الضحك اللي بره ٢

كان قاعد مستنيني بابتسامته الهادية وبدلة شيك تليق ببطل قديم. قعدنا طلبنا الشاي، وحكالي عن تاريخه الطويل في الجيش، وإزاي فقد جزء كبير من سامعه نتيجة انفجار في إحدى العمليات، وإزاي المجتمع ساعات بيتعامل مع أصحاب الهمم أو المرضى كأنهم أرقام في ملفات مش بني آدمين لهم تاريخ وكرامة.

قعدنا نتكلم ساعات طويلة، ومن اليوم ده وبقى بيننا صداقة واحترام متبادل عظيم كأننا عيلة. لما رجعت الشغل، منصبي الجديد كرئيسة تمريض الطابق ما غيرش مني، بالعكس، خلاني أخد خطوة أوسع. أول حاجة عملتها إني بدأت أعمل جلسات سريعة وبسيطة لكل طاقم التمريض عشان يتعلموا أساسيات لغة الإشارة، وعملت إعلان واضح في كل الأقسام إن أي مريض عنده مشكلة في السمع أو الكلام يتم توفير مترجم أو وسيلة تواصل فورية ليه، عشان مفيش مريض تاني يدخل المستشفى دي ويحس إنه تايه أو مهمش.

أما ميرفت ودكتور حاتم، فالتحقيق معهم أثبت إهمالهم، والنتيجة كانت جزاء إداري ونقلهم لقسم تاني بعيد، والكل في المستشفى اتعلم الدرس بغرابة وقسوة إن الغرور بيوقع صاحبه، وإن الإنسانية والضمير هما أساس أي مهنة، خصوصاً التمريض.

أما أنا، فكل ما كنت أدخل طابق التمريض وأشوف الابتسامة وعيون المرضى وهما مطمنين، كنت بفتكر دايمًا نظرة سيادة اللواء وهو بيقولي “من أين عثر هذا المستشفى عليكِ؟”. ومن يومها عرفت إن المهنة دي مش مجرد شغلانة بنقبض منها آخر الشهر، دي رسالة وجبر خواطر، وإن الحق مهما اتدارى بيجي في يوم وينور زي الشمس.

#حكايات_شروق_خالدبعد مرور أشهر قليلة، اتحول الطابق ده في المستشفى لنموذج فريد ومختلف تماماً، وبقى معروف في المستشفيات كلها باهتمامه الإنساني وبإن كل مريض، مهما كانت ظروفه، بيلاقي اللي يفهمه ويسمعه. في يوم، وأنا واقفة فيكتة التمريض براجع الملفات، دخلت حالة جديدة..

أم مذهولة وماسكة إيد ابنها الصغير الأصم، وكانت عينيها مليانة خوف وقلق من اللي بتسمعه عن معاملة المستشفيات. قبل ما الأم تلحق تسأل أو تتلخبط، خرجت ممرضة من الفريق الجديد اللي دربته بنفسي، وقربت منهم وبكل هدوء رفعت إيديها وبدأت تكلم الطفل بلغة إشارة بسيطة ودافئة:أهلاً بيك يا بطل.

. نورتنا، متخافوش خالص، إحنا هنا عشان نساعدك. الأم أول ما شافتها بتكلم ابنها وبتفهمه من غير ما يتعرض لأي إهمال أو تجاهل، عيونها دمعت من الفرحة وراحت حضنت الممرضة وهي بتشكرها بحرارة. في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات مألوفة وصوت دافئ بينادي من أول الطابق:”مساء الخير على أحسن طاقم تمريض في مصر كلها.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *