جوزي سابنى

بالضبط. وعشان كده، من اللحظة دي، مش هنتحرك خطوة واحدة من غير ما نوثّق كل حاجة.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن الشخص اللي حاول يدخل الأرشيف ما كانش الدكتور محمود، ولا حتى حد من فريقه.
كان شخصًا تانيًا، عنده مصلحة أكبر في اختفاء الملف… شخص لو اتكشف اسمه، مش بس قضية وفاة أحمد هي اللي هتتفتح، لكن سر قديم جدًا في عيلة ياسين المنشاوي كمان هيظهر للنور!
يتبع… الجزء الثالث الممرضة اللي اتهموها بقتل مريض بريء!
سلمى فضلت باصة للورقة اللي في إيدها، وعقلها بيرجع بيها لليلة وفاة أحمد عبدالسلام، المريض اللي مات في قسم الباطنة من ست شهور، واللي بعدها حياتها اتقلبت لجحيم.
افتكرت صوته وهو بينادي عليها قبل وفاته بساعات، وافتكرت إزاي طلب منها المية، وإزاي كان بيقول إن نفسه مكتوم ومش قادر يتنفس.
لكن أكتر حاجة وجعتها إنها افتكرت التحقيق اللي اتعمل معاها بعدها، لما مدير المستشفى وقتها اتهمها بالإهمال، وهددها إنها لو اتكلمت عن نقص الأدوية هتخسر شغلها.

وقتها اضطرت تسكت، لأنها كانت محتاجة مرتبها عشان تعالج أمها وتدفع مصاريف البيت.
بصت لأمها وقالت بصوت مخنوق
يا أمي، أنا كنت متأكدة إن فيه حاجة غلط حصلت في الليلة دي! المريض ده كان المفروض ياخد علاج معين، وأنا فاكرة إني شفت اسمه في سجل الأدوية، لكن لما طلبت الدواء من المخزن، قالولي إنه خلص.
الحاجة فاطمة مسكت إيد بنتها وسألتها
طب وإنتِ عملتي إيه وقتها؟
بلغت الطبيب المناوب، وهو قال إنه هيتصرف. وبعدها بساعات، الراجل مات. ولما التحقيق بدأ، كل واحد انكر إنه كان مسؤول عن الدواء، وفي الآخر حمّلوني أنا المسؤولية عشان كنت الممرضة الموجودة في القسم.
أمها تنهدت بحزن وقالت
والظلم عمره ما بيدوم يا بنتي، بس إنتِ لازم تدافعي عن نفسك المرة دي، ومتحخافيش من حد طول ما إنتِ ما غلطتيش.
سلمى رجعت بصت للخطاب.
كان مرفق معاه رقم تليفون، ورسالة قصيرة من ياسين
بكرة الساعة تسعة الصبح، هستناكي في مكتبي. فيه شخص لازم تقابليه، وشهادته ممكن تغيّر كل حاجة.
طول الليل، سلمى معرفتش تنام.
كانت بتفكر في سؤال واحد مين الشخص اللي ياسين عايزها تقابله؟
وفي صباح اليوم التالي، وصلت للمستشفى قبل ميعادها بنص ساعة.
لكن أول ما دخلت المبنى، لاحظت إن كل حاجة اتغيرت.
فيه فريق مراجعة مالي موجود في الإدارة، وموظفين بيفحصوا ملفات المخزن، وممرضات بيتكلموا بصوت واطي عن توقف مدير المستشفى عن العمل.
واحدة من زميلاتها قربت منها وقالت
إنتِ عرفتي إيه اللي حصل للدكتور محمود؟ بيقولوا إنه اتوقف بسبب فضيحة كبيرة!
سلمى ردت بهدوء
أنا معرفش غير إن فيه تحقيق، واللي عنده حق مش المفروض يخاف منه.
زميلتها بصت لها باستغراب، وكأنها مش مصدقة إن سلمى اللي كانت بتخاف حتى تطلب حقها في المرتب، بقت بتتكلم بالثقة دي.
وصلت لمكتب ياسين، ولما السكرتيرة شافتها، طلبت منها تدخل فورًا.
كان ياسين قاعد وراه المكتب، وقدامه راجل في أواخر الأربعينات، لابس قميص بسيط، وملامحه باين عليها التعب.
أول ما الراجل شاف سلمى، قام من مكان وقال
إزيك يا أستاذة سلمى؟
سلمى اتسمرت مكانها.
كانت تعرفه!
ده عم حسن، أمين مخزن الأدوية اللي اتنقل من المستشفى بعد وفاة أحمد عبدالسلام بشهر.
بصت لياسين وسألته
هو إيه اللي جابه هنا؟
ياسين أشار لها تقعد وقال
عم حسن طلب يقابلني من يومين، بعد ما عرف
إني بدأت أراجع حسابات المستشفى. عنده معلومات مهمة عن اللي حصل ليلة وفاة أحمد.
عم حسن نزل عينيه للأرض، وفضل ساكت شوية، وبعدها قال
أنا عارف إني اتأخرت، وعارف إن سكوتي كان غلط، بس أنا كنت خايف على عيالي. الدكتور محمود كان بيهددني كل ما أحاول أتكلم.
سلمى قربت منه وقالت
إنت كنت عارف إن المريض مات من غير ما ياخد علاجه؟
عم حسن رفع عينيه ليها، والدموع بدأت تتجمع فيها.
أيوه، يا بنتي. أنا كنت عارف إن فيه علب أدوية بتخرج من المخزن من غير ما توصل للمرضى، وكنت شايف توقيعات في السجلات مش بتاعة الناس اللي المفروض تكون استلمت.
سلمى حطت إيدها على بقها من الصدمة.
عم حسن كمل
ليلة وفاة أحمد، الدواء الخاص بيه اتسجل إنه اتسلّم للقسم الساعة سبعة مساءً، لكن الحقيقة إن العلبة دي خرجت من المخزن بعد كده بشاعتين، واتنقلت لمكان تاني. ولما اعترضت، قالولي إن دي تعليمات الإدارة، وإن ماليش دعوة.
ياسين سأله بجدية
عندك دليل على الكلام ده؟
عم حسن طلع من شنطته فلاشة صغيرة، وحطها على المكتب.
دي نسخة من سجل المخزن الإلكتروني قبل ما يتعدل. أنا احتفظت بيها لما بدأت أشك إن فيه تلاعب.
ياسين بص لمساعده، وطلب منه يفحص البيانات بطريقة رسمية ويحافظ على نسخة منها.
لكن قبل ما حد يتكلم، موبايل سلمى رن.
كان رقم غريب.
ردت، وسمعت صوت ست بتتكلم بسرعة
أستاذة سلمى؟ أنا نادية، الممرضة اللي اتفصلت من المستشفى. لازم أقابلك النهارده، فيه حاجة مهمة جدًا اكتشفتها.
سلمى افتكرت كلام ياسين عنها، وقالت
خير يا نادية؟ إنتِ عرفتي حاجة عن وفاة أحمد؟
نادية سكتت لحظة، وبعدها قالت بصوت مرتعش
أنا مش عارفة أقولك إزاي، بس فيه حد كان بيزور توقيعات التمريض على استلام الأدوية، والشخص ده لسه شغال في المستشفى.
سلمى حست إن قلبها وقف للحظة.
مين؟
نادية ردت
مش هقدر أقولك في التليفون. لازم تشوفي المستندات بنفسك، لأن الشخص ده مش بس كان بيزوّر التوقيعات… ده كمان كان بيحاول يلبّسك إنتِ المسؤولية عن وفاة أحمد.
المكالمة انتهت، وسلمى فضلت ماسكة الموبايل من غير ما تنطق.
ياسين سألها
قالتلك إيه؟
حكت له اللي سمعته، فقام من مكان وقال
هنقابل نادية، لكن مش هنواجه أي حد باتهام قبل ما نتأكد من الأدلة.
سلمى وافقت، رغم إن الغضب كان بيغلي جواها.
بعد ساعتين، قابلوا نادية
في مكتب محامي المجموعة الطبية، بعيدًا عن المستشفى.
أول ما دخلت، كانت ماسكة ملف بني قديم،
وبتبص وراها كأنها خايفة حد يكون بيتبعها.
قعدت قدام سلمى، وفتحت الملف.
كان جواه صور من سجلات الأدوية، ونسخ من توقيعات، وتقارير داخلية.
نادية أشارت لورقة وقالت
بصي على التوقيع ده يا سلمى.
سلمى قربت الورقة من عينيها، واتجمدت مكانها.
التوقيع كان باسمها!
ومكتوب تحته إنها استلمت جرعة الدواء الخاصة بأحمد عبدالسلام ليلة وفاته.
لكن سلمى كانت متأكدة إنها عمرها ما وقّعت الورقة دي.
رفعت عينيها لنادية وسألتها
مين اللي عمل كده؟
نادية أخدت نفسًا عميقًا، وقالت
أنا مش هقدر أجزم مين اللي زوّر التوقيع، لكن عندي صورة من رسالة داخلية بتوضح إن فيه تعليمات بتسجيل الأدوية على أسماء الممرضات حتى لو ما استلموهاش، عشان العجز ما يظهرش في الحسابات.
ياسين سألها
والرسالة دي جاية من مين؟
نادية قلبت الورقة، وورّتهم اسم الموظف اللي أرسلها.
سلمى قرأت الاسم، ووشها شحب.
لأن الاسم كان لشخص هي كانت بتثق فيه ثقة عمياء، وشخص وقف جنبها يوم التحقيق، وقال لها إنه هيشهد لصالحها مهما حصل.
كان اسم الدكتور كريم، الطبيب اللي سلّمها بنفسه تقرير التحقيق القديم، وأكد لها وقتها إنه حاول يدافع عنها!
سلمى رجعت بضهرها للكرسي، وهمست
مستحيل… كريم عمره ما يعمل كده!
لكن ياسين ما استعجلش في الحكم، وقال بهدوء
لسه محتاجين نتحقق من الرسالة ومن مصدرها. ممكن تكون حقيقية، وممكن يكون فيه جزء من الصورة مش واضح لسه.
نادية هزت راسها وقالت
فيه حاجة تانية، وأخطر من كل ده. الدكتور كريم طلب مني قبل ما أسيب الشغل إني أوقّع على إقرار إني استلمت أدوية ناقصة، ولما رفضت، اتهمني إني بسرق من المخزن.
سلمى بدأت تربط الأحداث ببعضها، لكن قبل ما تتكلم، دخل مساعد ياسين مسرعًا، وفي إيده موبايل.
قال بقلق
يا فندم، فيه مشكلة كبيرة في المستشفى. الدكتور محمود رجع النهارده، رغم قرار إيقافه، ومعاه محامي. وبيطالب بتسليم كل الملفات الورقية فورًا.
ياسين وقف وقال
مين سمح له يدخل الإدارة؟
المساعد رد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *