قصّت شعرها الطويل
تطلعت عيناه الرماديتان في وجهها… ثم هبطت نظرته إلى عينيها الواسعتين اللتين لا يمكن أن يخطئهما. قال سليم بصوت خفيض وعميق، يحمل خليطاً من الصدمة والدهشة: “أنتِ…”اقتربت بدرية فوراً من ليلى ووضعت رأسها على كتفها بتهدئة، لتقطع كل شك كان يمكن أن يخالج عقل الحاكم.
نظرت ليلى إلى الأرض وقلبها يخفق كالطبول وقالت بصوت يرتجف: “يا مولاي… أنا لست يوسف. أنا أخته. يوسف كان مريضاً بفرِاش الموت ولم نملك ثمن الدواء أو الطعام. قصصت شعري وبعته للتاجر لآتي بالمال، وارتديت ثيابه لأحافظ على عمله حتى لا نموت جوعاً.
أخي لم يفعل شيئاً، العقاب لي وحدي!”استمع سليم إلى كلماتها، وفي تلك اللحظة رُكبت كل أجزاء الصورة في عقله: الشعر الذهبي الذي رآه بالأمس على النبيلة… الصوت الناعم… المعصمان النحيفان… والنظرات الدافئة التي كانت تبتسم له كل يوم. خطا سليم خطوة بطيئة نحوها.
لم يبدُ عليه الغضب، بل كان في عينيه بريق غريب يمتزج بالحنان والذهول. قال بهدوء جعل الجميع يحبسون أنفاسهم: “إذن… الشعر الذهبي الذي كان التاجر يبيعه في السوق… كان شعركِ أنتِ؟”رفعت ليلى عينيهما والدموع تترقرق فيهما وأومأت برأسها: “نعم يا مولاي.
“ابتسم سليم ابتسامة حقيقية ولطيفة للمرة الأولى منذ سنوات، ابتسامة أضاءت وجهه الصارم، وقال بنبرة دافئة: “والفرس التي أردتُ إهداءها لعروسي المستقبلية… يبدو أنها اختارت صاحبتها بنفسها منذ اليوم الأول.”اتسعت عينا ليلى بصدمة وشعرت بوجنتيها تتوهجان: “يا مولاي…؟
“التفت سليم إلى يوسف وقال: “قم يا يوسف، عملك في الإسطبل قائم وزيادة أجرك كما هي.” ثم التفت إلى ليلى واقترب منها حتى لم تفصل بينهما سوى خطوات معدودة وقال بنبرة ساحرة: “أما أنتِ… فلن تحتاجي للبس ثياب أرديتها مجدداً، ولا إلى إخفاء شعركِ الذهبي.
فقد وجدتُ أخيراً المرأة التي تستحق أن تكون إلى جواري.”شعر يوسف والجميع بالذهول، بينما وقفت ليلى تدق ضربات قلبها فرحاً وخجلاً، ممسكة بفرسها بدرية، ومدركة أن تضحيتها من أجل أخيها لم تنقذ عائلتها فحسب، بل قادتها إلى قلب الرجل الذي أحبته في السر.
#حكايات_شروق_خالدتقدم الحاكم سليم بخطوة أخرى حتى أصبح قريبًا منها لدرجة جعلت أنفاسها تختلط بنسيم المساء. مد يده بحذر، كأنه يخشى أن تكون هذه اللحظة برمتها مجرد حلم يزول باللمس، وأطراف أصابعه لامست خصلات شعرها القصير المتبقية بلطف شديد.