في يوم الاجازة ٢
بصيت له من فوق لتحت.. التخيل اللي تخيلته يوم ما ركنت العربية تحت بيت المنيرة، لما كنت فاكرة إن الزيارة هتقرب المسافات، تقارن باللحظة دي. الراجل اللي كنت شايفاه “سند” و”يعتمد عليه”، اتكشف إنه مجرد سراب وخاين ضعيف لما الأيام تضغطه.
قربت منه خطوة واحدة، وقولت له بصوت واطي ومسموع:
“أنت فاكر إنك بتطلب الرحمة مني؟ أنت نسيت يوم ما كنت واقف بتبوس رأس نادين وأمك بتقول ‘ياسمين عمرها ما كانت من توبنا’؟ نسيت لما هددت بفريدة ورسائل الخطف؟.. الرحمة دي أنت دفنتها بنفسك يوم ما سبت باب الشقة موارب ودخلت الخيانة بيتك”.
رفعت راسي وكملت: “أمي فاطمة علاجها وفلوسها دي مسؤوليتك أنت، مش أنا اللي طلبت منها تظلم وتدلس. وق\ضية نادين.. دي نهاية الطبيعية للراجل اللي يفتكر إن بنات الناس لعبة في إيده. أنت حصيلتك دلوقتي يا حسام هي أعمالك.. اشربها للآخر”.
قام وقف ببطء، وشه ميت تماماً، وزي ما يكون أدرك إن الشجرة اللي كان بيستظل بيها اقتلعها بإيده للأبد.
في اللحظة دي، طلعت فريدة في البلكونة ونادت بصوت عالي: “ماما! تعالي اشربي العصير معايا!”.
حسام رفع رأسه بص للبلكونة، عينيه اتملت دموع وهو شايف بنته اللي كان بيسرح لها شعرها كل جمعة.. بقت بعيدة عنه، في عالم تاني نقي، ملهوش أي مكان فيه.
لف ضهري ومشيت ناحية مدخل العمارة.
حسام صرخ من ورايا وهو بيترعش: “ياسمين!! أنتِ رايحة فين؟ الحكاية هتوصل لإيه أكتر من كده؟!”.
وقفت عند الباب، ولفيت بصيت له نص لفة، وابتسمت ابتسامة غموض وارتياح:
“الحكاية لسة ليها فصل أخير يا حسام.. الفصل اللي هتشوف فيه بعينك كيف تبنى الحياة من جديد من غيرك، وكيف يكون العقاب النهائي”.
ودخلت وقضبت الباب، وسيبته واقف في الشارع الضلمة لوحده.
مرّت ستة أشهر على آخر مرة شفت فيها حسام واقف تحت البلكونة يبكي ويتوسل. ستة أشهر كانت كفيلة إنها تمحي كل أثر للخوف أو الشك من قلبي، وتزرع مكانهم قوة صلبة مابتتهزش.
خلال النص سنة دي، الحياة مكنتش واقفة تستناني أتحسر، بالعكس.. كانت بتجري بسرعة، وأنا قررت أجري معاها بس في الاتجاه الصح. الشقة بتاعة أكتوبر اللي استردتها لبنتي فريدة، أعدت تجهيزها وبقت مقر لمشروعي الخاص في تصميم الديكور، المجال اللي كنت درسته وزمان حسام أقنعني أسيبه عشان “أتفرغ للبيت وأراعي أمي الحاجة فاطمة”. الأستاذ فاروق وقف جنبي وساعدني في الإجراءات القانونية، وفريدة كانت بتكبر كل يوم قدام عيني، ملامحها هادية، وضحكتها رجعت تنور الوش الصغير اللي اتصدم في أنبل مشاعره يوم الفاجعة.