ماتعمليش الوش ده يا ندى

—ماتعمليش الوِش ده يا ندى. محدش بيخطفك، أنتِ بس هتدفعي دين على العيلة دي كلها.
​مرات أبايا قالتلي الكلام ده تحت المطر، ورا مول مهجور في أطراف أكتوبر، وظوافرها غرسانة في دراعي.
​جنبها كانت بنتها شروق ماسكة الموبايل وبتتفرج عليه ولا كأني موجودة أصلاً.
​كان عندي ستة وعشرين سنة، ولسه عارفة حالا إن بالنسبة للستين دول—اللي عشت معاهم من يوم ما بابا مات—أنا قيمتي عندهم بالضبط ثمانمية ألف جنيه.
​ثلاث سنين كاملة شغال شفتات ورا بعض في مطعم في المهندسين. مرتبي كان بيدفع إيجار الشقة، وفاتورة الكهرباء، ومصاريف شروق، وكمان—من غير ما أعرف—رهانات وقمار داليا.
​في الليلة دي بس فهمت ليه الفلوس عمرها ما كانت بتكفي.
​عربية سودة فاميه ظهرت من آخر الشارع.
​أول ما وقفت قدامنا، داليا مسكت دراعي بأقوى ما عندها.
​—اتظبطي —همستلي— ما تبوظيش الدنيا.
​من العربية نزل سليم الهواري.
​في القاهرة كل الناس كانت تعرف اسم عيلته.
​ورقياً ورسمياً كان صاحب مخازن وشركات نقل واستثمار عقاري. بس من تحت لتحت، كان فيه إشاعات ملهاش أول من آخر حواليه: رجالة بتختفي بعد ما تخونه، بيزنس بيتغير صاحبه بين يوم وليلة، وسياسيين وصناع قرار بيوطوا صوتهم أول ما اسمه ييجي في الكلام.
​أنا كنت متوقعة أشوف وحش.
​لقيت راجل عنده حوالي أربعين سنة، لابس بدلة سودة، عينيه باين فيها التعب، ووشه هادي وبرد بطريقة تحسس ك إنه مستحيل يتفاجئ بأي حاجة في الدنيا.
​داليا ابتسمت.
​—أهي قدامك.. زي ما اتفقنا.
​سليم بصلي.
​—هي عارفة هي هنا ليه؟
​داليا اتكلمت بسرعة:
​—مش مهم.. أنا وافقت خلاص.
​هو أخيرًا بص لها وقال:
​—أنا أسألك أنتِ؟
​حسيت بزيقي ناشف.
​—بتقول إنها مديونة لك بفلوس.
​سليم هز راسه.
​واحد من رجالته سلم داليا ظرف فيه كمبيالات وشيكات.
​فتحت الظرف بلهفة، اتأكدت من الورق وابتسمت.
​وفي لحظتها سابت دراعي.
​بالبساطة دي.
​لا حضن.
​لا آسفة.
​حتى شروق منطقتش ولا كلمة.
​مشيت ورة أمها وراحت ناحية عربيتهم اللي جوم بيها.
​—أنتو بجد ماشيين وسايبيني؟ —سألتهم.
​داليا لفت راسها حاجة بسيطة:
​—أنتِ كبرتي خلاص يا ندى، اتعلمي تحلي مشاكلك بنفسك.
​الجملة دي وجعتني أكت ر من أي ضربة أخدتها منها طول السنين اللي فاتت.
​سليم شاور على عربيته:
​—اركتبي.
​ركبت لأن مكنش معايا ولا مليم، ولأن البيت اللي عشت فيه مابقاش بيتي، ولأن الشخصين الوحيدين اللي كان المفروض يدافعوا عني لسه بايعيني وسايبيني في المطر.
​كنت مستنية سليم يحبسني.
​ده مفيش حاجة منه حصلت.
​فيلا سليم كانت قريبة من بحيرة قارون في الفيوم، قدام المية، متأمنة بكاميرات ورجالة حراسة في كل حتة. إداني أوضة، وهدوم نظيفة، وأمر واحد بس:
​—الجناح الشرقي ما تدخليش فيه.
​—هو ده بس؟
​سليم بصلي باستغراب:
​—أنتِ كنتِ مستنية ايه؟
​—مش عارفة.. أوضة مقفولة عليّ بمفتاح من برة مثلاً.
​ولأول مرة ظهرت ابتسامة مريرة على وشه.
​—مرات أباكِ كانت مديونة لي بثثمانمية ألف جنيه.. أنا مشتريتش بني آدمة يا ندى.
​—أمال قبلت تاخدني ليه؟
​ملامحه اتغيرت وجمدت:
​—عشان داليا كانت فاكرة إنها لما تسلمك ليا هتكون بتأذيكي أكتر ما بتخسر فلوس. كنت عايزها تفتكر إن خطتها نجحت.
​حسيت بوجع وفراغ في صدري.
​—يعني أنا حتى ما استاهلش الثمانمية ألف؟
​—أنتِ اللي بتقولي كده، مش أنا.
​الأسابيع اللي بعد كده كانت غريبة جداً.
​محدش مد إيده عليّ.
​محدش زعقلي.
​محدش شال طبق الأكل من قدامي قبل ما أخلص.
​وده كان مرعب بالنسبة لي، لأن لأول مرة من سنين، مكنتش عارفة أتصرف ازاي لما محدش بيذلني ويأذيني.
​في الفجر، سمعت خبطة جامدة عند الباب.
​سليم ظهر وهو مجروح، وسانده واحد من رجالته.
​—محدش يطلب حد —أمرهم.
​أنا كنت ممرضة بابا طول فترة مرضه، وكان عندي خلفية كويسة جداً في الإسعافات الأولية.
​من غير ما أفكر، نزلت.
​—اقعد هنا.
​سليم بصلي وهو متفاجئ:
​—اطلعي أوضتك يا ندى.
​—أنت بتغرق البيت دم.
​الراجل اللي معاه طلع منه ضحكة متوترة.
​وسليم في الآخر سمع الكلام وقعد.
​وأنا بضمد له الجرح، سألني:
​—ليه مجهربتيش الليلة دي؟
​كملت غيار على الجرح:
​—عشان أنا اصلاً كنت عايشة مع وحوش.
​رفع عينيه وبصلي:
​—داليا؟

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *