بنت عندها ٤ سنين

بص لها.
ليه ما نحاولش نشتري المحل نفسه، أو على الأقل نتفاوض على عقد طويل الأجل يحمينا من الزيادات المفاجئة؟
ريكاردو فكر في كلامها.
الفكرة كويسة، بس لازم نعرف إذا كان المالك مستعد يبيع أصلًا، ولو وافق، لازم نراجع السعر والأوراق كويس.
ماريانا بدأت تجمع المعلومات المتاحة عن المكان، وإيلينا تواصلت مع المالك لمعرفة موقفه.
وبعد أيام، وصلهم رد غير متوقع.
المالك كان مستعد يبيع العقار، لكنه طالب بمبلغ كبير.
ريكاردو قال إنه هيبحث الموضوع من الناحية المالية والقانونية، لكن ماريانا كان عندها اقتراح مختلف.
قالت
أنا عارفة إن المبلغ كبير، لكن المخبز عنده زباين ثابتين، ومبيعاته بتزيد. لو حسبنا قيمة المشروع ومصاريفه وأرباحه، ممكن نعرف إذا كان الشراء قرارًا مناسبًا ولا لأ.
ريكاردو ابتسم.
إنتِ بقيتي بتفكري زي أصحاب المشاريع فعلًا!
ماريانا ضحكت.
أنا بس مش عايزة أشوف المكان اللي اداني فرصة جديدة يقفل.
وبالفعل، بدأوا يراجعوا الأرقام، واستعان ريكاردو بمتخصص لمراجعة الأوراق وتقييم العقار.
لكن أثناء مراجعة المستندات القديمة، ظهرت معلومة غريبة.
كان فيه مستند يشير إلى إن جزءًا من العقار له وضع قانوني مختلف عن باقي المبنى، وإن الموضوع محتاج مراجعة قبل أي اتفاق بيع.
المعلومة دي خلت ريكاردو يوقف المفاوضات مؤقتًا، لحد ما يتأكد من التفاصيل.
وفي نفس الليلة، ماريانا كانت قاعدة في غرفتها، وبتبص لصورة أمها القديمة اللي احتفظت بيها رغم إنها اضطرت تبيع معظم حاجاتها.
افتكرت كلام أمها عن الكرامة، وعن إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير، لكنه يقدر يبدأ من جديد طالما لسه عنده القدرة على المحاولة.
ابتسمت وهي بتحط الصورة جنب سريرها.
ما كانتش عارفة إن الأيام الجاية هتكشف حقيقة هتغيّر نظرتها لمستقبلها، وهتختبر ثقة العيلة دي فيها بطريقة ما كانتش تتخيلها.
يتبع…
الفصل الأخير الحقيقة اللي غيّرت حياة ماريانا للأبد
تاني يوم الصبح، ريكاردو راح للمحامي ومعاه المستندات القديمة الخاصة بالمخبز والعقار.
وبعد مراجعة الأوراق، اكتشف إن المشكلة مش بالبساطة اللي كانوا متخيلينها؛ فيه اختلاف في تسجيل جزء من العقار، ولازم يتراجع قبل ما تتم أي عملية بيع.
رجع ريكاردو البيت، وحكى لإيلينا وماريانا عن الموضوع.
إيلينا اتنهدت بحزن.
يعني ممكن نخسر المخبز في الآخر؟
ماريانا مسكت إيدها وقالت
لسه ما خسرناش حاجة يا طنط. خلينا نستنى لحد ما نعرف الحقيقة كاملة.
وبالفعل، استعانوا بمحامٍ متخصص، وبعد أسابيع من المراجعة، اتضح إن العقار ممكن يتباع، لكن لازم تتصحح بعض البيانات في الأوراق الأول.
المفاوضات رجعت تاني، والمرة دي ريكاردو اتفق مع المالك على سعر مناسب، بعد ما اتأكد من سلامة الإجراءات القانونية.
وبمساعدة ريكاردو، قدرت إيلينا تشتري العقار، وتحافظ على المخبز اللي عاشت فيه ذكريات سنين طويلة.
أول ما وصل الخبر لماريانا، جريت تحضن إيلينا وهي بتعيط من الفرحة.
أنا كنت خايفة نخسر المكان!
إيلينا ضمتها وقالت
إحنا ما خسرناهوش يا بنتي، وإنتِ كان ليكي دور كبير في إننا نعرف نتصرف صح.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
بعد ستة شهور من ليلة الكريسماس، ريكاردو طلب من ماريانا تقعد معاه ومع أمه في الصالون.
قال لها
ماريانا، من يوم ما قابلناكي قدام الكنيسة، حياتنا اتغيرت. صوفيا بقت أهدى وأسعد، وأمي رجع لها الحماس لشغلها، وأنا اتعلمت إن مساعدة الناس مش معناها إننا ننقذهم ونفضل فاكرين نفسنا أصحاب فضل عليهم.
ماريانا بصت له باهتمام.
كمل كلامه
إنتِ دخلتي حياتنا وإنتِ محتاجة فرصة، لكنك اشتغلتي واجتهدتي، وساعدتي أمي تحافظ على مشروعها. عشان كده، أنا عايز أقدم لك عرضًا جديدًا.
طلع ملفًا من الدرج، وحطه قدامها.
كان عرضًا رسميًّا يمنحها فرصة تبقى شريكة في إدارة المخبز، بنسبة من الأرباح مقابل شغلها ومجهودها، بعقد واضح يحفظ حقوقها.
ماريانا فضلت باصة للأوراق، مش قادرة تصدق.
إنت بتتكلم بجد؟
إيلينا ابتسمت.
طبعًا يا بنتي. أنا عايزاكي تبقي شريكتي، مش مجرد موظفة عندي.
ماريانا دموعها نزلت، لكنها المرة دي ما كانتش دموع انكسار.
كانت دموع واحدة أخيرًا لقت طريقها.
وافقت على العرض، وبدأت تحلم بمستقبل كانت فاكرة إنه مستحيل.
وبعد فترة، قدرت تجمع مدخرات كفاية، واستأجرت شقة صغيرة قريبة من المخبز.
إيلينا عرضت عليها تفضل في البيت، لكن ماريانا أصرت إنها تبدأ حياتها المستقلة، مع احتفاظها بعلاقتها القوية بالعيلة.
ويوم ما نقلت حاجاتها لشقتها الجديدة، صوفيا أصرت تروح معاها.
دخلت الطفلة الأوضة، وبصت للأثاث البسيط، وبعدها سألتها
ماريانا، هو ده بيتك بجد؟
ماريانا نزلت لمستواها، وابتسمت.
أيوه يا صوفي، ده بيتي.
صوفيا حضنتها وقالت
أنا فرحانة علشانك، بس هتفضلي تيجي عندنا، صح؟
ماريانا باستها على خدها.
طبعًا. إنتِ بقيتي جزء من عيلتي.
وبعدها بكام شهر، افتتحوا فرعًا صغيرًا جديدًا للمخبز، وخصصت ماريانا جزءًا من أرباحها لتقديم وجبات دافئة ومساعدة عملية للناس اللي بيمروا بظروف صعبة، بالتعاون مع جمعية محلية.
ما كانتش عايزة تدي الناس أملًا مؤقتًا وبس؛ كانت عايزة تساعدهم يلاقوا فرص شغل ويقدروا يعتمدوا على نفسهم.
وفي أول ليلة كريسماس بعد مرور سنة، رجعت ماريانا لنفس الكنيسة اللي قابلت عندها ريكاردو وصوفيا.
المرة دي، كانت لابسة معطفًا دافئًا، وفي إيدها صندوق مليان كعك من المخبز.
وبجانب السلالم، شافت شابة قاعدة لوحدها، وهدومها خفيفة على البرد.
ماريانا قربت منها، وقعدت على الدرجة اللي جنبها.
مساء الخير. أنا ماريانا. إنتِ كويسة؟
الشابة بصتلها بحذر.
أيوه، أنا كويسة.
ماريانا ابتسمت، ومدت لها كيسًا فيه أكل دافئ وجوارب جديدة.
أنا مش هضغط عليكي تحكي أي حاجة. بس لو محتاجة مساعدة في إيجاد مكان آمن أو فرصة شغل، أنا ممكن أساعدك تدوري.
الشابة بصت للكيس، وبعدها لماريانا، وبدأت دموعها تنزل.
وفي اللحظة دي، افتكرت ماريانا الحضن اللي خدته من صوفيا في أول ليلة كريسماس.
الحضن اللي ما حلش مشاكلها كلها، لكنه خلاها تحس إنها لسه إنسانة تستحق الحب والاحترام.
وبينما كانت بتتكلم مع الشابة، سمعت صوتًا صغيرًا من وراها
ماريانا!
لفت، ولقت صوفيا جاية تجري ناحيتها، وريكارودو وإيلينا وراها.
صوفيا حضنتها بقوة، وقالت
فاكرة لما حضنتك هنا أول مرة؟
ماريانا ابتسمت والدموع في عينيها.
عمري ما هنسى يا حبيبتي.
صوفيا رفعت وشها وسألتها
هو أنا فعلًا غيرت حياتك؟
ماريانا مسكت وشها الصغير بين إيديها، وقالت
أيوه يا صوفي. إنتِ فكرتيني إن حتى أبسط حاجة ممكن تعمل فرق كبير. لكن إنتِ كمان علمتيني حاجة مهمة.
إيه هي؟
إن الإنسان ممكن يكون محتاج مساعدة النهارده، وبكرة يبقى هو اللي بيساعد غيره. وإننا مش لازم نكون أغنياء علشان نعمل خير، ولا لازم نعرف حكاية كل شخص علشان نحترمه.
ريكاردو وقف جنبهم، وبص للكنيسة اللي خرج منها قبل سنة وهو مستعجل يلحق العشا.
وقتها، كان فاكر إن أهم حاجة في ليلة الكريسماس هي إنه يوصل بيته في معاده.
لكن دلوقتي فهم إن أهم حاجة مش كانت الهدايا اللي في العربية، ولا الأكل اللي مستنيه على السفرة.
كانت اللحظة اللي قرر فيها يقف ويسمع إنسانة محدش كان بيسمعها.
أما ماريانا، فبصت للسما وهمست
شكرًا يا ماما. كنتِ دايمًا بتقولي إن الخير بيرجع لصاحبه، حتى لو رجع له في صورة مختلفة.
وفي اللحظة دي، صوفيا مسكت إيدها، وإيلينا مسكت إيدها التانية، وريكاردو وقف جنبهم.
ما بقوش عيلة بالدم، لكن جمعهم شيء أعمق الرحمة، والاحترام، والوقوف جنب بعض وقت الشدة.
ومن يومها، بقت ماريانا تحكي لكل طفل يزور المخبز حكاية البنت الصغيرة اللي حضنت شابة حافية في ليلة الكريسماس، وتقول له
ما تستهونش أبدًا بطيبة قلبك. يمكن إنت مش قادر تغيّر العالم كله، لكن ممكن تغيّر عالم إنسان واحد، وده أحيانًا بيكون كفاية علشان تبدأ حكاية جديدة.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *