بنت عندها ٤ سنين
بنت عندها 4 سنين حضنت شابة حافية في ليلة الكريسماس والقرار اللي أخدته غيّر حياة عيلتها كلها!
الفصل الأول الحضن اللي غيّر كل حاجة
بابا، هو ليه البنت دي قاعدة هنا من غير جزمة؟
ريكاردو ضغط على إيد بنته الصغيرة، وكمل مشيه ناحية جراج العربيات، وهو بيرد بصوت هادي
صوفيا، حبيبتي، عيب نشاور على الناس. يلا بينا، جدتك مستنيانا على العشا.
لكن صوفيا، اللي عندها أربع سنين بس، وقفت مكانها، وبصت ناحية السلالم الجانبية للكنيسة.
بس يا بابا، رجليها أكيد ساقعة أوي!
ريكاردو اتنهد، وبص ناحية المكان اللي بنته بتشاور عليه.
وهناك شاف ماريانا.
شابة عندها 24 سنة، قاعدة على آخر درجة من السلم، لابسة سويت شيرت خفيف وبنطلون قديم، وشعرها الطويل متشابك من قلة العناية بيه. رجليها كانوا حافيين، وضمّاهم لبعض علشان تحاول تدفيهم من برد ليلة الكريسماس القارس.
الناس كانت خارجة من الكنيسة بعد صلاة العيد. فيه اللي شايل هدايا، واللي بيضحك مع عيلته، واللي مستعجل يلحق العشا في بيته.
أما ماريانا، فكانت قاعدة لوحدها، بتتفرج عليهم من بعيد.
من تمانية شهور، حياتها اتقلبت تمامًا بعد وفاة أمها، الشخص الوحيد اللي كان باقي لها من عيلتها.
كانت أمها ست بسيطة، عايشة هي وبنتها في شقة صغيرة، لكن البيت كان دايمًا مليان دفء وحنان، حتى لو الفلوس كانت على قدّهم.
بعد وفاتها، ماريانا حاولت تكمل حياتها.
كانت بتشتغل في محل صغير، لكن صاحب المحل قلل ساعات شغلها، وبعد فترة استغنى عنها تمامًا.
بدأت تتأخر في دفع الإيجار، ولما خلصت كل فلوسها، اضطرت تسيب الشقة.
باعت موبايلها القديم، وبعض هدومها، وحتى سلسلة دهب صغيرة كانت أمها سايباها لها.
كل مرة كانت تفتكر إنها لقت فرصة جديدة، كانت الظروف تقفل الباب في وشها.
قدمت على شغل في مطاعم ومحلات ومخازن، وراحت تسأل في أماكن كتير، لكن مفيش حاجة استقرت معاها.
ومع دخول ديسمبر، الملاجئ المؤقتة بقت مليانة، وفي نفس اليوم اللي قبل الكريسماس، راحت تسأل عن مكان تنام فيه، لكن الموظفة قالتلها بحزن
أنا آسفة يا بنتي، مفيش ولا سرير فاضي الليلة.
ماريانا خرجت من المكان وهي مش عارفة تروح فين.
وفي الآخر، لقت نفسها جنب الكنيسة، لأنها كانت فاكرة إن محدش هيطلب منها تمشي طول ما هي قاعدة بعيد عن المدخل.
ما كانتش مستنية مساعدة من حد.
ولا حتى كلمة حلوة.
كانت كل أمنيتها إن الليلة تعدّي من غير ما يحصل لها حاجة.
بابا، أنا عايزة أروح أكلمها.
ريكاردو شد على إيد بنته وقال
مش دلوقتي يا صوفيا. الجو برد، وإحنا لازم نلحق العشا.
صوفيا رفعت وشها وبصتله بجدية غريبة على طفلة في سنها.
طب هي هتروح فين؟
ريكاردو سكت.
هي عندها بيت؟
ما ردش.
طب عندها ماما تستناها؟
السؤال الأخير خلّى ريكاردو يبص لبنته، وبعدها يرجع بعينيه لماريانا.
كان يعرف كويس إحساس فقدان الأم؛ هو نفسه فقد زوجته من تلات سنين، ومن يومها وهو بيحاول يربي صوفيا لوحده بمساعدة أمه إيلينا.
عشان كده، كان المفروض يفهم وجع الوحدة أكتر من غيره.
لكنه كان طول الوقت مشغول بشغله، ومسؤولياته، ومحاولته إنه يوفر لبنته حياة مستقرة.
قال بهدوء
يلا يا حبيبتي، هنتأخر.
صوفيا بصت لماريانا مرة أخيرة، وبعدها فجأة سابت إيد أبوها وجريت ناحيتها.
صوفيا! استني!
ريكاردو جري وراها، لكن بنته كانت وصلت بالفعل للسلم.
وقفت قدام الشابة وسألتها بابتسامة
هاي! أنا اسمي صوفيا. إنتِ اسمك إيه؟
ماريانا رفعت راسها باستغراب.
من ساعة ما قعدت في المكان ده، ناس كتير عدّوا من قدامها. بعضهم بص لها بشفقة، وبعضهم تجاهلها، وفيه اللي طلب منها تبعد عن المدخل.
لكن دي أول مرة طفلة صغيرة تقف قدامها وتسألها عن اسمها.
ردت بصوت خافت
اسمي ماريانا.
اسمك حلو أوي! إنتِ مستنية حد؟
ماريانا بلعت ريقها، وقالت
لأ يا حبيبتي.
طب مامتك جاية تاخدك؟
السؤال نزل على قلب ماريانا زي الحجر.
حاولت تبتسم، لكن شفايفها ارتعشت.
ماما مش موجودة يا صوفيا.
البنت الصغيرة قربت منها خطوة.
راحت فين؟
ماريانا نزلت عينيها للأرض.
ماما ماتت من فترة.
صوفيا سكتت شوية، وكأنها بتحاول تفهم معنى الكلام.
وبعدين سألتها
يعني إنتِ لوحدك في الكريسماس؟
ماريانا هزت راسها.
أيوه يا حبيبتي.
في اللحظة دي، صوفيا طلعت درجة من السلم، وفتحت دراعاتها الصغيرة.
طب أنا هحضنك!
قبل ما ماريانا تستوعب اللي بيحصل، كانت الطفلة لفّت دراعاتها حوالين رقبتها وسندت راسها على كتفها.
ماريانا اتجمدت مكانها.
كانت آخر مرة حد حضنها من قلبه يوم دفنت أمها.
ومن وقتها، كل يوم كان بيعدّي أصعب من اللي قبله.
حاولت تحافظ على تماسكها، لكن حضن الطفلة الصغيرة كسر الحاجز اللي بنته جواها طول الشهور اللي فاتت.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
غطت وشها بإيديها، وبدأت تعيط في صمت.
صوفيا فضلت تطبطب على ضهرها، وقالتلها
متعيطيش يا ماريانا. جدتي بتقول إن لما حد يكون زعلان، لازم نحضنه ونسمعه.
ريكاردو وصل عندهم، لكنه وقف من غير ما يتكلم.
كان شايف بنته الصغيرة بتواسي شابة غريبة، بينما هو، الراجل الكبير اللي المفروض يعرف أكتر منها عن الدنيا، كان على وشك يعدّي من جنبها ويمشي.
حس بخجل شديد من نفسه.
اقترب منهم وقال
أنا آسف لو بنتي ضايقتك.
ماريانا مسحت دموعها بسرعة.
لأ، أبدًا. دي بنت جميلة ومحترمة، وأنا اللي آسفة إني عيطت قدامها.
ريكاردو هز راسه.
مفيش داعي تعتذري. إنتِ اسمك ماريانا، صح؟
أيوه.
بص لرجليها الحافيين، وبعدها خلع الجاكيت التقيل اللي كان لابسه، ومدهولها.
اتفضلي، البرد شديد.
ماريانا اترددت.
لا، شكرًا. إنت هتبرد.
أنا عندي عربية، وهكون كويس. خديه.
أخدت الجاكيت، ولفّته حوالين كتافها، وحست بدفء افتقدته من شهور.
صوفيا مسكت إيدها وقالت
تعالي معانا!
ماريانا ابتسمت بحزن.
يا حبيبتي، مينفعش. أنا معرفش باباكي، ومش عايزة أتعبه.
ريكاردو رد بسرعة
إنتِ مش هتتعبي حد.
وبعد لحظة صمت، سألها
إنتِ أكلتي النهارده؟
ماريانا حاولت تغيّر الموضوع.
أنا كويسة، متقلقش.
لكن بطنها أصدرت صوتًا خفيفًا، وكأنها فضحتها.
صوفيا بصت لأبوها فورًا.
بابا، هي جعانة!
ريكاردو أخد نفسًا عميقًا.
كان عنده عشا كبير في بيت أمه، وأكل يكفي أكتر من عدد الضيوف الموجودين.
لكنه أدرك إن المشكلة مش مجرد وجبة عشا.
الشابة اللي قدامه محتاجة مكان آمن، وفرصة تبدأ من جديد، وحد يسمعها من غير ما يحكم عليها.
قال لها
اسمعيني يا ماريانا، إحنا رايحين بيت أمي نتعشى. أمي بتحب تساعد الناس، وعندها أوضة ضيوف. ممكن تيجي معانا الليلة، تاكلي وتدفّي نفسك، وبكرة نفكر سوا في حل مناسب.
ماريانا اتوترت، ورجعت خطوة لورا.
أنا مقدّرة كلامك جدًا، لكن مش هقدر أروح بيت ناس معرفهمش. أنا مش عايزة أكون عبء على حد.
ريكاردو احترم خوفها، وما حاولش يضغط عليها.
عندك حق. خلينا نعمل حاجة تانية. فيه مركز مساعدة قريب من هنا، نقدر نتصل بيهم ونشوف لو عندهم مكان آمن ليكي. وأنا ممكن أساعدك توصلي هناك.
ماريانا بصتله بدهشة.
كان معتادًا أن الناس تعرض عليها وعودًا لا تنفذها، لكنها المرة دي ما سمعتش كلامًا عن الشفقة أو اللوم.
سمعت عرضًا واضحًا للمساعدة، مع احترام قرارها.
قبل ما ترد، صوفيا شدت في كم أبوها.
بس يا بابا، إحنا عندنا أوضة كبيرة فاضية في البيت!
ريكاردو ابتسم بحزن.
أيوه يا حبيبتي، عندنا.
وبعدين بص لماريانا وقال
مش لازم تقرري دلوقتي. أهم حاجة الليلة دي ما تفضليش لوحدك في البرد.
ماريانا نزلت عينيها، وفكرت في أمها.
كانت أمها دايمًا تقول لها
يا ماريانا، لو ربنا قدر لك تساعدي حد يوم، ساعديه من غير ما تجرحي كرامته. ولو إنتِ اللي احتجتي المساعدة يوم، ما تخليش خوفك يمنعك من قبول الخير.
رفعت ماريانا عينيها، وقالت بصوت مرتعش
ممكن أروح معاكم الليلة بس؟ ولو حسيت إني مش مرتاحة، همشي.
ريكاردو ابتسم.
طبعًا. إنتِ اللي هتقرري.
صوفيا صفقت بسعادة، ومسكت إيد ماريانا.
يلا! ماما… لا، قصدي جدتي، هتعمل لنا كيك بالشوكولاتة!
وفجأة، سكتت البنت الصغيرة، وبصت لأبوها.
كانت لسه صغيرة، لكنها بدأت تفهم إن ذكرى أمها بتوجعه أحيانًا.
ريكاردو انحنى وباس راسها.
جدتك أكيد عاملة كيك كتير، وهتفرح لما تشوفك.
ومع بعض، مشي التلاتة ناحية العربية.
ماريانا كانت لابسة جاكيت ريكاردو، وصوفيا ماسكة إيدها، وبتحكيلها عن الزينة اللي علقتها جدتها في البيت.
أما ريكاردو، فكان بيسوق وهو بيفكر في قرار أخده في لحظة، من غير ما يعرف إن القرار ده هيغيّر حياة عيلته كلها.
الفصل الثاني سر البيت الكبير
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلت العربية لبيت واسع في حي هادي بمدينة تولوكا.
كان البيت مزينًا بأنوار الكريسماس، وعلى الباب إكليل أخضر كبير، ومن الشبابيك كانت باينة شجرة عيد الميلاد المليانة كرات ملونة.
ماريانا فضلت باصة للمكان من وراء زجاج العربية.
مش لأنها كانت بتحلم تعيش في بيت كبير، لكن لأنها ما دخلتش بيت دافي من شهور، وما كانتش متخيلة إنها هتستقبل ليلة الكريسماس وسط عيلة.
أول ما دخلوا، خرجت إيلينا من المطبخ وهي بتضحك.
أخيرًا يا ريكاردو! كنت هتصل بيك للمرة العاشرة!
لكن ضحكتها اختفت لما شافت ماريانا واقفة جنب ابنها.
بصت لملابسها البسيطة، وللجاكيت اللي عليها، وبعدين سألت بقلق
خير يا ابني؟ مين ضيفتنا؟
ريكاردو شرح لها اللي حصل قدام