شابة بلا مأوى تطلق سراح
قمنا بسرعة. بصيت للفرشة والحتة اللي قاعدين فيها، بس مكنش فيه وقت للتفكير أو الحزن على أي حاجة.
— استنى يا فؤاد، رجليك لسه متاثرة من التلج والكلبشات. — قلتها وأنا بمد إيدي أجيب قطعة قماشة نضيفة أربط بيها رجله بسرعة عشان توقف الوجع شوية.
— مش وقته يا شروق، الوجع ده ولا حاجة قصاد الرصاص اللي هيستنانا لو فضلنا هنا دقيقة كمان. — قالها وهو بيسند بكتفه على الحيطة وبيحاول يوازن نفسه.
فتحت باب الأوضة بحذر شديد، وبصيت في السلم المظلم. الدنيا برّه كانت هدوء مرعب، والبرد قارس والثلج خفيف لسه بيطير في الهوا. سحبته ورايا ونزلنا على مهلنا، خطوة بخطوة، بنحاول متسيبش أي صوت يفتن علينا.
لما وصلنا للشارع، الهوا الساقع ضرب في وشنا زي السكاكين. فؤاد كان ماشي بصعوبة وبيداري ألمه بوش جامد، وعينه الرمادي بتراقب كل زاوية في الشارع المظلم كأنه بيقيس المسافات لاشتباك جاي.
— على فين؟ — سألني بصوت واطي وهو بيكح كحة خفيفة كاتمها بصعوبة.
— فيه ورشة تصليح قديمة في آخر المنطقة، بعيدة عن عيونهم ومفيش حد بيروحها خالص.. تعال ورايا.
مشينا في الحواري الضيقة والمظلمة، متواريين في ظل الحيطان، وكل عربية تعدي في الشارع الرئيسي كانت بتخلي قلبنا يقف في مكانه. وبعد مشقة وتعب، وصلنا قدام مبنى مهجور بابه مكسور.
فتحت الباب ودخلناه بسرعة. قعد على الأرض وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة، وبص لي بنظرة كلها تقدير وسط الجدية والبرود اللي في عينه.
— شكلك أصلب بكتير مما كنت متوقع يا شروق. — قالها وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة.
رديت عليه وأنا بقفل الباب بحذر:
— الشارع بيعلم يا فؤاد… ودلوقتي، قولي خطتك إيه؟ الناس دي مش هتبطل دوران لحد ما يلاقوك، وإحنا كده بقينا في وش المدفع.
فؤاد غمض عينه ثواني، ولما فتحها، نظرة الانتقام كانت بتلمع في عينه بوضوح:
— خطتي بسيطة… هندخل معركة كسر عظم مع الشريك الخاين ده، بس الأول لازم نجمع قوتنا ونعرف مين من رجالتي لسه مخلص ومستنيني، ومين اللي باعني في اللعبة دي.
بص في ركن الورشة المظلم، ودعك دماغه بإيده كأنه بيحاول يطرد الصداع ويفكر وسط التعب.
— معاكي تليفون؟ أي حاجة نقدر نتواصل بيها من غير ما يتتبعوا إشارتنا؟
فتحت شنطتي وطلعت جهاز قديم بشاشة مشروخة بس لسه شغال.
— ده أخدته من مبنى قديم كنت بفككه من فترة، الشريحة متشالة بس فيه شبكة طوارئ، وكنت بستخدمه أحياناً.
فؤاد أخد التليفون وبصه بتركيز شديد، وقال بصوت حازم:
— كويس جداً. مش هنخاطر ونكلم حد مكالمة عادية، بس لازم نبعت رسالة لرجل واحد بس من رجالتنا القدام… واحد اسمه “سليم”. لو هو لسه على العهد وماتباعش زي الباقيين، هيعرف إزاي يوصل لنا من غير ما حد يحس.
— وسليم ده مضمون؟ — سألته بقلق وأنا باصة للباب المكسور وعيني على الشارع.
— الوحيد اللي أقدر أثق فيه أكتر من نفسي. — قالها وهو بيضغط بحذر على أزرار التليفون القديم عشان يكتب الرسالة.
قعدنا في الضلمة دقايق طويلة، كل صوت في الشارع كان بيخلي أنفاسنا تقف. وفجأة، الشاشة الصغيرة نورت بهزة خفيفة… التليفون استقبل رد.
فؤاد بص في الشاشة، وابتسامة غامضة ظهرت على وسطه، وقال:
— اللعبة بدأت.. سليم رد، وقال إنه جايلنا حالا ومعه اللي هيخلينا نقلب الطاولة على الكل.
#حكايات_شروق_خالدمرت دقائق كأنها ساعات واحنا قاعدين في زاوية الورشة الضلمة، صوت الهوا وهو بيخبط في الصفيح برّه كان بيزود التوتر. فؤاد كان قاعد مركز بعينه الرمادي على الباب، وإيده على جيبه كأنه مستعد لأي مفاجأة.
فجأة، سمعنا صوت فرامل عربية وقفت بهدوء شديد بعيد عن الورشة بشوية، وبعدها خطوات خفيفة ومنتظمة بتقرب من الباب.
فؤاد اتشدّ في وقفته ورفع إيده إشارة لي عشان ألتزم الصمت، ووقف قدام الباب بظهر مستقيم رغم التعب اللي كان مأثر عليه.
خبطة خفيفة ومترتبة على الخشب: خبطتين… وبعدهم تلاتة.
فؤاد اتنفّس بعمق وفتح الباب بحذر شديد.
دخل شاب في أواخر العشرينيات، لابس جاكيت اسمر تقيل، وشعره مندي من التلج. أول ما شاف فؤاد واقف قدامه، عينه لمعت بدموع الفرحة والدهشة، ونزل على ركبة نص نزلة باحترام كبير.
— باشا… الحمد لله إنك عايش. كنت خايف أكون جيت متأخر.
— قوم يا سليم. — فؤاد مد إيده وقفه وضمّه بحرارة سريعة. — كنت عارف إنك الوحيد اللي مش هتبيعني.
سليم بص لي نظرة سريعة فيها استغراب، وبعدين رجع وبص لفؤاد وقال بجدية:
— الوضع برّه ولّع يا فؤاد بيه. “عماد” مسك الشغل كله، ووزّع رجالة في كل حتة ومفهم الكل إنك سافرت برا البلد فجأة، واللي يعترض بينهي أمره. بس أنا قدرت أخبي كمية س\لاح وفلوس في مخزن قديم بعيد عن عينهم.
فؤاد ضيق عينه والشرارة رجعت تنور فيها:
— كويس أوي.. عماد مفكر إنه خلص مني بالضربة القاضية، بس لسه ماعرفش إن العاصفة هتبتدي دلوقتي.
سليم فتح شنطة سودة صغيرة كان جايبها معاه، وطلع منها مس\دسين، خذنة رصاص إضافية، وجهاز تتبع صغير وبعض الأوراق، ومدّهم لفؤاد، وبعدين طلع تليفون صغير نظيف وداهولي وقال:
— خدي ده يا شروق، التليفون القديم ده ممكن يتراقب في أي لحظة.. وده أقل واجب ليكي بعد ما أنقذتي الباشا.
بصيت لفؤاد وهزيت راسه بامتنان، وأخذت التليفون.
فؤاد جهز الس\لاح، ولقم الرصاص بصوت معدني واثق، وبص لنا الاتنين وقال بصوت حاسم:
— يلا يا رجالة.. الليلة دي مش هنبات غير واحنا مستردين عرشنا، وعماد هيعرف مين هو فؤاد الروبلي بجد.
ركبنا عربية سليم، عربية دفع رباعي قديمة لونها أسود ومستخبية بين الشجر برّه الورشة. سليم كان سايق بحذر شديد، والنور مطفي عشان ما يلفتش نظر حد في الحواري الضلمة.
فؤاد كان قاعد في الكرسي اللي ورا، بيجهز المس\دس وبيفحص الخزنة بهدوء تام، وعينه الرمادي مثبتة على الطريق قدامنا. أما أنا فكنت ماسكة التليفون الجديد اللي سليم إداني لي، وباصة من إزاز العربية على الشوارع اللي بتعدي بسرعة.
— عماد قاعد ونايم في العسل دلوقتي يا فؤاد بيه، مفكر إنك في خبر كان وخلاص قفل اللعبة لصالحه. — قالها سليم وهو بيبص في المراية ودايس بنزين بحذر.
— خليه نايم، عشان فجوة النوم دي هي اللي هدخلّه منها. — رد فؤاد بصوت هادي بس مليان شرارة. — مقره الجديد فين دلوقتي؟ في الفيلا الرئيسية على كورنيش المقطم؟
— لأ يا باشا، نقل قاعدته مؤقتاً لمخزن كبير تحت الإدارة بتاعت الشركة القديمة في وسط البلد، هناك بيقابل الرجالة الكبار وبيتفق على صفقات بكرة وبيوزع الغنائم.
فؤاد ضحك ضحكة قصيرة وخشنة، وقال:
— حلو أوي.. وفر علينا مشوار طويل. اطلع بينا على وسط البلد يا سليم، وليلة عماد السودة هتبتدي حالا.
بصيت لفؤاد وقلبي بيدق جامد، حسيت إن البنت اللي كانت بتفكك النحاس عشان تأكل يومها، بقت في لحظة في قلب معركة بين كبار البلد. بس مكنش فيه رجوع… يا إما نخلص عليهم، يا إما نضيع كلنا.
#حكايات_شروق_خالد