عملت عمليه
عملت عملية عشان أرجّع نظري بعد 20 سنة من العمى، رغم إن جوزي كان بيتوسل ليا إني ماعملهاش… لكن أول ما فتحت عيني وشوفته، فهمت أخيرًا هو كان خايف من إيه!
أنا فقدت نظري وأنا طفلة صغيرة.
الحكاية بدأت بهزار… كنت بلعب على المراجيح في الملعب، وفجأة ابن جيراننا زقّني، فوقعت على صخرة.
إصابة واحدة… وعملية جراحية، وبعدها عملية تانية.
لكن الدكاترة مقدروش ينقذوا نظري.
كنت بكره الضلمة اللي عايشة فيها، لكن غصبت نفسي أتعلم إزاي أعيش وسطها.
ما استسلمتش، ولا قفلت على نفسي. خلصت دراستي، ودخلت الجامعة، وكملت حياتي بشكل طبيعي على قد ما قدرت.
العمى ماقدرش يوقفني، لكن كان فيه حلم واحد نفسي أحققه أكتر من أي حاجة في الدنيا…
إني أشوف تاني!
في واحدة من زياراتي للمستشفى، قابلت دكتور عيون شاب اسمه نايجل.
أول مرة اتكلمنا فيها، حسيت إن صوته مألوف بشكل غريب.
سألته باستغراب هو إحنا اتقابلنا قبل كده؟
رد عليّا لأ.
بدأت علاقتنا تكبر، وواحدة واحدة حبينا بعض، لحد ما اتجوزنا، وخلفنا طفلين.
وفي يوم، ابني الكبير سألني سؤال وجع قلبي
ماما، لما تقدري تشوفي تاني، هتعرفيني من وسط الناس؟
السؤال ده فضّل عالق في دماغي، وخلاني أتمنى إني أشوف ولادي ولو مرة واحدة في حياتي.
أما نايجل، فما استسلمش أبدًا لمحاولاته إنه يرجّعلي نظري. فضِل سنين بيتعلم ويدرّب نفسه، وبيحاول يوصل لطريقة تخليني أشوف الدنيا من جديد.
لحد ما جه اليوم اللي دخل عليّا فيه، وصوته كان مختلف.
قال لي لقيت الطريقة اللي ممكن ترجّعلك نظرك!
قلبي طار من الفرحة، لكن قبل ما ألحق أتكلم، كمل كلامه بجملة صدمتني
بس في نفس الوقت… أنا مش عايزك تعملي العملية دي!
بصراحة، ما فهمتش قصده.
إزاي دكتور قضى سنين من عمره بيحاول يرجّعلي نظري، ولما أخيرًا لقى الحل، يطلب مني إني أتراجع؟
وكل ما ميعاد العملية كان بيقرب، كان بيحاول أكتر إنه يقنعني أغيّر رأيي.
مرة يتكلم عن ولادنا، ومرة عن حياتي، ومرة يحذرني من الحاجات اللي ممكن أخسرها لو قررت أشوف تاني.
كنت مرعوبة، لكن حلمي كان أكبر من خوفي.
وفي النهاية، قررت إني أخوض التجربة مهما حصل.
والصدمة الأكبر إن نايجل نفسه هو اللي أجرى العملية!
قبل ما المخدر يبدأ مفعوله، قرّب مني وباسني، وبعدها غبت عن الوعي.
ولما بدأت أفوق، كان هو موجود جنبي.
عيني كانت لسه متغطية بالشاش، وماكنتش قادرة أشوف أي حاجة.
لكن أول ما سمعت صوته، حسيت إن فيه حاجة غلط.
سألته بقلق نايجل، هو… هو العملية فشلت؟
رد عليّا لأ، العملية نجحت. إنتِ خلاص هتقدري تشوفي تاني.
لكن الغريب إن صوته ماكانش فيه أي فرحة.
كان بيتكلم وكأنه شايل جبل فوق قلبه.
بدأ يفك الشاش من على عيني واحدة واحدة، وفجأة وقف وقال بصوت مهزوز
أرجوكي، ما تكرهينيش… قبل ما تشوفيني، لازم تعرفي حاجة. الحقيقة مش زي ما إنتِ متخيلاها.
ضحكت ضحكة متوترة، لأني ماكنتش فاهمة هو بيتكلم عن إيه.
كل اللي كنت بفكر فيه إني أخيرًا هشوف جوزي، وولادي، وملامح وشي لأول مرة من عشرين سنة.
وبعدين فك آخر قطعة شاش.
النور غمر عينيّ، واضطريت أغمضهما للحظات.
ولأول مرة من عشرين سنة، بدأت أشوف!
في البداية، كل حاجة كانت مشوشة، مجرد ظلال وألوان مش واضحة.
لكن بالتدريج، الدنيا بدأت تتضح قدامي.
ملامح الغرفة ظهرت، والأجهزة اللي حواليا بقت واضحة، وبعد ثوانٍ قدرت أركز نظري على الشخص الواقف جنبي.
رفعت عيني وبصيت في وش نايجل…
وفي اللحظة دي، الدم اتجمّد في عروقي!
حسيت إن قلبي وقف مكانه، وإن كل حاجة كنت أعرفها عن حياتي اتقلبت في ثانية واحدة.
وفجأة، فهمت ليه جوزي قضى الأيام اللي فاتت كلها بيتوسل ليا إني ماستعيدش نظري…
حكايات_زيزي
لأن الحقيقة اللي شفتها بعيني كانت أبشع بكتير من أي حاجة كنت ممكن أتخيلها! صرخت من غير ما أحس، ورجعت بضهري لورا لحد ما خبطت في ضهر السرير، وعيني متسمّرة على وش نايجل!
ماكنتش قادرة أستوعب اللي شايفاه، ولا أصدّق إن الراجل اللي عشت معاه سنين، واللي كنت بحفظ ملامحه من لمسة إيدي وصوت أنفاسه، واقف قدامي بالشكل ده!
نايجل حاول يقرب مني، لكني رفعت إيدي بسرعة وقلتله بصوت بيرتعش
ماتقربش مني! إنت مين؟ وإيه اللي حصل لوشك؟!
وقف مكانه، وعينيه اتمَلوا بالدموع.
أنا نايجل يا حبيبتي… أنا جوزك، نفس الراجل اللي كان جنبك طول العشرين سنة اللي فاتوا.
هزّيت راسي بعنف، وأنا بحاول أهرب من الصورة اللي قدامي.
لأ! لأ، إنت مش فاهم! أنا عارفاك من صوتك، ومن طريقة كلامك، ومن كل حاجة فيك… لكن الراجل اللي شايفاه دلوقتي مش هو الراجل اللي كنت متخيلاه!
نايجل نزل عينيه للأرض، وفضل ساكت لثواني طويلة، وبعدين قال
كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي، وكنت مرعوب منها أكتر من أي حاجة في حياتي.
مرعوب من إيه؟! إنت دكتور، وإنت اللي عملتلي العملية بإيدك! إزاي كنت بتحاول تمنعني من إني أشوف؟!
رفع عينيه ليا، وقال بصوت مبحوح
لأنك لو شوفتي الحقيقة، كنت خايف أخسرك للأبد.
الكلام ده وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
إزاي الشخص اللي فضلت طول عمري أحلم إني أشوفه، يبقى هو نفسه أكتر شخص خايف من اللحظة اللي هفتح فيها عيني؟
حاولت أهدّي نفسي، وبدأت أبص حواليّا تاني.
شفت المراية اللي قدام السرير، والزهور اللي على الترابيزة، والباب المفتوح نص فتحة.
وبعدين عيني وقعت على إيدي نايجل.
كانت إيده بترتعش، وعلى صوابعه آثار جروح قديمة، كأنها نتيجة حادث كبير.
وفجأة، افتكرت حاجة!
من حوالي خمس سنين، نايجل رجع البيت في يوم متأخر، وكان صوته متغير. قال لي وقتها إنه اتعرض لحادث في المستشفى، وإنه محتاج فترة طويلة عشان يتعافى.
أنا صدقته من غير ما أسأله عن تفاصيل كتير، لأني كنت واثقة فيه ثقة عمياء… حرفيًا!
لكن دلوقتي، وأنا ببص على إيده، بدأت أربط الأحداث ببعض.
سألته وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي
الحادث اللي حصلك من خمس سنين… كان إيه بالظبط؟
نايجل اتجمّد مكانه.
وشه اتغير، وبص ناحية الباب، وبعدها رجع بص لي وكأنه بيحاول يقرر يقول الحقيقة ولا لأ.
مين حكى لك عن الحادث؟!
اتصدمت من سؤاله.
إنت اللي حكيتلي عنه يا نايجل! إنت نسيت؟!
حط إيده على وشه، وأخد نفس طويل، وبعدين قال
أنا فاكر كل حاجة… وده بالظبط اللي كنت بحاول أخبيه عنك.
قبل ما أقدر أسأله، الباب اتفتح فجأة.
دخل ابني الكبير، وكان واضح إنه جاي يجري من آخر الممر. أول ما شافني قاعدة على السرير وعيني مفتوحة، وقف مكانه، وحط إيده على بقه من شدة الفرحة.
ماما! إنتِ شايفاني؟!
ابتسمت وسط دموعي وقلتله
أيوه يا حبيبي… تعالى جنبي، خليني أشوفك كويس.
قرب مني، وفضلت أبص لملامحه، لشعره، لعينيه، ولتفاصيل وشه اللي كنت طول عمري بتخيلها.
لكن فجأة، ابني بص ناحية أبوه، وابتسامته اختفت.
وبصوت صغير مليان خوف، سألني
ماما… هو بابا قالك الحقيقة؟
قلبي وقع في رجلي.
بصيت لابني، وبعدين لنايجل، اللي كان واقف عند الباب ووشه بقى شاحب بشكل مخيف.
مسكت إيد ابني وسألته
حقيقة إيه يا حبيبي؟ إنت تعرف حاجة أنا ماعرفهاش؟
ابني سكت، وبدأ يفرك صوابعه في بعض، وبعدها قال
أنا سمعت بابا من يومين وهو بيتكلم مع دكتور تاني، وكان بيقوله إنك لو فتحتي عينيك وشوفتيه، ممكن يحصل اللي هو خايف منه من زمان…
نايجل صرخ فجأة
كفاية يا ابني!
لكن ابني كمل كلامه، وعينيه مليانة دموع
وماما… الدكتور التاني قاله إن مفيش أي طريقة يقدر يمنع بيها الحقيقة إنها تظهر بعد العملية!
بصيت لنايجل، وحسيت إن كل الأسئلة اللي جوايا بتصرخ في نفس الوقت.
وبعدين رفعت إيدي ناحية وشه، وقلتله
أنا مش هتحرك من مكاني، ومش هسمح لحد يخرج من الأوضة دي، غير لما أعرف الحقيقة كاملة.
نايجل قرب خطوة، وبعدين وقف.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، سمعت صوته وهو بيقول جملة خلتني أحس إن حياتي كلها كانت مبنية على سر محدش كان مستعد يكشفه
طيب… هحكيلك كل حاجة، بس لازم تعرفي إن الحادث اللي حصل من خمس سنين ماكانش هو بداية الحكاية…
بداية الحكاية الحقيقية كانت قبل ما نتجوز، وقبل ما إنتِ حتى تعرفي اسمي!
نايجل سحب كرسي وقعد قدامي، وحط إيده على وشه، وفضل ساكت كأنه بيحاول يجمع شجاعته عشان يقول كلام مخبيه من سنين.
ابني كان واقف جنبي، ماسك إيدي وخايف، وأنا قلبي بيدق بسرعة لدرجة إني كنت حاسة إنه هيخرج من صدري.
قلت لنايجل بعصبية
اتكلم! إنت مستني إيه؟ أنا مش هقدر أستحمل دقيقة واحدة كمان من غير ما أفهم!
رفع راسه وبصلي، وقال
فاكرة أول مرة اتقابلنا فيها في المستشفى؟ لما سألتيّ إذا كنا اتقابلنا قبل كده؟
هزيت راسي.
أيوه، فاكرة. وإنت قلتلي إننا ما اتقابلناش.
بلع ريقه بصعوبة، ورد
أنا كذبت عليكي وقتها… بس مش عشان أخدعك. أنا كنت خايف أقولك الحقيقة، وخايف أخسرك قبل ما تعرفيني أصلًا.
حسيت بقلبي بينقبض.
يعني إيه؟ إنت كنت تعرفني قبل ما نتقابل؟
هز راسه ببطء.
أيوه. كنت أعرف عنك حاجات كتير، لكن إنتِ ماكنتيش تعرفيني.
صرخت فيه
إزاي؟! ومنين؟!
بص ناحية ابني، وطلب منه يخرج شوية، لكن ابني رفض وفضل ماسك إيدي.
قلت لنايجل
ابني هيفضل هنا. أنا مش هخبي عنه أي حاجة تخص عيلتنا.
نايجل أخد نفس عميق، وبدأ يحكي.
قبل ما أتخرج من كلية الطب، كنت بتدرب في المستشفى اللي إنتِ كنتِ بتروحيها باستمرار. وفي يوم، سمعت دكتور كبير بيتكلم عن حالتك، وقال إن فيه احتمال ضعيف جدًا إنك تستعيدي نظرك، لكن محتاجة فريق متخصص وأبحاث كتير.
سكت لحظة، وبعدين كمل
من اليوم ده، قررت إني أتخصص في طب العيون. كنت عايز أساعدك، حتى قبل ما أعرفك شخصيًا.
فضلت باصة له وأنا مش مصدقة.
يعني الراجل اللي حبّيته واتجوزته كان عنده حلم من سنين إنه يرجّعلي نظري!
لكن ده ماكانش يفسر خوفه.
سألته
طيب، لو كل ده حقيقي، ليه كنت بتترجاني ماعملش العملية؟ وليه ابني بيقول إنك كنت خايف إني أشوفك؟
نايجل نزل عينيه، وفضل يحرك صوابعه بتوتر.
لأن العملية دي مش مجرد عملية عادية بالنسبة لي. أنا كنت عارف إن نجاحها هيخلّيكي تشوفي حاجات كتير لأول مرة… ومنها حاجة كنت بتمنى تفضلي بعيدة عنها.
حسيت بالغضب بيزيد جوايا.
إنت مش من حقك تقرر أنا أشوف إيه وماشوفش إيه! أنا ضيعت عشرين سنة من عمري في الضلمة، ومش هسمحلك تحرمني من الحقيقة بعد ما رجعلي نظري!
فجأة، خبط حد على الباب.
دخلت ممرضة، وفي إيدها ملف طبي كبير.
قالت لنايجل
يا دكتور، الدكتور المسؤول عن مراجعة الحالة وصل، وعايز يقابلك فورًا. بيقول إن الموضوع ماينفعش يتأجل.
نايجل قام بسرعة، وأخد الملف منها.
لكن قبل ما يفتحه، لمحت اسمي مكتوب على الغلاف، وتحته تاريخ قديم يرجع لسنين طويلة قبل جوازنا.
مديت إيدي وقلتله
اديني الملف ده.
حاول يتردد، لكني أصريت.
فتحته، وبدأت أقلب صفحاته بصعوبة، لحد ما وقعت عيني على تقرير قديم، مكتوب فيه إن إصابتي وقت الطفولة كانت مرتبطة بحادث في الملعب، وإن فيه شاهد صغير اتنقل للمستشفى في نفس اليوم.
وتحت اسم الشاهد، لقيت اسمًا خلاني أتجمد مكاني.
نايجل!
رفعت عيني له بذهول.
إنت كنت موجود يوم الحادث؟!
نايجل ما ردش.
قلت بصوت أعلى
إنت كنت موجود لما أنا وقعت؟!
عينيه اتمَلوا بالدموع، وهز راسه ببطء.
أيوه… كنت موجود.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
الولد اللي كنت فاكرة إنه مجرد دكتور قابلته بالصدفة، واللي بقى جوزي وأبو ولادي، كان موجود في اليوم اللي فقدت فيه نظري!
لكن قبل ما أقدر أسأله عن أي حاجة تانية، ابني شد إيدي وقال
ماما، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها… أنا شفت صورة قديمة عند بابا، ولما سألتُه مين الولد اللي فيها، خبّاها مني وقال لي ماقولكيش.
وبعدين بص لأبوه وسأله
يا بابا، هو إنت كنت تعرف الولد اللي زق ماما من على المرجيحة؟
نايجل غمض عينيه، ودموعه بدأت تنزل.
وبعد صمت طويل، قال
أيوه… كنت أعرفه.
اتسمرت مكاني.
وقبل ما أستوعب إجابته، كمل جملة قلبت كل توقعاتي
والولد ده… كان أقرب شخص ليا في حياتي، والسبب اللي خلاني أكرّس عمري كله عشان أرجعلك نظرك.
لكن ليه كان نايجل بيحاول يصلّح حاجة حصلت من عشرين سنة، وإيه علاقة الولد ده بالسر اللي مخبيه عني؟
بصيت لنايجل وأنا مش قادرة أستوعب كلمة واحدة من اللي قالها.
الولد اللي زقّني من على المرجيحة وأنا طفلة، وكان السبب في إصابتي اللي غيّرت حياتي كلها، طلع شخص قريب من جوزي؟!
إزاي؟ وليه عمري ما سمعت منه الحكاية دي؟
مسكت الملف بإيد بتترعش، وقلتله
أنا عايزة أعرف كل حاجة يا نايجل. من أول يوم في حياتي لحد النهارده، مش عايزة تسيب تفصيلة واحدة من غير ما تحكيها!
نايجل قعد تاني، وبدأ يتكلم بصوت مكسور.
الولد اللي زقّك كان اسمه دانيال. كان صاحبي من وإحنا صغيرين، وكنا تقريبًا ما بنفترقش. يوم الحادث، كنا بنلعب في الملعب، وهو كان بيهزر معاكي. محدش فينا تخيل إن الوقعة البسيطة دي هتسببلك كل الألم