عملت عمليه

حاجة اتغيرت.
حسيت إن جزءًا من اللغز بدأ يتكشف، لكن لسه فيه تفاصيل ناقصة.
سألتها
طيب، هل الدكتور قال إن عندي مشكلة في عيني قبل ما أقع؟
ردت
قال إن فيه أعراض محتاجة فحص، لكنه ماقالش إن عندك مرض محدد، ولا إنك هتفقدي نظرك. بعد الحادث، كل الفحوصات اتعملت من جديد، والأطباء ركزوا على الإصابة اللي حصلتلك.
فضلت ساكتة شوية.
يعني كان عندي أعراض قبل الحادث، لكن محدش كان عنده تشخيص مؤكد، ومفيش دليل إن ده كان السبب في فقدان نظري.
ومع ذلك، كان لازم أفهم ليه المعلومة دي ما ظهرتش في التقارير اللي اتراجعت بعد الحادث.
في اليوم التالي، رجعنا المستشفى وقابلنا اللجنة الطبية، وحكيت لهم كل اللي عرفته من أمي.
بعد مراجعة الأوراق، قال الطبيب المسؤول
المعلومات الجديدة مهمة، لكنها مش كافية عشان نحدد إذا كانت الأعراض السابقة مرتبطة بإصابتك اللاحقة. هنحتاج نراجع السجلات المتاحة ونقارنها بالتقارير الطبية القديمة.
وافقت، وطلبت نسخة من كل المستندات اللي تخصني.
وأثناء ما كنا بنجهز للخروج، نايجل وقف جنبي وقال
فيه حاجة أنا محتاج أقولها لك.
بصيت له.
اتفضل.
قال
لما بدأت أبحث عن علاج لحالتك، اكتشفت إن السجلات القديمة مش كاملة. وده خلاني أركز على تطوير طريقة تساعدك، بدل ما أفضل أعتمد على تشخيص عمره عشرين سنة.
سألته
يعني إنت ماكنتش متأكد إن العملية هتنجح؟
رد بصراحة
كنت متفائل، لكن ماكانش عندي ضمان. وده كان أحد أسباب خوفي، لأني كنت عارف إنك حاطة أمل كبير جدًا في العملية.
هزيت راسي.
كان من حقك تخاف، لكن ماكانش من حقك تحاول تقرر بدالي.
قال بهدوء
أنا فاهم ده دلوقتي، ومش هكرر الغلطة دي.
كنت لسه محتاجة وقت عشان أرجع أثق فيه، لكني بدأت أفرق بين خوفه من فقداني، وبين حقّي في معرفة الحقيقة واتخاذ قراراتي بنفسي.
وفجأة، تليفوني رن.
كانت أمي مرة تانية.
رديت عليها، فسمعتها بتقول
يا بنتي، افتكرت حاجة مهمة جدًا! يوم ما أخدتك للدكتور، كان فيه ظرف أخده أبوكي من العيادة، وقال إنه هيحتفظ بيه لحد ما نرجع نكمل الفحوصات.
اتسمرت مكاني.
ظرف؟! كان فيه إيه يا ماما؟!
ردت
مش فاكرة بالضبط، لكن أبوكي كان بيقول إن الدكتور كتب فيه ملاحظات عن الفحوصات اللي طلبها ليكي.
قفلت المكالمة، وبصيت لنايجل.
لازم أروح بيت أهلي القديم. ممكن يكون الظرف لسه موجود!
وبالفعل، رحنا بيت أهلي، وبدأنا ندور في الصناديق القديمة اللي كانت متخزنة في أوضة صغيرة فوق السطح.
بعد ساعة من البحث، لقيت صندوق خشب قديم، جواه أوراق وصور وشهادات ميلاد.
وفي آخر الصندوق، كان فيه ظرف أصفر باهت، مكتوب عليه اسمي وتاريخ الزيارة.
فتحته بإيد مرتعشة.
جواه كانت فيه ورقة واحدة، عليها توقيع الدكتور روبرت.
لكن اللي خلاني أحس بقشعريرة في جسمي مش الكلام الطبي المكتوب فيها…
كان فيه سطر في آخر الورقة بيقول إن الدكتور طلب مراجعة نتيجة فحص معين قبل تحديد التشخيص، وإن المراجعة دي لم يُسجل في الملف إنها تمت.
بصيت لنايجل وقلت
يعني إيه؟ هل الفحص ما اتعملش أصلًا؟!
نايجل قرأ الورقة مرتين، وبعدها قال
مش نقدر نأكد ده من المستند ده وحده. ممكن يكون الفحص اتعمل في مكان تاني، أو تكون النتيجة محفوظة في ملف مختلف.
رجعت بصيت للورقة، ولقيت رقمًا مكتوبًا بالقلم في الركن.
كان رقم أرشيف قديم، مختلف عن رقم ملفي في المستشفى.
نايجل صوّر الورقة، وقال
بكرة هنقدّم الرقم ده للجنة. لو فيه سجل تاني مرتبط بيه، ممكن يساعدنا نفهم إيه اللي حصل قبل الحادث وبعده.
وفي اللحظة دي، حسيت إننا أخيرًا بنمشي في الطريق الصح.
لكن قبل ما نخرج من البيت، لقيت ورقة صغيرة تحت الظرف، مكتوب عليها بخط إيد أبويا
لو رجعنا يومًا ندوّر على أوراق الفحص، لازم نفتكر إن الدكتور روبرت ماكانش آخر شخص راجع الحالة.
وقفت مكاني، وأنا بقرأ الجملة مرة ورا مرة.
مين الشخص التاني اللي راجع حالتي؟
وليه أبويا احتفظ بالملاحظة دي كل السنين دي؟
ولأول مرة، بدأت أشك إن الحكاية اللي فضلت مرتبطة في ذاكرتي بالمرجيحة والصخرة، كان وراها تاريخ طبي أطول بكتير مما كنت أعرف… لكن لسه مفيش دليل يثبت إن أي حد تعمّد يحرمني من الحقيقة.
النهاية الحقيقة اللي رجّعتلي حياتي!
تاني يوم الصبح، رحت أنا ونايجل المستشفى، ومعانا الورقة اللي لقيناها في بيت أهلي.
قدّمنا رقم الأرشيف للجنة الطبية، وبعد ساعات من المراجعة، وصلنا اتصال إنهم لقوا ملفًا قديمًا مرتبطًا بحالتي.
روحنا المستشفى فورًا، وقعدنا قدام الطبيب المسؤول، اللي فتح الملف وبدأ يشرح لنا محتوياته.
قال بهدوء
قدرنا نوصل لتقرير إضافي اتكتب بعد الحادث بفترة قصيرة. التقرير ده بيوضح إن إصابتك كانت معقدة، وإن الأطباء وقتها حاولوا يحددوا مدى الضرر، لكن الإمكانيات المتاحة ماكانتش كافية للوصول لتشخيص نهائي بالشكل اللي نقدر نوصله دلوقتي.
سألته وقلبي بيدق
يعني كان ممكن أرجع أشوف من زمان؟
رد بصراحة
للأسف، ماعندناش دليل يخلينا نقدر نجزم بكده. اللي نقدر نقوله إن حالتك كانت صعبة، وإن المعلومات المتاحة وقتها ماكانتش كافية للتنبؤ بالنتيجة اللي وصلنالها النهارده.
حسيت بحزن كبير على السنين اللي عشتها في الضلمة، لكن في نفس الوقت ارتحت؛ لأن مفيش دليل على إن حد تعمّد يحرمني من نظري، أو إن حد كان قادر ينقذني واختار ما يعملش كده.
وبعدين الطبيب أشار لورقة تانية وقال
فيه اسم طبيب راجع حالتك بعد الحادث، وهو اللي أوصى باستمرار المتابعة رغم ضعف فرص التحسن وقتها.
بصيت للاسم، واتصدمت.
كان اسم الدكتور روبرت هاريس، نفس الطبيب اللي كتب الرسالة اللي لقيناها في الأرشيف!
فهمت أخيرًا ليه احتفظ بملاحظاته عن حالتي، وليه طلب إن السجلات تتراجع في المستقبل. كان عايز يضمن إن المعلومات المتاحة تفضل محفوظة، حتى لو العلم وقتها ماقدرش يقدملي العلاج اللي كنت محتاجاه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر التقرير.
كان فيه خطاب كتبه الدكتور قبل وفاته، وطلب من المستشفى الاحتفاظ بيه مع ملفي.
فتح الطبيب الخطاب وقرأه ليا
إلى المريضة العزيزة…
أتمنى تكوني في يوم من الأيام قدرتي تحققي حلمك وتشوفي العالم بعينيكي. لو وصلتي لليوم ده، أتمنى ما تفتكريش حياتك باعتبارها عشرين سنة ضاعت منك، لكن باعتبارها عشرين سنة قدرتي فيها تتعلمي وتنجحي وتكوّني أسرة رغم كل الصعوبات.
أنا آسف إننا ماقدرناش نساعدك بالشكل اللي كنتِ تستحقيه وقتها. لكن أتمنى إنك تكملي حياتك من غير ما تحمّلي نفسك أو أي شخص ذنب حاجة ماكانش ممكن نعرف نتيجتها وقتها.
ماقدرتش أمنع دموعي.
كنت مستنية ألاقي شخص ألومه، أو سر يفسر كل اللي حصل، لكن الحقيقة كانت مختلفة.
أنا اتعرضت لحادث غيّر حياتي، وبعده عشت سنين طويلة من غير ما أقدر أشوف، لكن مفيش دليل إن حد تعمّد يأذيني، ولا إن جوزي كان بيخبي عني جريمة.
أما نايجل، فكان عنده سر فعلًا؛ إنه عرف من سنين إن حالتي محتاجة إعادة تقييم، لكنه كان خايف من فشل العملية ومن الألم اللي ممكن أتعرض له، فحاول يقنعني أتراجع بدل ما يشاركني مخاوفه بصراحة.
بعد ما خرجنا من المستشفى، وقفنا في الحديقة اللي قدام المبنى.
بصيت له وقلت
نايجل، أنا مش هقدر أنسى إنك حاولت تمنعني من تحقيق حلمي، لكن أقدر أدي علاقتنا فرصة جديدة لو اتعلمنا نتكلم بصراحة، من غير خوف ولا أسرار.
عينيه اتمَلوا بالدموع.
أوعدك إني مش هقرر بدلِك تاني. إنتِ تستحقي تعرفي الحقيقة، وتختاري بنفسك.
مسكت إيده، وقلتله
وأنا كمان مش عايزة أفضل عايشة في الماضي. اللي حصل مش هنقدر نغيره، لكن نقدر نختار نعمل إيه من النهارده.
وبعد أسابيع من المتابعة الطبية والتدريب على استخدام نظري من جديد، بدأت أتعلم تفاصيل الحياة اللي كانت غايبة عني سنين.
شفت ولادي وهما بيلعبوا، وشفت ابتسامة أمي، وشفت ملامحي في المراية لأول مرة من عشرين سنة.
وفي يوم، ابني الكبير جالي وسألني نفس السؤال اللي كان سبب تمسكي بحلمي من البداية
ماما، دلوقتي لما تشوفيني وسط الناس، هتعرفيني؟
ضحكت، وضمّيته ليا، وقلتله
هعرفك من بين ألف شخص يا حبيبي، مش بس عشان شكلك، لكن عشان إنت ابني اللي بحبه من قبل ما أشوف وشه.
وبعدين بصيت لنايجل، اللي كان واقف جنبنا وبيبتسم.
لأول مرة، ماحاولتش أدور على سر مخبيه ورا ملامحه، ولا أفتش عن إجابة في كل حركة بيعملها.
كنت ببص له باعتباره إنسانًا أخطأ لما حاول يحميني بطريقته، لكنه اعترف بغلطه ووافق إنه يصلحه.
واتعلمت إن الحقيقة مش دايمًا بتكون صدمة تكشف عن شر مخفي، وإن الحب الحقيقي مش معناه إننا نمنع اللي بنحبهم من مواجهة الخوف، لكن إننا نقف جنبهم ونسيب لهم حق الاختيار.
أما أنا، فبعد عشرين سنة من العمى، ما رجعليش نظري وبس…
رجعتلي حريتي في إني أعرف الحقيقة، وأختار طريقي، وأعيش بقية عمري من غير ما أفضل أسيرة للماضي.
ودي كانت النهاية اللي تمنيتها لنفسي من أول يوم فقدت فيه نظري.
متابعة القراءة

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *