حماتى سابتني
والطلقات كانت بتقرب من بعضها، لدرجة إني بقيت مش قادرة آخد نفسي. لكن ورايا، بعد لحظات من الصمت، سمعت الشيخ بيكمل الدعاء. كملوا دفن جوزي وأنا ماشية لوحدي، بولّد ابنه تحت المطر. ودي كانت اللحظة اللي عمري ما هقدر أنساها.
بعد حوالي تلاتة وعشرين دقيقة، كنت قاعدة في الكرسي الخلفي لتاكسي قديم، هدومي كلها مبلولة، وإيدي قابضة على طرف الكرسي وأنا بحاول أستحمل الطلقات اللي بقت أقوى وأقرب من بعض. السواق كان كل شوية يبصلي من المراية، وملامحه كلها قلق.
قاللي وهو بيحاول يسرّع على قد ما يقدر وسط زحمة الشوارع: «يا بنتي إنتِ كويسة؟ أطلبلك إسعاف؟» حاولت أتكلم، لكن صوتي كان بيطلع بالعافية. قلتله: «لأ… أرجوك، وصلني المستشفى بسرعة.» كنت اتصلت بالمستشفى بالفعل، وكلمت الدكتور اللي كان متابع حملي. لكن ما اتصلتش بناهد. ولا بكريم.
ولا بأي حد من عيلة المنشاوي. ما كنتش عايزة أسمع صوت حد فيهم، ولا عايزة أشوف وش واحد منهم تاني. بدل ما أضيّع وقتي في انتظار رحمة ناس ما عندهاش رحمة، حطيت إيدي المرتعشة على بطني، واتكلمت مع ابني اللي كان بيحاول ييجي للدنيا. وعدته وعد واحد.
إن العيلة اللي سابتنا تحت المطر عشان تحافظ على شكلها قدام الناس، هتعرف يومًا إن اللي حصل مش هيتنسي بسهولة. وإن العاصفة اللي افتكروا إنهم نجوا منها، لسه ما بدأتش أصلًا. وفي الساعة اتنين وواحد وأربعين دقيقة بعد نص الليل، وتحت نور أوضة الولادة الأبيض، اللي كان كاشف كل تفصيلة في المكان، ابني شاف الدنيا لأول مرة.
ما كانش فيه جوزي ماسك إيدي. ما كانش فيه جدة واقفة بره الأوضة بتعيط من الفرحة. ما كانش فيه عم مستني يسمع صوت ابن أخوه. ولا حد من عيلة المنشاوي جايب ورد أو بيدعيلي أو حتى بيحاول يعتذر عن اللي عمله. كنت أنا لوحدي.
أنا، وابني، وممرضة اسمها نيرمين. نيرمين كانت ست طيبة، مسحت العرق من على جبيني، وفضلت ماسكة إيدي طول الوقت. وفي آخر لحظات الولادة، قربت مني وقالت: «إنتِ قوية يا حبيبتي. إنتِ مش لوحدك هنا، طول ما أنا جنبك.» وبعد لحظات، حطوا ابني على صدري. كان دافي. وصغير.
وبيصرخ بأعلى صوته، كأنه معترض على الدنيا من أول ثانية. لكن صوته كان أجمل صوت سمعته في حياتي. كان عنده شعر أسود شبه شعر ياسين، وبُق صغير مرسوم زي بُقي، وملامح خلت قلبي يتوجع من كتر ما افتكرت أبوه.