بنت عندها ٤ سنين
وصول الطبيب، فضلت ماريانا جنب صوفيا، واتبعت تعليماته الهاتفية بشأن التعامل مع الحرارة، من غير ما تدي الطفلة أي دواء من نفسها.
بعد دقائق طويلة، وصل الطبيب وفحص صوفيا، وطلب نقلها للمستشفى علشان يطمن عليها.
ريكاردو وصل في اللحظة اللي كانوا بيجهزوا فيها للخروج.
أول ما شاف بنته، شالها بين دراعاته، ووشه كان شاحبًا من الخوف.
صوفي، حبيبتي، بابا هنا.
صوفيا مدت إيدها ناحية ماريانا.
هي كمان تيجي معانا.
ريكاردو بص لماريانا، اللي كانت واقفة وقلقانة عليها.
طبعًا، لو ماريانا موافقة.
ردت فورًا
أنا جاية.
وفي المستشفى، وبعد الفحوصات، الطبيب طمّنهم إن صوفيا محتاجة متابعة وعلاج، وإن حالتها مستقرة، لكن لازم تفضل تحت الملاحظة لحد ما يتأكدوا إنها اتحسنت.
ريكاردو قعد جنب سرير بنته، وماريانا وقفت بعيد شوية، مش عايزة تتدخل في لحظة عائلية خاصة.
لكن صوفيا نادتها.
ماريانا، تعالي اقعدي هنا.
قعدت جنبها، ومسحت على شعرها.
صوفيا غمضت عينيها وهي ماسكة إيدها.
ريكاردو فضل يتفرج عليهم، وحس بحاجة عمره ما حس بيها من يوم وفاة زوجته.
كان شايف بنته مطمنة، رغم خوفها وتعبها.
وفي اللحظة دي، فهم إن الحضن اللي بدأ كل الحكاية ما كانش مجرد موقف عابر.
كان بداية علاقة إنسانية حقيقية، مبنية على الرحمة والثقة والاهتمام.
لكن وهو بيبص لماريانا، لاحظ إنها كانت بتحاول تخبي دموعها.
استنا لحد ما صوفيا نامت، وبعدها خرج معاها للممر وسألها
إنتِ بتعيطي ليه؟
ماريانا مسحت عينيها بسرعة.
افتكرت أمي. لما كانت بتتعب، كنت بقعد جنبها زي ما قعدت جنب صوفيا النهارده.
سكتت لحظة، وبعدها قالت
ساعات بخاف أفرح بأي حاجة حلوة في حياتي، علشان بحس إنها ممكن تروح مني فجأة.
ريكاردو بص لها بتأثر.
مش لازم تفضلي مستنية المصيبة تحصل علشان تحمي نفسك من الوجع يا ماريانا. إنتِ تستحقي تعيشي وتفرحي وتبني مستقبلك.
ماريانا ما ردتش، لكنها لأول مرة حسّت إن فيه حد بيسمعها من غير ما يستعجلها تتجاوز حزنها.
وفي اللحظة دي، خرجت الممرضة وقالت إن صوفيا فاقت وبتسأل عليهم.
رجعوا الاتنين لأوضتها.
لكن قبل ما يدخلوا، ريكاردو وقف فجأة، وبص لماريانا وقال
فيه حاجة كنت بفكر فيها من فترة، وعايز أتكلم معاكي فيها لما صوفيا تتحسن.
ماريانا استغربت.
خير؟
ريكاردو بص ناحية باب الأوضة، وبعدها رجع بعينيه ليها.
الموضوع مش متعلق بالشغل، ولا بالفلوس. الموضوع متعلق بمستقبل صوفيا… وبحاجة هي نفسها طلبتها مني، وأنا مش عارف إذا كان ينفع أوافق عليها ولا لأ.
ماريانا قلبها بدأ يدق بسرعة.
يا ترى صوفيا طلبت من أبوها إيه؟ وليه ريكاردو خايف ياخد القرار؟
يتبع…
الفصل السادس الطلب اللي خلّى ريكاردو يسهر طول الليل
بعد يومين في المستشفى، حالة صوفيا اتحسنت، والدكتور سمح لها ترجع البيت وتكمل العلاج والمتابعة.
طول الطريق، كانت صوفيا ماسكة إيد ماريانا، وكل شوية تسألها
إنتِ هتيجي تزوريني بكرة؟
ماريانا ابتسمت وقالت
طبعًا يا حبيبتي، أنا هكون في المخبز، ولما أخلص شغلي هاجي أطمن عليكي.
صوفيا هزت راسها، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش مقتنعة بالإجابة.
أول ما وصلوا البيت، طلبت من أبوها يقعد جنبها في أوضتها.
بابا، أنا عايزة أطلب منك حاجة.
ريكاردو باس جبينها وقال
اطلبي يا قلب بابا.
صوفيا بصت ناحية الباب، وتأكدت إن ماريانا مش موجودة، وبعدها همست
هو ينفع ماريانا تعيش معانا؟
ريكاردو اتفاجئ.
ليه يا صوفي؟
البنت الصغيرة ضمت دبدوبها لصدرها وقالت
علشان هي كانت لوحدها، وأنا مش عايزاها تبقى لوحدها تاني. وبعدين، لما كنت تعبانة، هي فضلت جنبي. ولما بصحى بالليل وبفتكر ماما، بحس إني عايزة حد يحضني زيها.
الكلمات الأخيرة وجعت ريكاردو.
من يوم وفاة زوجته، كان بيحاول يعوض بنته عن غياب أمها بكل الطرق الممكنة. كان بيشتريلها الألعاب، وياخدها تتمشى، ويحاول يكون موجود معاها على قد ما يقدر.
لكنه اكتشف إنه رغم كل اللي بيعمله، فيه لحظات بتكون بنته محتاجة فيها حنانًا من نوع مختلف.
قعد جنبها وسألها
وإنتِ بتحبي ماريانا للدرجة دي؟
صوفيا ردت فورًا
أيوه! بس أنا مش عايزاها تيجي عندنا علشان أنا بس. أنا عايزاها علشان هي كمان تبقى مبسوطة.
ريكاردو سكت طويلًا.
كان عارف إن بنته مش فاهمة كل تعقيدات الحياة، وإن استضافة شخص في البيت مش قرار يتاخد لمجرد إن طفلة بتحبه.
وفي نفس الوقت، كان عارف إن ماريانا بقت شخصًا مهمًا بالنسبة لصوفيا، وإن وجودها في حياتهم ممكن يكون بداية خير للجميع.
قال لبنته
هفكر في الموضوع يا حبيبتي، بس لازم نتكلم مع ماريانا الأول ونعرف هي عايزة إيه.
صوفيا ابتسمت، وحضنته بقوة.
أنا عارفة إنك هتعمل الصح يا بابا.
لكن ريكاردو، لأول مرة من سنين، ما كانش متأكد من القرار الصح.
الفصل السابع ماريانا ترفض العرض التاني
تاني يوم، طلب ريكاردو من ماريانا تقابله في الصالون بعد ما خلصت شغلها.
إيلينا كانت موجودة، وصوفيا قاعدة على الأرض بتلعب بألوانها.
ريكاردو بدأ الكلام بهدوء
ماريانا، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
ماريانا قعدت، وبدأت تقلق.
اتفضل.
صوفيا اتعلقت بيكي جدًا، وإحنا كلنا لاحظنا ده. هي طلبت مني إنك تعيشي معانا.
ماريانا فضلت ساكتة، وبعد لحظات قالت
أنا بحب صوفيا جدًا، وبعتبرها زي أخت صغيرة ليا. لكن أنا مش عايزة أكون سبب في أي مشكلة بينكم، ولا عايزة أحط نفسي في مكان مش مكاني.
إيلينا تدخلت
محدش شايف إن وجودك مشكلة يا بنتي.
ماريانا هزت راسها.
أنا عارفة إنكم ناس طيبين، وعمركم ما حسستوني إني أقل منكم. بس أنا بدأت أقف على رجلي تاني، وبقيت عندي شغل ومرتب. مش عايزة أخلط ده باحتياجي لمكان أعيش فيه.
ريكاردو احترم كلامها، لكنه وضح لها قصده.
إحنا مش بنعرض عليكي تعيشي هنا مقابل أي حاجة. إنتِ ليكي شغلك ومرتبك وخصوصيتك. الفكرة إننا نقدر نوفر لك مكانًا آمنًا لفترة، لحد ما تجمعي فلوس كفاية وتستأجري مكان يناسبك.
ماريانا فكرت شوية.
كان العرض مغريًا، خصوصًا إنها لسه ما جمعتش مبلغًا يكفيها لاستئجار شقة وتأمينها.
لكنها سألت سؤالًا مهمًا
ولو في يوم قررت أمشي، مش هتحسوا إني خذلتكم؟
ريكاردو رد من غير تردد
لأ. ده قرارك، وإنتِ حرة فيه.
إيلينا ابتسمت وأضافت
يا ماريانا، البيت مش فندق بندفع فيه مقابل الإقامة. البيت مكان الناس اللي فيه بيهتموا ببعض. بس ده مش معناه إنك تفقدي استقلالك أو تحسي إنك مدينة لنا بحاجة.
ماريانا حسّت إن الكلام صادق.
وبعد تفكير، وافقت إنها تقيم عندهم لفترة محددة، بشرط إنها تستمر في شغلها وتدخر جزءًا من مرتبها علشان تقدر تستقل بحياتها.
صوفيا، اللي كانت بتسمع من بعيد، جريت عليها وهي بتضحك.
يعني هتفضلي معانا شوية؟
ماريانا حضنتها.
أيوه يا صوفي، شوية.
لكن البنت الصغيرة رفعت صباعها وقالت بجدية
لأ، كتير أحسن!
ضحكوا كلهم، وحتى ريكاردو حس إن البيت بدأ يرجع له صوت الضحك اللي غاب عنه سنين.
ومع مرور الأيام، بقت الحياة في البيت مختلفة.
ماريانا كانت بتصحى بدري، وتروح المخبز، وترجع تساعد صوفيا في رسوماتها وألعابها.
وإيلينا بقت تعتبرها بنتًا قريبة منها، مش مجرد شابة استضافتها في ليلة باردة.
أما ريكاردو، فبدأ يكتشف إن ماريانا مش بس إنسانة طيبة، لكنها كمان عندها قدرة غريبة على إنها تلاحظ احتياجات الناس قبل ما يتكلموا.
ومع ذلك، ماريانا ما نسيتش هدفها.
كل شهر كانت بتحط جزءًا من مرتبها في حساب توفير صغير، وبتقول لنفسها إنها في يوم هتكون عندها شقتها الخاصة، وتقدر تفتح صفحة جديدة من غير ما تعتمد على حد.
لكن الحياة كانت مخبّية لها مفاجأة ما كانتش في حساباتها.
الفصل الثامن الورقة اللي قلبت مستقبل المخبز
بعد مرور ثلاثة شهور، المخبز بقى من أنجح المحلات الصغيرة في المنطقة.
وصفة كعك البرتقال والقرفة اللي اتعلمتها ماريانا من أمها بقت مشهورة، والناس بدأت تطلبها للمناسبات وأعياد الميلاد.
ماريانا اقترحت كمان إنهم يعملوا طلبات خاصة للمستشفيات والمدارس، ويقدموا علب صغيرة بأسعار مناسبة للعائلات.
إيلينا كانت فخورة بيها جدًا.
لكن في صباح يوم، وصل للمخبز خطاب رسمي من مالك العقار.
إيلينا قرأته مرة، وبعدها رجعت تقرأه تاني، ووشها اتغير.
ماريانا لاحظت قلقها.
خير يا طنط إيلينا؟
إيلينا حطت الورقة على المكتب.
صاحب العقار عايز يرفع الإيجار بنسبة كبيرة جدًا، وإحنا مش هنقدر ندفع المبلغ ده.
ماريانا أخدت الورقة وراجعت التفاصيل.
كان عقد الإيجار قرب ينتهي، والمالك بعت لهم إخطارًا بزيادة الإيجار بشكل ممكن يهدد استمرار المشروع.
ماريانا قالت
طب ما نتكلم معاه؟ يمكن نقدر نتفاوض على زيادة أقل.
إيلينا تنهدت.
حاولت قبل كده، لكنه رافض. هو عارف إن المكان بقى ناجح، وعايز يستفيد من ده.
في الأيام التالية، ماريانا بدأت تراجع حسابات المخبز، وتدور على بدائل.
لكنها اكتشفت إن نقل المشروع لمكان جديد هيحتاج مصاريف كبيرة، وإن خسارة الموقع الحالي ممكن تخليهم يخسروا جزءًا كبيرًا من الزباين.
وفي مساء اليوم نفسه، ريكاردو رجع البيت ولقى أمه وماريانا قاعدين قدام الأوراق.
لما عرف المشكلة، قال
أنا ممكن أساعد في دفع الإيجار الجديد لفترة.
إيلينا رفضت فورًا.
لأ يا ريكاردو. أنا مش عايزة المشروع يبقى عبء عليك، وإنت عندك مسؤولياتك ومصاريف صوفيا.
ماريانا سكتت شوية، وبعدها قالت
فيه حل تاني ممكن نجربه.
الكل