شابة بلا مأوى تطلق
شابة بلا مأوى تطلق سراح زعيم مافيات مكبل بالسلاسل في مسلخ، وطلب منه أصابها بالرعب!
أول حاجة لفتت نظري في الراجل اللي كان متعلّق من خطاف اللحمة إنه بطل يترعش خلاص.
وتاني حاجة، إن فيه حد سابه هناك متعمّد، حافي على الثلج، في مبنى كان هيتهدّي كمان أربعة أيام.
والتالتة، صوته اللي كان هادي أوي والبرد بيسحبه للموت.
—قبل ما تنزليني، قوليلي فيه كم عربية برّه.
اللوح الخشبي المعفّن طقطق تحت جزمتي اليمين الساعة واحدة وسبع دقايق بالليل.
اتزحلقت على حبل الأمان بتاعي، اللي كنت ربطاه في عمود مصدي.
كتفي خبط في درابزين كُلّه تلج.
وتحت رجلي اتفتحوا تلات أدوار ظلام.
السلخانة القديمة كانت زمانه دلوقتي مقبرة طوب مكسور، مواسير متلجة، وخطافات حديد.
قضيت شتاين وأنا بفكك المباني الميتة.
عارفة إيه الدور اللي يشيل وزن، وإيه السلالم اللي مقلب، وإيه الأصوات اللي مش ممكن تكون في مبنى فاضي.
الصوت اللي سمعته لما رجعت للممر مكنش واحد من دول.
طفيت كشّافي ووقفت مكاني متسمرة.
عديت سبع دقات لقلبي.
صوت ضعيف.
سبعة كمان.
بطيء.
منتظم.
نَفَس.
مشيت ورا الصوت في ممر بيبانه معوجة.
الأوضة الأولى: مفيش.
التانية: خرابة.
التالتة: ضلمة.
في الأوضة الرابعة وقفت.
نَفَس.
زقيت الباب بكتفي لحد ما اتفتح بصريفة تطلع طقطقة تخدش.
طلع هوا ساقع أوي كأنه ليه وزن.
سلطت النور فوق: خط حديد، خطافات، تلج متعلّق زي سنان بيضا.
وشفته.
كان فيه راجل متعلّق من الخطاف اللي في النص.
إيديه متكلبشة فوق راسه وفيه سلسلة تانية لافة على وسطه.
كانوا مقلوعين جزمته.
رجليه العاريين لامسين طبقة مياه نص متلجة.
لابس بنطلون غامق وقميص أبيض مفتوح من الرقبة.
كان ضخم، في أوائل الأربعينات، وشعره فيه خصل فضي.
مبصّتش على وشه الأول.
تدريب قديم صحي جوايا قبل الخوف.
لون الجلد.
النَفَس.
شكل العضلات.
الرعشة.
مفيش أي رعشة.
ودي أكتر حاجة رعبتني.
الناس فاكرة إن الرعشة هي الخطورة في البرد الشديد.
لا، مش هي.
اللحظة المرعبة بجد هي لما الرعشة تقف.
حطيت الكشاف على كرتونة، وموجّهه للسقف عشان ما اعميهوش.
قربت عشان ألمس رقبته.
عنيه اتفتحت.
رمادي.
أصفى بكتير من العادي.
قلعت الجوانتي بتاعي وضاغط بصبعين تحت دقنه.
النبض.
بطيء.
ضعيف.
موجود.
— تقدري…؟
— دخلتي منين؟
صوته كان خشن بس مسيطر على نفسه.
— إيه؟
— المدخل.
— من الغرب.
— باب التحميل الرئيسي اللي في الغرب؟
— باب الشحن، ورا كومة البالتات.
— فيه كام عربية برّه؟
— مفيش.
— لفتّي على السور كله؟
— أيوة.
— كله؟
— أيوة.
— التلج غويط قد إيه؟
— فوق الكاحل بشوية.
— لسه بينزل؟
— أيوة.
هز راسه برقة.
وهنا فهمت.
مكنش بيسألني لو أقدر أنقذه.
كان بيقيس إذا كان المكان ده لسه فخ.
وإذا كنت بقوله الحقيقة ولا لأ.
طلعت من شنطتي القصافة اللي بقطع بيها النحاس اللي باكل منه عيش.
أول حلقة قطمت بصوت طلقة رصاص.
التانية أخدت وقت أكبر، عشان إيدي كانت بترعش وهو إيديه مبقتش تقدر ترعش.
لما آخر سلسلة وقعت، جسمه انهار زي شوال ميت.
مسكته بكتفي ونزلته على الأرض المتلجة.
نفسه كان خيط رفيع.
ساعتها إيده قفلت على معصمي.
مش ضعيفة.
مش مرتعشة.
ناشفة وزي الكلابشات الحديد.
واتكلم الأول، بصوت واطي ومهدج جمدني أكتر من التلج:
— حاجة كمان… وعاوزك تقولي أيوة.
— إيه هي؟
— خبيني النهاردة بالليل، في المكان اللي بتنامي فيه أنتِ.
عنيه الرمادي متتحركش.
— ولو جم قبل الفجر، اطفي النور، متعمليش أي صوت، واعملي نفسك أصلاً ما لقيتنيش.
— عشان لو عرفوا إني لسه بتنفس… مش جايين عشاني لوحدي.
#حكايات_شروق_خالد