عملت عمليه

لمحة نيوز

ده.
قاطعته وأنا بعيط
بسيطة؟! إنت بتقول عليها وقعة بسيطة؟! أنا عشت عشرين سنة مشفتش فيها الشمس، ولا شفت ولادي وهما بيكبروا! إنت عارف يعني إيه ابني يسألني إذا كنت هعرفه لما أشوفه؟!
نايجل وطّى راسه، وقال
عارف إن مفيش كلام يقدر يعوّضك عن السنين دي. وأنا مش جاي أطلب منك تسامحيني على حاجة أنا ماعملتهاش، لكن فيه حقيقة لازم تعرفيها عن دانيال.
سألته بحدة
إيه هي؟
طلع من جيبه صورة قديمة، كانت أطرافها متآكلة، وحطها قدامي.
الصورة كانت لثلاثة أطفال واقفين جنب بعض في الملعب.
نايجل كان واحد منهم.
والولد التاني كان دانيال.
أما الطفلة اللي واقفة بينهم، فكانت أنا!
فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أصدق.
دي أنا؟!
هز راسه.
أيوه. دي الصورة اللي اتصورت قبل الحادث بدقايق.
قلبي اتقبض، لكن اللي صدمني أكتر كان الكلام المكتوب على ظهر الصورة.
نايجل قرأه بصوت مرتعش
لأصحاب العمر… هنفضل مع بعض مهما حصل.
سكت لحظة، وبعدها قال
بعد الحادث، دانيال اتغيّر تمامًا. كان صغير، لكنه فهم إنه تسبب في إصابتك، وفضل سنين شايل ذنب اللي حصل. حاول يوصلك ويعتذرلك أكتر من مرة، لكن أهلك وقتها رفضوا إنه يقرب منك.
سألته
وإنت؟ إنت ليه ماقولتليش إنك تعرفه؟ وليه خبيت عني إنك كنت موجود يوم الحادث؟
نايجل بصلي بحزن.
لأني كنت خايف إنك لما تعرفي الماضي كله، ترفضي وجودي في حياتك. كنت عارف إنك تستحقي تعرفي الحقيقة، لكن كل مرة كنت باجي أتكلم، كنت بخاف أخسرك.
هزيت راسي وأنا بمسح دموعي.
يعني فضلت سايبني أعيش وأنا ماعرفش الحقيقة، لمجرد إنك خايف أخسرك؟!
ماعرفش يرد.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح مرة تانية.
دخل دكتور كبير في السن، لابس بالطو أبيض، وماسك ملف تاني.
بص لنايجل، وبعدها بصلي وقال
الحمد لله إن العملية نجحت. لكن بما إنك بقيتي قادرة تشوفي، فيه موضوع لازم يتوضح قبل ما تخرجي من المستشفى.
نايجل وقف بسرعة.
يا دكتور، مش دلوقتي!
الدكتور رد بحزم
بالعكس، دلوقتي بالذات. المريضة من حقها تعرف كل التفاصيل بنفسها.
مد إيده بالملف ناحيتي.
فتحته، ولقيت تقارير طبية وصور أشعة قديمة، وفي آخر صفحة كان فيه اسم دانيال كاملًا، وتحته ملاحظة مكتوبة بخط اليد.
قريتها مرة، وبعدها رجعت قريتها تاني، وأنا مش مصدقة عيني.
الملاحظة كانت بتقول إن دانيال حاول بعد الحادث بسنين يساعد في تمويل الأبحاث والعلاج، لكنه طلب إن اسمه مايتذكرش قدامي، خوفًا من إن وجوده يفتح جرح قديم كنت بحاول أتعافى منه.
رفعت عيني للدكتور وسألته
هو دانيال لسه عايش؟
الدكتور بص لنايجل قبل ما يجاوب.
أيوه، عايش. وهو موجود في المستشفى دلوقتي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
موجود هنا؟! ليه؟!
الدكتور اتردد، وبعدين قال
لأنه هو اللي تبرع بتكاليف جزء كبير من الأبحاث اللي ساعدت في تطوير العلاج المناسب لحالتك.
بصيت لنايجل، فهز راسه مؤكدًا كلام الدكتور.
كنت محتاجة وقت عشان أستوعب إن الشخص اللي تسبب في إصابتي من غير قصد، قضى سنين طويلة بيحاول يصلّح جزء من الضرر اللي حصل.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، سمعت صوت خطوات بتقرب من الباب.
وبعدها ظهر راجل في الخمسينيات تقريبًا، شعره فيه خصلات بيضا، ووشه عليه آثار حادث قديم.
كان واقف عند الباب، ومش قادر يرفع عينيه ليا.
قال بصوت مبحوح
أنا عارف إن مفيش اعتذار في الدنيا يقدر يرجعلك السنين اللي ضاعت منك… لكن لو تسمحيلي، أنا جاي أحكيلك الحقيقة اللي محدش قدر يقولها لك.
بصيت له، وعرفت من نظرات نايجل إنه دانيال.
لكن دانيال ماكملش كلامه.
لأنه أول ما عينه وقعت على الصورة القديمة اللي كانت في إيدي، وشه اتغيّر، ومد إيده بسرعة وقال
إنتِ لقيتي الصورة دي فين؟!
سألته باستغراب
إيه أهمية الصورة دي؟!
اتنهد، وبص لنايجل، وبعدها رجع بصلي وقال
لأن الصورة دي مش مجرد ذكرى من يوم الحادث… فيه حاجة مكتوبة في النسخة الأصلية منها، حاجة محدش يعرفها غيري وغير نايجل، ولو عرفتيها هتفهمي ليه جوزك كان مرعوب من اللحظة اللي ترجعي فيها تشوفي تاني!
وفجأة، نايجل صرخ فيه
دانيال! أوعى تقولها دلوقتي!
دانيال بصلي، وقال بهدوء
لأ يا نايجل… كفاية أسرار. هي من حقها تعرف إن اللي حصل يوم الحادث ماكانش زي ما اتقالها طول السنين اللي فاتت!
وبعدين مد إيده في جيبه، وطلع ورقة قديمة مطوية أربع مرات.
فتحها قدامي، وأول ما شفت أول سطر فيها، حسيت إن الحقيقة اللي كنت بدور عليها طول عمري لسه في بدايتها…
فتحت الورقة بإيدي، وبدأت أقرا أول سطر، لكن قبل ما أوصل لنص الكلام، حسيت إن نفسي اتسحب مني!
كانت الورقة عبارة عن إفادة قديمة مكتوبة بعد الحادث بيومين، وعليها توقيع شخص من إدارة الملعب.
قريت بصوت مرتعش
طبقًا لأقوال الشهود، الطفلة وقعت أثناء اللعب، لكن ملابسات الحادث لم يتم التأكد منها بالكامل…
رفعت عيني لدانيال وسألته
يعني إيه ملابسات الحادث ما اتأكدتش منها؟! أنا طول عمري فاكرة إنك زقيتني وأنا بلعب!
دانيال غمض عينيه، وقال
أنا فعلًا كنت موجود يومها، وكنت بلعب معاكي. لكن اللي حصل في اللحظة اللي وقعتي فيها، أنا مش فاكره بالكامل. كنت طفل، وكل اللي فاكره إني سمعت صوت صرختك، ولما بصيت لقيتك على الأرض.
صرخت فيه
أمال ليه كل السنين دي كنت شايل ذنبك؟!
رد بصوت مكسور
لأني كنت آخر واحد بيلعب معاكي قبل ما تقعي. ولأني كنت بهزر معاكي، فضلت طول عمري مقتنع إن اللي حصل كان بسببي، حتى لما محدش قدر يثبت ده.
بصيت لنايجل، وقلتله
وإنت كنت عارف كل ده؟!
هز راسه.
أيوه. وعشان كده قضيت سنين بحاول أساعدك. مش لأننا كنا عارفين مين السبب الحقيقي، لكن لأننا كنا عارفين إنك تستحقي فرصة تانية.
كنت حاسة بغضب وحزن في نفس الوقت. جزء مني كان عايز يصرخ فيهم الاتنين، وجزء تاني كان محتاج يعرف الحقيقة مهما كانت مؤلمة.
لكن قبل ما أتكلم، دانيال حط إيده على طرف السرير وقال
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ماكنتش الشخص الوحيد اللي كان موجود في الملعب يومها.
اتسمرت مكاني.
مين كمان كان موجود؟!
بص ناحية نايجل، وكأنه مستني منه الإذن.
نايجل وطّى راسه وقال
احكيلها يا دانيال. هي من حقها تعرف.
دانيال أخد نفس طويل، وقال
كان فيه ولد تالت معانا، اسمه إريك. هو اللي كان واقف قريب منك وقت ما وقعتي، وهو اللي جري ينادي الكبار. لكن بعد الحادث، عيلته سافرت من المنطقة، ومحدش عرف يوصل له.
سألته
وإيه علاقة إريك بكل اللي بيحصل دلوقتي؟!
دانيال طلع ورقة تانية من جيبه.
من حوالي ست شهور، وصلني خطاب من إريك. كان عرف إنك لسه بتحاولي تستعيدي نظرك، وإن نايجل قرب ينجح في الوصول لعلاج مناسب لحالتك. وكتب في الخطاب إنه فاكر تفاصيل من يوم الحادث، وإنه مستعد يقول الحقيقة.
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
يعني بعد عشرين سنة، أخيرًا ممكن أعرف إيه اللي حصل فعلًا!
مديت إيدي ناحية الخطاب، لكن دانيال سحبه للحظة وقال
قبل ما تقريه، لازم تعرفي إن إريك طلب مني حاجة غريبة جدًا.
طلب إيه؟!
بصلي مباشرة وقال
طلب إنه يقابلك لوحدك، من غير نايجل، لأنه قال إن وجود نايجل ممكن يمنعه من الكلام.
بصيت لجوزي.
نايجل كان واقف ساكت، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا، وكأنه سمع اسم شخص كان بيحاول ينساه من سنين.
سألته
إنت تعرف إريك كويس؟
رد بعد تردد
أيوه، أعرفه.
طيب ليه ماتبقاش موجود وقت ما يقابلني؟!
نايجل مسح وشه بإيده، وقال
لأن إريك مش بيخاف مني… هو بيخاف من حاجة أنا نفسي مش قادر أغيرها.
حسيت إن كل إجابة بتفتح قدامي عشرة أبواب جديدة من الأسئلة.
وقبل ما أقدر أضغط عليه عشان يوضح كلامه، تليفون دانيال رن.
بص للشاشة، ووشه شحب.
رد بسرعة، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعد ثواني قال
إنت متأكد؟! وصل المستشفى فعلًا؟!
قفل المكالمة وبصلي.
إريك وصل. وهو مستنيكي في الدور الأرضي.
حاولت أقوم من السرير، لكن الدكتور طلب مني أستنى لحد ما يتأكد إن حالتي مستقرة بعد العملية.
وفي اللحظة دي، نايجل مسك إيدي وقال
أرجوكي، قبل ما تقابليه، اسمعيني مرة واحدة بس. مهما قالك، ماتاخديش قرار وإنتِ لسه تحت تأثير الصدمة.
سحبت إيدي بهدوء وقلتله
أنا مش هصدق حد لمجرد إنه جوزي، ولا هتهم حد لمجرد إنه غلط في حقي. أنا هسمع الحقيقة، وبعدها هقرر بنفسي.
بعد شوية، سمحلي الدكتور أتحرك بمساعدة الممرضة.
نزلنا بالمصعد للدور الأرضي، وأنا لأول مرة بشوف المستشفى بعيني، مش مجرد ممرات بحفظها من خطواتي وأصوات الناس فيها.
ولما باب المصعد اتفتح، لقيت راجل واقف قدام شباك كبير، ضهره لينا.
أول ما سمع صوت خطواتنا، لف ببطء.
بصلي طويلًا، وبعدها قال
أخيرًا بقيتي تقدري تشوفيني بنفسك.
قرب خطوة، ومد إيده بورقة قديمة.
أنا عارف إنك عايزة تعرفي مين كان السبب في اللي حصل يومها… لكن قبل ما أقولك، لازم أسألك سؤال واحد.
بصيت له وقلت
اسأل.
رد بصوت خافت
إنتِ فاكرة إنك فقدتي نظرك بسبب الوقعة على الصخرة، صح؟
هزيت راسي.
فقال
طيب، عمرك سألتي نفسك ليه الأطباء اضطروا يعملوا لك أكتر من عملية، وليه التشخيص اتغير بعد أول فحص؟
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
إنت تقصد إيه؟!
فتح الورقة، وأشار إلى تاريخ مكتوب في أعلاها.
كان تاريخ أول تقرير طبي بعد الحادث.
وبعدين قال الجملة اللي خلتني أحس إن كل اللي عرفته عن طفولتي ممكن يكون ناقص
الوقعة كانت بداية إصابتك، لكن فيه قرار اتاخد بعدها غيّر مسار علاجك كله… والقرار ده هو السبب اللي جابني هنا النهارده!
بصيت ناحية نايجل، لقيته واقف بعيد، وشه شاحب وعينيه مليانة خوف.
وفهمت إن السر اللي بيحاول يخبيه عني مش مجرد ذكرى قديمة…
ده سر متعلق بقرار طبي اتاخد وأنا طفلة، ولسه محدش حكى لي القصة كاملة!
مسكت الورقة من إيد إريك، وبدأت أقرا التقرير كلمة كلمة، وكل ما كنت بوصل لسطر جديد، كنت بحس إن قلبي بيتقبض أكتر.
التقرير كان بيقول إن إصابتي وقت الحادث كانت معقدة، وإن الأطباء وقتها كانوا محتارين بين أكتر من طريقة للعلاج، وإن القرار النهائي اتاخد بسرعة بسبب خطورة الحالة.
رفعت عيني لإريك وسألته
إنت عايز تقول إيه بالظبط؟ إن الدكاترة غلطوا في علاجي؟!
رد بهدوء
أنا مش دكتور، ومش من حقي أحكم على قراراتهم. لكن فيه مستندات اختفت من ملفك القديم، ولو كانت ظهرت وقتها، كان ممكن الأطباء يفهموا تفاصيل إصابتك بشكل مختلف.
حسيت إن رجلي مش شايلاني، فقعدت على أقرب كرسي.
نايجل قرب مني، لكني أشرت له بإيدي إنه يستنى.
كنت محتاجة أسمع الكلام للآخر.
إريك كمل
بعد الحادث بيومين، كنت راجع الملعب أدور على شنطة صغيرة نسيتها هناك. سمعت اتنين من العاملين بيتكلموا عن اللي حصل، وواحد منهم قال إنه شاف تفصيلة مهمة وقت وقوعك، لكنه ماكتبهاش في إفادته الأولى.
سألته بلهفة
تفصيلة إيه؟!
إريك بص لدانيال، وبعدها رجع بصلي.
قال إنك قبل ما تقعي، كنت بتحاولي تبعدي عن حاجة كانت جاية ناحيتك، وإن دانيال حاول يمسكك، لكنه ماقدرش يلحقك.
دانيال غمض عينيه، والدموع بدأت تنزل على وشه.
أنا حاولت ألحقها فعلًا… وكل يوم من عمري كنت بتمنى لو إيدي كانت وصلت لها في الوقت المناسب.
بصيت له، ولأول مرة حسيت إن الراجل ده مش جاي يدافع عن نفسه، لكنه فعلًا شايل ألم قديم مش عارف يتخلص منه.
لكن لسه فيه سؤال أهم من كل ده.
التفت ناحية نايجل وقلت
إنت عرفت الكلام ده إمتى؟
نايجل سكت شوية، وبعدين رد
من حوالي سنة، لما بدأت أراجع سجلات الحالات القديمة عشان أطور العلاج اللي كنت بشتغل عليه. لقيت اختلافات بين بعض التقارير، وبدأت أبحث عن المستندات الناقصة.
وليه ماقلتليش؟!
لأني ماكنتش متأكد من أي حاجة، وماكنتش عايز أديكي أمل كاذب. كنت مستني لحد ما يكون عندي دليل طبي حقيقي.
هزيت راسي بحزن.
كان ممكن تقوللي إن فيه معلومات ناقصة، وتسيبلي حق إني أشارك في البحث عنها. أنا مش طفلة يا نايجل!
نزل عينيه وقال
عندك حق.
وفجأة، إريك فتح حقيبته وطلع منها ظرف بني قديم.
قال
فيه حاجة أخيرة. الظرف ده وصلني من شخص كان شغال في المستشفى وقت إصابتك، قبل ما يتوفى بفترة قصيرة. طلب مني أسلمه ليكي لو قدرت أوصلك.
مد الظرف ناحيتي.
فتحته بحذر، ولقيت جواه خطاب مكتوب بخط إيد مرتعش، ومعاه صورة لصفحة من سجل المستشفى.
بدأت أقرا الخطاب بصوت مسموع
إلى صاحبة الحالة المسجلة في تقرير يوم الحادث…
أنا واحد من الأشخاص اللي شاركوا في متابعة حالتك وقتها. عشت سنين وأنا بتمنى أقدر أوضح لك إن بعض المعلومات اللي اتكتبت في ملفك كانت غير مكتملة، وإن القرار العلاجي اتاخد بناءً على المعلومات المتاحة في اللحظة دي.
ماقدرش أقول إن تغيير القرار كان هيضمن رجوع نظرك، لأن محدش يقدر يعرف ده دلوقتي. لكن أقدر أقول إنك تستحقي تعرفي كل ما تبقى من سجلات حالتك، وتعرفي ليه اتاخد كل قرار.
وقفت عن القراءة، وأنا بحاول أستوعب الكلام.
الخطاب ماكانش فيه

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *