شابة بلا مأوى تطلق
بصيت في عينه الرمادي اللي مليانة غموض، وحرارة الخوف سرت في عروقي، بس حسيت إن مفيش مجال للنقاش أو الاختيار.
— قوم معايا… بس من غير صوت واحد.
سندته، وكان وزنه كله تقيل على كتافي. خرجنا من الباب الخلفي للسلخانة، والثلج كان بيغطي آثار رجليننا أول بأول. مشينا في الحواري المظلمة والمناطق الهادية لحد ما وصلنا لمخبلي؛ أوضة صغيرة فوق سطح مبنى قديم في حتة مقطوعة.
دخلت وقفلت الباب بالترباس وحطيت كرسي وراه للزوم الأمان. نيمته على الفرشة القديمة اللي على الأرض، وجريت أجيب طبق فيه مية دافية وحتة قماشة نضيفة.
كنت بمسح أثر الدم والتجمد من على جلده، وهو كان باصص للسقف بعينين بتراقب كل حركة كأنه قاعد في ساحة حرب مش مجرد أوضة خرقا.
— اسمك إيه؟ — سألته بصوت واطي وخايف.
— فؤاد. — قالها ونبرة صوته فيها حسم مش مسموح بالنقاش فيه. — ومن اللحظة دي، إحنا الاتنين في نفس المركب المخرومة.
قبل ما ألحق أرد، صوت عربية وقفت تحت المبنى على طول.
نور كشاف قوي عدى من شق الشباك وعمل خطوط بيضا على الحيطة المتقشرة.
فؤاد اتعدل في سرعة البرق، وشدني من دراعي وخلاني أنزل معاه على الأرض جنب الحيطة، وحط كفه القوي على بوقي عشان يكتم أي نَفَس.
برّه، صوت خطوات تانية تقيلة وطالعة على السلم الخشبي بتاع السطح… وتقرب من الباب خطوة بخطوة.
الخطوات وقفت برّه الباب بالضبط.
صوت احتكاك خشن على الخشب. حد كان بيلمس الترباس أو بيجرب يزق الباب.
النَفَس بتاعي كان واقف في زوري، وحرارة جسم فؤاد كانت لازقة في كتفي وهو كاتم بوقي بإيده القوية. عينه الرمادي كانت مثبتة على باب الأوضة، كأنه صقر بيستعد ينقض، رغم كل البرد والتعب اللي جسمه لسه طالع منه.
الصوت برّه سكت ثواني، وبعدين رجع صوت تلات رجالة بيتكلموا بصوت واطي وخشن:
— “فتشنا الدور اللي تحت.. اطلع شوف السطوح دي يمكن يكون خبى نفسه هنا ولا هنا.”
صوت خطوات تقيلة بدأت تطلع على السلم الخشبي، خشب السطح طقطق تحت رجليهم، وقربوا لدرجة إننا كنا سامعين صوت أنفاسهم من وراء الباب المخلّع.
إيدي على الأرض اتمسكت برملة وخشب قديم، كنت حاسة إن النهاية جت خلاص.
فجأة، الخطوات وقفت قدام الباب مباشرة، وتنهيدة قريبة قطعت النفس.
وبعدين… صوت راجل تاني نده من تحت:
— “يا عماد! تعال هنا.. لقينا أثر رجلين نازل على الناحية التانية من الشارع!”
الخطوات اللي برّه الباب ترددت ثواني، وبعدين رجعت تبعد بسرعة، وسامعين صوتهم وهو بينزلوا السلم نطة ورا نطة لحد ما الصوت اختفى في الشارع المظلم.
فؤاد شال إيده من على بوقي ببطء، وخد نَفَس عميق، ووشه كان باين عليه إن الإجهاد مأثر فيه بس هادي بشكل يخلي الواحد يخاف أكتر.
— “كانوا على بُعد خطوة.” — قالها بصوت واطي جداً.
بلعت ريقي بصعوبة وسألته، وصوتي كان بيترعش:
— “هما مين دول يا فؤاد؟ وإيه اللي جابك في السلخانة دي وأنت بالمنظر ده؟”
بص لي نظرة طويلة كأنه بيوزن إذا كان يقدر يثق فيا للآخر، وبعدين اتكلم بجدية:
— “اللي رموني هناك هم رجالتي.. أو بالأحرى، شريكي اللي حب يخلص مني عشان ياخد كل حاجة لوحده. ودول ناس مبيهزروش ومش هيسيبوا أثر وراهم.”
وقف بصعوبة واعتمد على دراعه، وكمل:
— “ولأنك شوفتيني وأنقذتيني، بقيتي في نفس الدائرة معايا يا…؟”
سكت وهو مستني اسمي.
رديت بصوت متهدج:
— “شروق.”
هز راسه ببطء وقال:
— “يا شروق.. لو فضلنا هنا دقيقة زيادة، هنموت إحنا الاتنين. قومي، لازم نتحرك فوراً قبل ما يفهموا لعبتنا.”
#حكايات_شروق_خالد