عملت عمليه

اعتراف بجريمة، ولا دليل على إن حد تعمد يأذيني.
لكنه أكد إن فيه أسئلة طبية قديمة لسه محتاجة إجابات.
سألت إريك
طيب، إيه اللي حصل للمستندات الناقصة؟!
رد
فيه نسخة من السجلات محفوظة في أرشيف المستشفى القديم، لكن الوصول ليها محتاج موافقة رسمية ومراجعة من لجنة طبية مستقلة.
نايجل تدخل وقال
وأنا بالفعل قدمت طلب للمراجعة، لكن كنت مستني نتيجة الفحص قبل ما أتكلم معاكي.
بصيت له طويلًا.
كنت لسه زعلانة من إنه خبّى عني الموضوع، لكن بدأت أفهم إن خوفه ماكانش بالضرورة دليل على إنه ارتكب جريمة أو إنه كان عايز يحرمني من الحقيقة.
ومع ذلك، كان لازم أعرف كل حاجة بنفسي.
قلت للدكتور اللي كان واقف معانا
أنا عايزة نسخة كاملة من ملفي الطبي القديم، وعايزة لجنة مستقلة تراجع كل القرارات اللي اتاخدت في علاجي.
الدكتور هز راسه موافقًا.
من حقك تمامًا، وهنساعدك في الإجراءات المطلوبة.
لكن قبل ما نتحرك، إريك قال جملة خلتني أرجع أبص له بسرعة
فيه سبب تاني خلاني أرجع بعد كل السنين دي. الشخص اللي كتب الخطاب ماكانش عايزك تعرفي بس إيه اللي حصل في الماضي… كان عايزك تعرفي إن فيه معلومة في ملفك الحالي ممكن تغيّر طريقة متابعتك الطبية من هنا ورايح.
نايجل اتفاجئ، وسأله
إنت بتتكلم عن إيه؟! أنا راجعت كل نتائج الفحوصات بعد العملية!
إريك رد
أنا مش بتكلم عن نجاح العملية. أنا بتكلم عن ملاحظة كتبها الدكتور المسؤول عن مراجعة الأشعة الأخيرة، قبل العملية بأيام.
وبعدين طلع ورقة صغيرة من الظرف، وحطها قدامي.
كان مكتوب فيها طلب لإجراء فحص إضافي للعين، مع توصية بمراجعة اختصاصي تاني قبل تحديد برنامج المتابعة النهائي.
بصيت لنايجل وسألته
إنت كنت تعرف بوجود الورقة دي؟
نايجل قرأها، وبعدها هز راسه.
لأ، دي أول مرة أشوفها.
للمرة الأولى من بداية اليوم، حسيت إننا كلنا واقفين قدام لغز مش عارفين إجابته، وإن الحقيقة مش هتظهر بمجرد إن حد يعترف أو يعتذر.
كان لازم نرجع للمستندات الأصلية، ونسمع الأطباء اللي شاركوا في علاجي، ونتأكد من كل معلومة قبل ما نحكم على أي حد.
لكن وأنا برجع الظرف مكانه، لقيت ورقة صغيرة جدًا مستخبية في آخره، عليها اسم مستشفى مختلف وتاريخ أقدم من كل التقارير اللي شفتها.
وتحت التاريخ، كان فيه سطر واحد
يُرجى مراجعة نتيجة الفحص الأول قبل اعتماد التشخيص النهائي.
رفعت عيني ببطء.
هو إيه الفحص الأول ده؟!
إريك بص للورقة، ووشه اتغير.
أما نايجل، ففضل واقف مكانه، وبعدين قال بصوت منخفض
الفحص ده… هو بالظبط اللي لازم نعرف حصل له إيه، لأن نتيجته مش موجودة في الملف اللي راجعته.
وفي اللحظة دي، أدركت إن استعادة نظري ماكنتش نهاية رحلة طويلة من الألم…
دي كانت بداية رحلة هعرف فيها الحقيقة عن إصابتي، وعن القرارات اللي أثرت على حياتي، حتى لو الحقيقة طلعت مختلفة تمامًا عن كل اللي كنا متخيلينه.
رجعت البيت بعد يوم طويل في المستشفى، لكن المرة دي كنت شايفة كل حاجة بعيني لأول مرة من عشرين سنة.
كنت ماشية ببطء في الصالة، ألمس ضهر الكنبة، وأبص للصور المعلقة على الحيطان، وأحاول أستوعب إن البيت اللي عشت فيه سنين طويلة من غير ما أشوفه، بقى قدامي بكل تفاصيله.
لكن أكتر حاجة وجعتني كانت صور ولادي.
وقفت قدام صورة كبيرة ليهم وهما صغيرين، وفضلت أبص لوشوشهم، وأحاول أتخيل اللحظات اللي فاتتني.
نايجل كان واقف بعيد، سايبني آخد وقتي، لحد ما قرب مني وقال
عارف إنك لسه زعلانة مني، ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. بس عايزك تعرفي إني هساعدك توصلي للحقيقة، حتى لو الحقيقة دي هتخليني أواجه حاجات كنت بهرب منها طول عمري.
بصيت له وقلت
أنا مش عايزة منك وعود يا نايجل. أنا عايزة الحقيقة، ومش عايزة أي حد يقرر بدالي إيه اللي أقدر أتحمله وإيه اللي لأ.
هز راسه، وقال
عندك حق.
تاني يوم الصبح، نايجل اتصل بالمستشفى القديم، وطلب مراجعة الأرشيف الطبي الخاص بحالتي. وبعد ساعات من الانتظار، وصلنا رد من إدارة المستشفى.
كان فيه سجل قديم محفوظ في مخزن الوثائق، لكن قبل ما يسمحوا لنا بالاطلاع عليه، طلبوا حضور لجنة طبية لمراجعة الملف.
وافقت فورًا.
أنا ماكنتش عايزة أتهم حد، ولا أصدق كلام أي شخص من غير دليل. كل اللي كنت عايزاه إني أفهم إيه اللي حصل فعلًا يوم إصابتي.
بعد يومين، رحنا المستشفى.
دخلنا غرفة اجتماعات صغيرة، وكان موجود فيها طبيب متخصص، ومسؤولة الأرشيف، ونايجل، وأنا.
حط الطبيب قدامي ملفًا سميكًا، وقال
إحنا راجعنا السجلات المتاحة، ولقينا إن فيه بالفعل فحص أولي اتعمل بعد الحادث، لكن النتيجة الأصلية مش موجودة. الموجود مجرد إشارة للفحص في تقرير لاحق.
سألته
يعني إيه؟ هل ده معناه إن حد أخفى النتيجة؟
رد بحذر
مش بالضرورة. الملفات الطبية القديمة أحيانًا بتكون ناقصة بسبب أخطاء في الحفظ أو نقل السجلات. ماعندناش دليل يسمح لنا نقول إن حد تعمد إخفاء أي مستند.
كنت متوترة، لكن كلامه خلاني أتمسك بالأمل إننا نقدر نفهم اللي حصل من غير ما نظلم حد.
وفجأة، مسؤولة الأرشيف فتحت درجًا صغيرًا، وطلعت منه ظرفًا أبيض قديمًا.
قالت
أثناء مراجعة الملفات المرتبطة بحالتك، لقينا الظرف ده محفوظ في قسم مختلف عن القسم اللي كان فيه ملفك الأصلي.
مدته للطبيب، ففتحه وبدأ يراجع الأوراق اللي جواه.
وبعد دقائق، رفع راسه وبص لنايجل.
الدكتور نايجل، محتاج أسألك سؤال بخصوص العلاج اللي اتعمل للمريضة في طفولتها.
نايجل رد
اتفضل.
الطبيب سأله
هل كنت على علم إن بعض تفاصيل إصابتها وقت الحادث كانت مختلفة عن الوصف الموجود في التقرير الأول؟
نايجل اتفاجئ.
لأ. أنا ماعرفتش التفاصيل دي غير لما بدأت أراجع السجلات من حوالي سنة.
الطبيب هز راسه، وبعدين التفت ناحيتي.
الورقة اللي لقيناها مش كافية لوحدها عشان نحدد سبب اختلاف التقارير، لكنها بتوضح إن الأطباء وقتها كانوا محتاجين فحوصات إضافية قبل تثبيت التشخيص النهائي.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
طيب، هل كان ممكن نظري يرجع من زمان؟
الطبيب سكت لحظة، وبعدها رد بصدق
ماقدرش أقولك إن ده كان ممكن أو مستحيل. الأدلة اللي عندنا مش كافية عشان نحكم على القرارات الطبية القديمة، خصوصًا بعد مرور كل السنين دي. لكن نقدر نراجع حالتك الحالية، ونحدد إيه أفضل طريقة للحفاظ على النتيجة اللي وصلنا لها بعد العملية.
كنت محتاجة أسمع الكلام ده، حتى لو ماكانش الإجابة اللي كنت بحلم بيها.
لأني أخيرًا بدأت أفهم إن الحقيقة مش دايمًا بتكون اعترافًا صادمًا أو شخصًا شريرًا بيكشف عن نفسه.
أحيانًا الحقيقة بتكون مجموعة تفاصيل ناقصة، وقرارات اتاخدت في ظروف صعبة، وأسئلة لازم تتجاوب بالدليل.
بعد الاجتماع، خرجت أنا ونايجل للممر.
وقفت قدام شباك كبير، وبصيت للسماء.
قلتله بهدوء
تعرف إيه أكتر حاجة وجعتني في كل اللي حصل؟
بصلي وسكت.
كملت
مش إن فيه معلومات ناقصة عن إصابتي. اللي وجعني إنك كنت شايفني بحلم إني أشوف الدنيا، ومع ذلك كنت بتحاول تمنعني من إني أخوض التجربة، من غير ما تشرحلي خوفك الحقيقي.
نايجل نزل راسه.
كنت خايف من احتمالات كتير، وكنت فاكر إني بحميكي لما أحاول أخليكي تتراجعي. لكن أنا غلطت لما ماشاركتكيش مخاوفي بصراحة.
بصيت له وقلت
أنا محتاجة وقت عشان أرجع أثق فيك زي الأول. لكن لو هنكمل حياتنا مع بعض، مش عايزة أسرار بالشكل ده تاني.
رد من غير تردد
موافق.
وفي اللحظة دي، تليفونه رن.
بص للشاشة، وبعدها رد على المكالمة.
كان الدكتور المسؤول عن متابعة حالتي بعد العملية.
نايجل سمع كلامه باهتمام، وبعدها قال
تمام، هنكون موجودين بكرة الصبح.
قفل التليفون، وبصلي.
سألته
فيه إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
نتيجة الفحص الجديد ظهرت، والدكتور عايز يقابلنا عشان يشرح لنا خطة المتابعة المناسبة.
قلبي اتملّى بالأمل والخوف في نفس الوقت.
تاني يوم، رحنا المستشفى، وقعدنا قدام الدكتور اللي كان ماسك نتائج الفحوصات.
بصلي وقال
عندي خبر كويس. نتائج الفحص بتوضح إن العملية حققت النتيجة اللي كنا بنستهدفها، لكن لسه محتاجين نتابع تطور قدرتك على الرؤية خلال الفترة الجاية. ومش هنقدر نحكم على كل النتائج النهائية من فحص واحد.
ابتسمت، والدموع نزلت من عيني.
لأول مرة من عشرين سنة، كان عندي مستقبل أقدر أشوفه بعيني، مش مجرد حلم بتخيله في ضلمة طويلة.
لكن قبل ما نقوم، الدكتور فتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة كان محتفظ بيها ضمن المستندات اللي راجعها.
بص للصورة، وبعدها بص لنايجل وسأله
هل المريضة تعرف إن الشخص اللي ساعد في حفظ السجلات القديمة دي كان بيتابع تطورات حالتها من بعيد لسنين طويلة؟
نايجل بصلي، وسكت.
التفت للدكتور وسألته
مين الشخص ده؟
الدكتور حط الصورة قدامي.
كانت صورة لرجل كبير في السن، واقف قدام مبنى المستشفى القديم، وبجانبه دانيال.
وتحت الصورة، كان فيه اسم شخص ما سمعتوش قبل كده.
الدكتور روبرت هاريس… الطبيب اللي أشرف على أول فحص ليا بعد الحادث!
رفعت عيني للدكتور، وقلت
هو لسه عايش؟ أنا لازم أقابله!
الدكتور اتردد، وبعدها رد
للأسف، الدكتور روبرت توفى من سنين. لكن قبل وفاته، سلّم المستشفى صندوقًا فيه ملاحظاته الشخصية عن بعض الحالات القديمة، وحالتك كانت من ضمنها.
نايجل قرب من المكتب، وسأله بلهفة
والصندوق ده موجود فين دلوقتي؟
الدكتور رد
لقيناه من يومين، لكننا لسه ماخلصناش مراجعة كل محتوياته.
وبعدين فتح ملفًا صغيرًا، وطلع منه ورقة مطوية.
قال
فيه رسالة قصيرة كتبها الدكتور روبرت، وموجهة للمريضة نفسها.
مديت إيدي وأخدتها.
كان مكتوب فيها
إلى الفتاة التي أتمنى أن تقرأ هذه الرسالة يومًا ما…
إذا وصلت إليك هذه الكلمات، فهذا يعني أنك كبرتي، وإنك لسه بتدوري على إجابات عن اللي حصل لك.
أنا آسف إنك اضطررتي تعيشي كل السنين دي من غير ما تعرفي كل التفاصيل المتاحة عن حالتك.
لكن قبل ما تحكمي على أي شخص، أرجوكي تقرأي الملاحظات المرفقة، لأنها بتوضح ليه اتاخدت بعض القرارات الطبية وقتها.
قلبت الورقة، فوجدت جملة أخيرة مكتوبة بخط صغير
وأهم ملاحظة في الملف كله هي اللي اتكتبت في اليوم السابق للحادث، مش اليوم اللي حصل فيه الحادث.
وقفت مكاني، وأنا مش قادرة أصدق اللي قريته.
اليوم السابق للحادث؟!
إزاي يكون فيه ملاحظة طبية تخصني قبل ما أقع وأصاب؟
بصيت لنايجل، ولقيته بيبص للورقة بنفس الذهول.
أما الدكتور، فطلب مننا ننتظر لحظات، وبعدها رجع ومعاه صندوق أرشيف صغير.
حطه على المكتب، وفتح الغطاء ببطء.
وفي اللحظة اللي شفت فيها أول ملف جواه، عرفت إن الإجابة اللي بندور عليها من البداية ممكن تكون أقرب مما تخيلنا…
لكن هل كانت الملاحظة دي مجرد خطأ في التاريخ، ولا فيه تفصيلة قديمة محدش انتبه لها طول السنين اللي فاتت؟
فتحت الملف الأول، وبدأت أقلب صفحاته بحذر، لحد ما وصلت لورقة مكتوب في أعلاها تاريخ اليوم اللي سبق الحادث.
كان اسمي مكتوب بخط واضح، وتحته ملاحظة قصيرة من الدكتور روبرت
المريضة حضرت للفحص برفقة أحد أفراد أسرتها، وتحتاج إلى متابعة إضافية بسبب شكوى متكررة من اضطراب الرؤية.
اتجمدت مكاني!
اضطراب الرؤية؟!
أنا كنت طفلة صغيرة وقتها، ومش فاكرة إني دخلت مستشفى قبل الحادث أصلًا!
بصيت للدكتور المسؤول وسألته
هو ممكن تكون الورقة دي تخص طفلة تانية عندها نفس اسمي؟
راجع رقم الملف، وبعدها هز راسه.
رقم الملف مطابق لملفك، لكن لازم نراجع باقي المستندات قبل ما نستنتج أي حاجة.
نايجل قرب مني وقال
خلينا نعرف التفاصيل الأول. مش عايزين نفهم حاجة غلط ونبني عليها استنتاجات مش مؤكدة.
كنت متوترة، لكني وافقت.
بدأنا نقلب باقي الأوراق، لحد ما لقينا سجلًا صغيرًا فيه اسم الشخص اللي رافقني في الزيارة القديمة.
أول ما قريت الاسم، شهقت!
كانت أمي!
أمي كانت أخدتني المستشفى قبل الحادث بيوم واحد، لكن ليه؟!
أنا فاكرة طفولتي كويس نسبيًا، وعمري ما سمعتها بتحكي عن زيارة المستشفى دي.
طلبت من الدكتور يصورلي الورقة، وبعدها خرجنا من المستشفى.
طول الطريق، كنت بفكر في سؤال واحد إيه اللي خلّى أمي تاخدني للدكتور قبل الحادث بيوم؟
ولما وصلنا البيت، اتصلت بيها فورًا.
كانت أمي لسه عايشة، لكنها كبرت في السن، وصحتها ماعادتش زي زمان.
أول ما سمعت صوتي، فرحت جدًا لما عرفت إني بقيت أشوف.
فضلت تدعيلي وتعيط من الفرحة، لحد ما سألتها
ماما، فاكرة اليوم اللي وقعت فيه من على المرجيحة وأنا صغيرة؟
صوتها اتغير فجأة.
أيوه يا بنتي، فاكرة.
طيب، إنتِ أخدتيني للدكتور قبل الحادث بيوم؟
سكتت أمي.
ثواني طويلة عدت من غير ما تنطق بكلمة واحدة.
وبعدين قالت بصوت واطي
إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لقيت تقرير طبي قديم. ماما، إيه اللي حصل في اليوم ده؟
سمعتها بتاخد نفسًا طويلًا، وبعدها قالت
كنت خايفة إنك تفتكري إني قصّرت معاكي، وعشان كده ماحبيتش أفتح الموضوع تاني.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
قصّرتي في إيه يا ماما؟!
ردت بسرعة
لأ يا حبيبتي، أنا ماقصرتش معاكي. أنا أخدتك للدكتور لأنك كنتِ بتشتكي من صداع وبتقولي إن النور بيضايق عينيكي. الدكتور طلب فحوصات إضافية، لكننا ماكملناهاش في اليوم ده.
سألتها بلهفة
ليه؟!
قالت
لأننا كنا مستنيين ميعاد تاني، وبعدها بيوم حصل الحادث، وكل

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *