حكايات رشاد
وقفت في مكاني وأنا حاطة شنطتي على كتفي، وبصيت له بمنتهى الهدوء:
“مصطفى.. أنا ما سبتكش وهربت، أنا مشيت لما البيت ما بقاش بيت، ولما الراجل ما بقاش سند. السفر ده مش هروب منك، السفر ده خطوتي الطبيعية للقدام.”
مصطفى نزل على ركبتيه في جراج الشركة، المنظر كان يوجع القلب لراجل كبرياؤه اتكسر في الأرض، وبدأ يعيط بصوت مكتوم:
“أنا خسرت كل حاجة يا رضوى.. أمي من يوم المستشفى ما بتتكلمش مع حد، وقاعدة في صالتها مش بتمسك الأجندة ولا بتطيق تنطق اسمها، وأختي فسخت خطوبتها بعد ما الناس عرفوا بالمحاكم والمحاضر، وأنا.. أنا بقيت عايش زي الميت في البيت ده! ارجوكي ما تسافريش.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إني اتغيرت، هسيب البيت ونعيش في أي حته تطلبيها!”
بصيت له من فوق، وحسيت بمزيج من الشفقة والارتياح. الشفقة على النهاية اللي وصل لها بسبب طمعه وضعف شخصيته، والارتياح إني ما بقيتش طرف في الدراما دي.
وطيت شوية وقربت منه وقلت له بكلمات حاسمة ومحددة:
“مصطفى.. قوم اقف على حيلك. القوة مش إنك تترجى ست سابتك، القوة كان المفروض توريها يوم ما أمك كسرّت درجي وقالتلي ‘هات الفيزا’. الفرص بتيجي لما يكون فيه أمل في التغيير، لكن إنت وأهلك اراهنتم على كسري، والرهان خسر. اتعلم من الدرس ده لنفسك ولحياتك الجاية.. لأن رضوى خلاص، كانت صفحة وافلت للأبد.”
سيبته قاعد في الجراج على الأرض، وركبت عربيتي ومشيت.
في المطار..
تاني يوم بالليل، كنت واقفه في صالة المغادرة، شايلة شنطة سفري وباصة لشاشة الرحلات. التليفون رن، كان المحامي.
“أستاذة رضوى.. حبيت أطمنك إن المؤخر وحقك المالي بالكامل اتورد في حسابك البنكي النهاردة الصبح. حمايا بنفسه راح البنك وورّد المبلغ، وبعتلك رسالة معايا بيقولك فيها: ‘سامحينا يا بنتي، وربنا يوفقك في طريقك’.”
ابتسمت وغمضت عينيا:
“شكراً يا أستاذ.. شكراً على كل حاجة.”
قفلت التليفون، ورميت الخط المصري في سلة المهملات بالمطار.
صعدت على الطيارة، وقعدت جنب الشباك. ولما الطيارة بدأت ترتفع فوق السحاب، بصيت للشارع وللمدينة اللي تحتيا، وحسيت بوزن جبل كامل بيتشال من فوق صدري.
عيلة الحاج متولي اتعلمت الدرس الأقسى في حياتها: إن الست لما تكون مكافحة وناجحة، سكوتها وطيبتها مش ضعف ولا قلة حيلة، وإن القوة الحقيقية مش في الأجندات والكروت والسيطرة الفارغة.. القوة في الكرامة والاستغناء.