلة بدأ يقرب، ونور كشافات ليزر خضرا بدأ يمسح خشب الكشك المهجور من برة.
نورهان بصت لأدهم، وابتسمت ابتسامة مجنونة وهي بتسحب مفتاح عجل حديد من الشنطة
شكله كدة يا ابن الكردي.. ليلتنا لسه مطولة، وباب الكشك ده كمان هيطير!