جوزي سابنى

وقبل ما سلمى تقدر تسأله عن أي حاجة تانية، جه الدكتور محمود مسرعًا من مكتبه، ووشه
متغير تمامًا.
يا فندم! يا أستاذ ياسين! إحنا مكنش عندنا أي خبر إن حضرتك جاي النهارده!
ياسين؟!
الاسم وقع على ودن سلمى زي الصاعقة، خصوصًا لما شافت الدكتور محمود بيمد إيده له، وبيحاول يبتسم رغم إن العرق بدأ يظهر على جبينه.
ياسين مد إيده وصافحه ببرود.
صباح الخير يا دكتور محمود. أتمنى تكون الأمور في المستشفى ماشية كويس.
رد المدير بسرعة

طبعًا يا فندم، كل حاجة تحت السيطرة. ولو حضرتك كنت بلغتني بزيارتك، كنا جهزنا استقبال يليق بيك.
ياسين بص له للحظات، وبعدها قال جملة خلت ابتسامة المدير تختفي تمامًا
أنا مش جاي أزور المستشفى يا دكتور. أنا جاي أراجع حساباتها وملفاتها بنفسي.
اتحول لون وش محمود.
حساباتها؟ بس حضرتك… إحنا لسه قدامنا وقت على المراجعة السنوية!
ياسين قرب منه خطوة، وقال بصوت هادي لكنه حاسم
أنا مش بتكلم عن المراجعة السنوية. أنا بتكلم عن الملفات اللي اختفت، والفواتير اللي اتدفعت مرتين، والمرضى اللي اتسجلوا إنهم استلموا علاج، رغم إنهم ما استلموش حاجة.
سلمى حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
كانت سمعت همسات في المستشفى عن نقص الأدوية، وعن مرضى بيطلبوا علاجات معينة وبيلاقوا إنها مش موجودة، رغم إنها مسجلة في الملفات.
لكن محدش كان بيجرؤ يتكلم بصوت عالي.
الدكتور محمود حاول يضحك ضحكة مصطنعة.
أكيد فيه سوء تفاهم يا فندم. حضرتك عارف إن المستشفى كبيرة، وممكن تحصل أخطاء إدارية.
ياسين رد من غير ما يرفع صوته
عشان كده أنا جاي أتأكد بنفسي.
وبعدين لف ناحية سلمى، وقال
ممكن تيجي معانا يا سلمى؟ محتاج أسألك كام سؤال عن اللي حصل ليلة السبت.
سلمى اترددت، وبصت للدكتور محمود، اللي كان بيبصلها بنظرة تحذير واضحة.
لكنها افتكرت تهديده ليها بالفصل، وافتكرت الليلة اللي قضتها جنب الراجل ده، وهي مش عارفة إذا كان هيعيش ولا لأ.
فرفعت راسها وقالت
حاضر.
دخلوا مكتب الإدارة، وكان فيه راجلين مستنيين ياسين، واحد منهم ماسك ملفات والتاني فاتح جهاز لابتوب.
أول ما قعدوا، ياسين بدأ كلامه
أنا عايز أعرف بالتفصيل إيه اللي حصل ليلة السبت، من أول ما سلمى لقتني لحد ما خرجت من المستشفى.
حكت سلمى كل حاجة، من غير ما تزود ولا كلمة. حكت عن البرد، والإصابة، ورفض المدير في البداية، وإنها اضطرت تتحمل مسؤولية وجوده.
ولما خلصت، ياسين سكت شوية، وبعدين سألها
الدكتور
محمود قالك إنك ممكن تتفصلي بسبب إنك ساعدتيني؟
سلمى بصت للأرض وقالت
أيوه، بس أنا مش عايزة أعمل مشكلة. أنا كل اللي عملته إني مكنتش عايزاك تموت بره.
ياسين الفت للدكتور محمود.
هل الكلام ده صحيح؟
المدير حاول يتهرب
أنا كنت بحاول أحافظ على النظام يا فندم، لأن المريضة… أقصد الممرضة، تصرفت من غير الإجراءات المعتادة.
ياسين صحح له بهدوء
الممرضة دي أنقذت حياة إنسان، والإجراءات المفروض تساعدنا نحافظ على حياة الناس، مش تمنعنا من إنقاذهم.
وبعدين فتح الملف اللي قدامه، وطلع ورقة وحطها على المكتب.
على فكرة يا دكتور، أنا كنت هنا ليلة السبت لسبب مهم، ومكنتش ناوي أكشف عن هويتي لأي حد قبل ما أخلص اللي جاي عشانه.
سلمى بصت له باستغراب.
يعني إنت كنت متخفي؟
ياسين هز راسه.
أيوه. أنا ياسين المنشاوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة المنشاوي الطبية، والشركة المالكة للمستشفى دي.
سلمى شهقت من المفاجأة.
أما الدكتور محمود، فحاول يتكلم، لكن ياسين رفع إيده وطلب منه يستنى.
قبل ما أقولك أنا اكتشفت إيه، فيه حاجة لازم تعرفها يا سلمى. إنتِ مش أول واحدة تتعرض للتهديد هنا، لكن إنتِ أول واحدة في الفترة الأخيرة ترفض تسكت وتتصرف بما يمليه عليها ضميرها.
وبعدين بص للراجل اللي معاه، وقال
هات الملف الأزرق.
الراجل فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق، حطها قدام ياسين.
ياسين قلب فيها لحد ما وصل لورقة معينة، وبعدها رفع عينيه للدكتور محمود.
تقدر تفسرلي ليه اتخصم من مرتبات الممرضات مبالغ تحت بند العجز، رغم إن تقرير المخزن بيقول إن مفيش عجز في المستلزمات دي؟
محمود بلع ريقه.
أنا… لازم أراجع الحسابات الأول.
راجعناها بالفعل.
ياسين أشار للراجل اللي جنبه، فطلع صورة من تقرير مالي.
ولقينا كمان إن فيه مبالغ اتدفعت لشركة توريدات، وبعدها اتحولت لحساب شركة تانية ملهاش أي نشاط طبي.
سلمى فضلت ساكتة، لكن قلبها كان بيدق بسرعة.
وفجأة افتكرت زميلتها نادية، الممرضة اللي اتفصلت من شهرين بعد ما اعترضت على نقص الأدوية، وقالوا وقتها إنها بتثير المشاكل.
رفعت سلمى عينيها وقالت
يا فندم، فيه ممرضة كانت بتتكلم عن الموضوع ده من فترة، وبعدها اتفصلت. اسمها نادية، وكانت شغالة في قسم الباطنة.
ياسين بصلها باهتمام.
عندك وسيلة للتواصل معاها؟
أيوه، رقمها معايا.
طلب منها الرقم، وبعدها اتصل بمساعده
وطلب منه يتواصل مع نادية فورًا، ويحدد معاها ميعاد تسمع فيه أقوالها.
الدكتور محمود كان قاعد ساكت، وإيده بتتحرك بتوتر فوق المكتب.
وبعد دقائق، ياسين قفل الملف وقال
لحد ما المراجعة تخلص، حضرتك هتتوقف عن مباشرة مهامك الإدارية، وهيتولى فريق مستقل مراجعة كل الملفات.
محمود قام من مكانه بعصبية.
حضرتك مينفعش تعمل كده من غير ما تديني فرصة أدافع عن نفسي!
ياسين رد بثبات
هتاخد فرصتك كاملة، وكل حاجة هتتم وفق الإجراءات القانونية. لكن مفيش حد فوق المحاسبة.
خرج محمود من المكتب وهو بيتمتم بكلام غير مفهوم.
ولما الباب اتقفل، سلمى أخيرًا قدرت تاخد نفسها.
لكنها كانت لسه مش فاهمة ليه ياسين طلب وجودها بنفسه.
بصت له وقالت
أنا ساعدتك عشان كنت محتاج مساعدة، ومكنتش أعرف إنك صاحب المستشفى. لو كنت أعرف، كنت هعمل نفس الحاجة برضه.
ابتسم ياسين وقال
أنا مصدقك. وده أهم سبب خلاني أطلب مقابلتك.
وبعدين دفع الظرف الأبيض ناحيتها مرة تانية.
افتحيه لما ترجعي البيت.
سلمى أخدته بتردد.
هو إيه اللي جواه؟
ياسين بص لها نظرة غريبة، وقال
فرصة ممكن تغير حياتك وحياة والدتك، لكن قبل ما أقدمها ليكي رسميًا، محتاج أعرف إجابة سؤال واحد.
سلمى رفعت عينيها.
اتفضل.
سألها
لو عرضت عليكي منصب أكبر من شغلك الحالي، بمرتب يكفيكي تعيشي إنتِ ووالدتك من غير ما تضطري تشتغلي ليل ونهار، هتوافقي؟ ولا هتخافي إن الناس تقول إنك وصلتي للمكان ده عشان ساعدتيني؟
سلمى فضلت ساكتة.
كانت محتاجة الفلوس فعلًا، وكانت بتشوف أمها بتتعب يوم بعد يوم، لكنها مكنتش عايزة حد يفتكر إنها استغلت الموقف عشان تحقق مصلحة لنفسها.
أخيرًا قالت
أنا ممكن أقبل أي فرصة أكون أستحقها، لكن مش عايزة آخد مكان حد أكفأ مني، ولا عايزة حد يتظلم بسببي.
ياسين ابتسم ابتسامة حقيقية للمرة الأولى.
عشان كده أنا اخترتك.
سلمى خرجت من المستشفى وهي حاسة إن حياتها اتقلبت في ساعات قليلة. ركبت المواصلات ورجعت بيتها، ولما دخلت، لقت أمها قاعدة في الصالة، بتراجع فواتير الكهرباء والغاز، وبتحاول تحسب إزاي هتكمل الشهر بالمبلغ المتبقي من المرتب.
الحاجة فاطمة رفعت راسها وقالت
مالك يا سلمى؟ وشك متغير ليه؟ حصل إيه في الشغل؟
سلمى قعدت جنبها، وحكت لها كل اللي حصل.
أمها فضلت تسمع في صمت، ولما سلمى خلصت، قالت لها
يا بنتي، أنا فخورة بيكي إنك
ساعدتي إنسان محتاج، بس خلي بالك. مش كل فرصة تيجي فجأة تبقى خير، ولا كل غني يبقى ملاك.
سلمى هزت راسها،
وطلعت الظرف من شنطتها.
فتحته ببطء، ولقت جواه خطاب رسمي، مكتوب فيه إن مجموعة المنشاوي الطبية بتعرض عليها وظيفة جديدة ضمن فريق الجودة وسلامة المرضى، بعد اجتياز المقابلات والتقييمات المطلوبة، بمرتب أعلى بكتير من مرتبها الحالي.
لكن اللي خلّاها تتجمد مكانها، مكنش عرض الوظيفة.
كان في ورقة تانية مرفقة بالخطاب، مكتوب في أولها
بخصوص حادثة وفاة المريض أحمد عبدالسلام، بتاريخ ١٧ مارس…
سلمى حست ببرودة في أطرافها.
الاسم ده كانت تعرفه كويس.
لأن أحمد عبدالسلام كان آخر مريض هي اشتغلت معاه قبل ما يتوفى في القسم من ست شهور، وكانت وفاته هي السبب في إن الإدارة حمّلت فريق التمريض المسؤولية، رغم إن سلمى كانت متأكدة إن فيه حاجة غلط حصلت.
قلبت الورقة بإيد مرتعشة، ولقت جملة تحتها خط أحمر
تشير المستندات الأولية إلى أن المريض لم يتلقَّ العلاج المسجل باسمه، وأن توقيع استلام الدواء قد يكون مزورًا.
سلمى رفعت عينيها لأمها، وهي مش قادرة تنطق.
لأنها فجأة فهمت إن رجوع ياسين للمستشفى مكنش مجرد زيارة لشكرها على مساعدته.
كان بيدوّر على الحقيقة وراء وفاة مريض، ويمكن الحقيقة دي تكون هي السبب اللي هيقلب حياة سلمى كلها، ويكشف مين الشخص اللي ضحّى بمريض بريء عشان يحمي نفسه!
يتبع…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *