حماتى سابتني

حماتي سابتني وانا بولّد لوحدي في قلب جنازة جوزي وقالتي «اطلبي تاكسي!».. وبعد 12 يوم جت تشوف حفيدها، فسألتها: «أنهي واحد فيهم؟!في الصبح اللي كانوا بيدفنوا فيه جوزي، السما ما كانتش بتمطر بهدوء، دي كانت بتصب غضبها على الدنيا كلها.

المطر كان نازل بغزارة، بيخبط في الشماسي السودا، وبيغرّق الطرح والهدوم، والطين كان مالي الأرض حوالين المقبرة، لدرجة إن كل خطوة كنت باخدها كانت بتغرز رجلي أكتر في الأرض. كنت واقفة جنب النعش، إيديا متشبثة بالسور النحاسي اللي حواليه، وأنا في آخر الشهر التاسع من الحمل، وأرملة عندي 32 سنة، بحاول آخد نفسي وسط وجع أكبر من إني أقدر أستوعبه.

صوت الشيخ وهو بيقرأ القرآن كان بيضيع وسط صوت المطر، والوشوش اللي حواليا بدأت تتشوش قدام عيني من كتر العياط. أهل جوزي، وقرايبه، وجيرانه، وشركاه في الشغل، والناس اللي جم يعزّوا في وفاة واحد من أكبر رجال الأعمال في القاهرة.

كلهم كانوا عارفين إن اليوم ده يوم حزين، وكلهم بعد الدفن هيروحوا بيوتهم، يغيروا هدومهم المبلولة، ويشربوا حاجة سخنة، ويتكلموا عن المصيبة اللي حصلت. لكن أنا ما كنتش هقدر أرجع البيت وأنسى اللي حصل. لأن جوزي، ياسين، كان هو بيتي وأماني، والمكان الوحيد اللي كنت بحس فيه إني مش لوحدي في الدنيا.

أو على الأقل، كان كده لحد ما مات. دلوقتي كان نايم في نعش خشب غالي، مستعد ينزل للقبر، وأنا جوايا شايلة آخر حاجة فاضلة من حياتنا اللي كنا بنحلم نعيشها سوا. طفلنا اللي ياسين كان مستنيه من سنين، واللي كان بيحط إيده على بطني كل ليلة، ويكلّمه كأنه صاحبه، ويحكيله عن اليوم اللي هياخده فيه يلعب معاه في الجنينة.

لكن ياسين مات قبل ما يشوفه. وفي الناحية التانية، كانت واقفة حماتي، الست ناهد المنشاوي. ناهد كانت من النوع اللي حتى الحزن عنده لازم يبقى شيك وعلى أعلى مستوى. لابسة بالطو أسود غالي، وطرحة سودا متقفلة بعناية، وجوانتي جلد، وواقفة وسط المعزّين كأنها في مناسبة رسمية، مش في جنازة ابنها.

حتى وهي في عز المطر، شعرها ما اتحركش من مكانه، وأحمر الشفايف بتاعها ما اتمسحش، ودقنها كانت مرفوعة بفخر، كأنها بتقول لكل اللي حواليها إن عيلة المنشاوي أقوى من أي مصيبة. جنبها كان واقف ابنها التاني، أخو ياسين الأصغر، كريم المنشاوي.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *