قصّت شعرها الطويل

دخل يوسف الحجرة وهو يربط حزامه، يبدو عليه النشاط بعد أن تعافى تماماً. نظر إلى شقيقته وقال بامتنان: “ليلى… أنا لا أعرف كيف أشكرك. لقد أنقذتِ حياتنا وحافظتِ على عملي. من الآن فصاعداً سأتولى أنا كل شيء.”ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة وقالت: “المهم أنك بخير يا يوسف.

ولكن… انتبه، الفرس بدرية أصبحت هادئة، لكن الحاكم سليم يهتم بأمرها كثيراً ويتابعها يومياً.”سألها يوسف بدهشة: “الحاكم بنفسه؟ يتحدث مع صبي الإسطبل كل يوم؟”أومأت ليلى برأسها ودون أن تشعر احمرت وجنتاها، فتفاديت النظر في عينيه. في عصر ذلك اليوم، ذهب يوسف إلى القصر.

ارتدي ملابسه واستلم عمله، بينما جلست ليلى في البيت تأكلها الغيرة والشوق. لم تستطع تحمل البقاء في المنزل؛ كان خيال سليم وهو يقف في الإسطبل لا يغادر عقلها. عند الغروب، عادت قدم ليلى تسوقها رغماً عنها نحو أسوار القصر.

التفت بلثام أخفى معظم وجهها ووقفت قريبة من الفناء الخارجي تحاول استراق النظر من بين ثقوب السياج الخشبي. في تلك اللحظة، كان سليم يقف في الإسطبل، وعيناه تبحثان عن الصبي الذي اعتاد رؤيته خلال الأسابيع الماضية.

تقدم يوسف نحو الفرس بدرية ليمسك بلجامها، لكن الفرس نفذت بصوت عالٍ وراجعت إلى الخلف بذعر. لم تتعرف على يوسف، ورائحة الخوف التي أطلقها الصبي عندما جأرت الفرس جعلتها تضطرب أكثر. اقترب سليم بحواجب معقودة. نظر إلى يوسف ملياً وقال بصوت صارم: “ما بك اليوم؟

أين الهدوء الذي كنت تتعامل به معها؟ ولماذا تبدو مختلفاً؟”ارتبك يوسف وتلعثم: “يا… يا مولاي، أنا فقط تعب قليلاً اليوم.”خطا سليم خطوة نحو يوسف، وعيناه الحادتان تفحصانه بدقة. سليم لم يكن رجلاً عادياً؛ كان يمتلك حواساً قوية وفراسة عالية.

لاحظ أن هذا الصبي أطول قليلاً، وصوته فيه خشونة تختلف عن الصوت الناعم الدافئ الذي اعتاد سماعه، والأهم من ذلك… الفرس بدرية التي تروضت تماماً ترتعد الآن خوفاً منه!قال سليم بنبرة دافئة ولكنها تحذيرية: “أنت لست الصبي الذي كان يروض بدرية. من أنت؟

وأين هو الصبي الذي كان هنا بالأمس؟”ارتعد يوسف وسقط على ركبتيه خائفاً: “العفو يا مولاي! العفو!”من خلف السياج، كادت روح ليلى تخرج من جسدها وهي ترى أخيها يجثو على الأرض أمام سليم الصارم.

لم تفكر مرتين؛ اندفعت من خلف السياج ودخلت الفناء وهي تصرخ: “انتظر يا مولاي! لا تؤذيه!”التفت الجميع في الإسطبل بصدمة. تقدمت ليلى بخطوات سريعة ووقفت بين سليم ويوسف. كان لثامها قد سقط جزئياً، وشعرها الذهبي المقصوص يتطاير مع الهواء. نظر سليم إليها. خيم صمت رهيب على المكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *