ماتعمليش الوش ده يا ندى

​—كانت بتاخد مرتبي كله. بتحرمني من الأكل. ولما تخسر في الرهان، تطلع غلها كله فيا. وشروق كانت عارفة كل حاجة وما فتحتش بقها.
​خلصت اللف:
​—لما ركبت عربيتك مكنتش حاسة إنك واخدني للجهنم يا سليم..
​سكت لحظة وهو باصصلي:
​—أنا حسيت إنك بتطلعني منها.
​تاني يوم الصبح، دخلت المكتب بتاعه عشان أطمن على الجرح، لقيت عشرات الفايلات والملفات المرمية على المكتب.
​فواتير، عقود، حركة حسابات، كشوفات.
​أنا اشتغلت سنين ماسكة الحسابات والإدارة في المطعم، ولمحت على طول حاجات مش مظبوطة.
​—فيه حد بيسرقك.
​سليم رفع عينيه بشويش:
​—قلتِ ايه؟
​مسكت فايل من الورق:
​—الورق ده فيه فلوس ناقصة ومش مظبوطة.
​نظرة وشه اتغيرت تماماً.
​راح قافل باب المكتب، وحط قدامي كرتونة تانية مليانة ورق ومستندات:
​—أثبتي كلامك.
​قعدت ست ساعات براجعهم ورقك ورقة.
​لما خلصت، شاورت على ثلاث شركات، وعلى اسم واحد كان بيتكرر في كل مصيبة.
​طاهر العبد.
​الذراع اليمين لسليم.
​في الليلة دي، سليم جمع رجالته كلهم.
​أنا كنت قاعدة على يمينه لما طاهر بصلي وضحك باستهزاء:
​—هو إحنا بقينا نلم بنات من الشارع كمان ولا ايه؟
​سليم فردش عليه.
​أنا اللي رديت:
​—يمكن المفروض تقلق على نفسك وتفهمنا الفلوس اللي ناقصة في الشركات اللي بتديرها راحت فين، بدل ما تشغل بالك أنا كلفت كام.
​السفرة كلها سكتت سكوت يقطع النفس.
​طاهر وشه جاب ألوان وعرق.
​وسليم، بدل ما يدافع عنه أو يسكتني، حط كاس المية على التربيزة بالراحة جداً.
​—كملي يا ندى.. أنا سامعك.
​في اللحظة دي بس، فهمت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي:
​سليم مكنش قاعدني جنبه عشان يحميني..
​كان قاعدني جنبه عشان يشوف أنا هعمل ايه لما الكل يستنى مني أوطي راسي وأخاف.
​ومكنتش مصدقة ايه اللي على وشك إنه يحصل دلوقتي.
طاهر أنكر كل حاجة. قال إنني واحدة غريبة بحاول أعمل لنفسي وضع وسلطة، وأكيد اتلخبطت في الورق والملفات، وإن سليم بيعمل غلطة كبيرة لما يثق في واحدة جت بيته كأنها سداد دين. ولأول مرة ما وّطيتش وشي ولا نّزلت عينيا. —خلاص، افتح دفاتر حساباتك وأثبت عكس كلامي. طاهر قال عليّ كدابة. سليم ضرب بكف إيده على التربيزة جامد: —الأسلوب ده ميتكررش معاها تاني! السكوت طَبّ على المكان في لحظتها. الليلة دي افتكرت إني كسبت، بس بعد كام ساعة اكتشفت إني أنا كمان وقعت في فخ. لقيت سليم قاعد لوحده في المطبخ. —فيه حاجة أنتِ مش فاهمة أبعادها —قاللي. —حاجة ايه؟ —جزء من اللخبطة والسرقة اللي لقيتيها في الحسابات دي.. أنا اللي عملته بنفسي. حسيت بضربة في بطني. —سيبتني أتهم طاهر وأنت عارف كده؟ —كنت عايز أشوف رد فعله هيعمل ايه. —أنت استغليتني! سليم مأنكرش. —كنت محتاج اعرف أنتِ قادرة تدافعي عن نفسك ولا لأ. —أنا مش عروسة ماريونيت بتحركها! —يبقى بطل تتصرفي كأنك مستنية إذن عشان تعيشي وتكوني موجودة! كرهته لما قال الكلمة دي، وكرهته أكتر لأن جزء مني كان فاهم بالظبط هو يقصد ايه. بعد سنين من العيشة والنجاة بسبب السكوت، اكتشفت حاجة خطيرة: أنا بعرف أفكر كويس تحت الضغط. وسليم شاف ده فيّ قبلي. خلال الأيام اللي بعد كده، راجعنا بقية الحسابات سوا. الخيانة الحقيقية بتاعة طاهر بدأت تبان شوية شوية. كان مجهز عقود مزورة، وبيفاوض من ورا ضهر سليم، وكمان متواصل مع منافسين كانوا عايزين ياخدوا منه شركاته والسوق بتاعه كله. الليلة اللي اتأكدت فيها من كل حاجة، سليم سألني: —لو تقدر تمشي بكرة ومعاك فلوس تكفيكِ تبدأي حياة جديدة.. هتسيبيني وتمشي؟ طولت أوي على ما رديت. —مش عارفة. —ده معناه لأ. —ده معناه إن لأول مرة في حياتي عايزة أنا اللي أختار. فيه حاجة اتغيرت بينّا. الموضوع مكنش حب ورومانسية في الأول.. كان اعتراف ببعض. هو بطل يعاملني كأني ضيفة تقيلة، وأنا بطلت أشوفه مجرد الراجل اللي داليا سلمتني ليه. في ليلة اتخانقنا بعد ما قعدنا نراجع الورق لساعات. —أنتِ بقيتي متعودة على كتر الأوامر —قالها عشان يستفزني. —وأنت متعود أوي إن الكل يسمع كلامك ويطيعك. —مضايقك الوضع؟ —جداً. —مش باين عليكِ. بوسته قبل ما ألحق أندم على اللي بعمله. مكنتش بوسة ناعمة؛ كانت غضب وخوف ومشاعر مكتومة بقالها أسابيع. لما بعدنا، سليم بصلي كأنه لسه مكتشف مشكلة جديدة في حياته. —ده كده هيعقد كل حاجة. —هي حياتك ناقصة تعقيد أصلاً! تاني يوم، الساعة تسعة الصبح، الفيلا اتهجم عليها. الإنذارات بدأت تضرب في كل مكان. الإزاز اتكسر في الدور الأول. رجالة الأمن كانوا بيجروا في الطرقات. سليم اقتحم أوضتي: —اقومي بسرعة! —طاهر؟ —باعنا. مسك إيدي وجرينا ناحية المخبأ المتأمن في الفيلا. بس النظام كان مقفول. طاهر كان معطل نص المداخل من جوه قبل ما يهرب. —مش هنعرف ندخل —سليم قال. أنا بصيت لشاشة التحكم وافتكرت حاجة. الأيام اللي فاتت كلها أنا كنت شغال على نظام الإدارة المركزي بتاع شركاته. أنا مش بعرف أكسر أو أضرب نار، ولا هعرف أقف قدام مسلخين، بس فاهمة السيستم اللي طاهر لعب فيه. —وديني أوضة السيرفرات. —يا ندى، لو نزلنا تحت ممكن نتحبس وم نطلعش. —عندك حل تاني؟ بص في عينيا ثانية واحدة. —لأ. نزلنا تحت. وخلال ما سليم كان بيمسك الوضع ويهدي الهرجلة في الكوريدور، أنا قدرت أرجع التحكم بتاع الطوارئ. في اللحظة دي ظهر إنذار تاني على الكومبيوتر. طاهر كان بيصفي الحسابات الرئيسية بتاعة الشركات. بيفضي كل حاجة. مرتبات، احتياطي، فلوس الشغل. ملايين بتختفي والفيلا بتضرب فوق. —سليم! —ايه؟ —هو مش عايز يقت/لك بس.. بصيت للشاشة. —هو عايز يسيبك عايش وبدون ولا مليم! —سيبك من الفلوس! افتحي المخبأ بسرعة! إيديا اتجمدت فوق الكيبورد. طول حياتي كان فيه حد تاني هو اللي بيحدد قيمتي بكام. داليا.. شروق.. حتى سليم لما قبل ياخدني الليلة دي. لأول مرة، كان قدامي حاجة ممكن تقلب الموازين كلها. أنا مأوقفتش عملية طاهر بس.. أنا حظرت البيانات والمعلومات اللي تثبت خيانته، وحميت الفلوس في حساب للشركة محدش يقدر يسحب منه مليم إلا بإذني أنا. وبعدها فتحت المخبأ. سليم وأنا دخلنا قبل ما الممر يتقفل ويتاخد بثواني. جوه، هو اكتشف اللي أنا عملته. —أنتِ حطيتي الفلوس تحت تحكمك أنتِ؟ —مؤقتاً. —أنتِ كده ممكن تمشي بثروة ملهاش أول من آخر. بصيت له. —اه. سليم سكت خالص. وبعدين مد إيده ليا: —يبقى قولي لي.. أنتِ عايزة ايه؟ السؤال ده جمدني مكاني. محدش في حياتي كلها سألهولي قبل كده. مش “المفروض تعملي ايه”، ولا “مستنيين منك ايه”، ولا “عليكِ دين ايه تدفعيه”.. أنتِ عايزة ايه. قبل ما ألحق أرد، موبايلي استقبل رسالة. كان رقم مأفتكرش إني شفته من ليلة المطر. داليا. “يا ندى، إحنا في مصيبة. بيقولوا إن سليم انتهى وخسر كل حاجة. محتاجينك ترجعي البيت وتساعدينا.. مهvector إحنا أهلك وعيلتك برضه.” وريته الرسالة. سليم مابتسمش. —هتعملي ايه؟ فضلت باصة للكلمات دي كام ثانية. وبعدها كتبت جملة واحدة بس: “يا بابا.. قصدي يا داليا، دلوقتي بس جه الوقت اللي لازم نتكلم فيه فعلاً.” لأن داليا لسه مكنتش تعرف مين اللي طلع عايش من الهجوم ده.. والأهم من كده، مكنتش تعرف أنا تحولت لبني آدمة عاملة ازاي.
سليم بصلي بتركيز، وعينيه باين فيها الاندهاش والترقب لما شاف ردّي على الرسالة.
​—أنتم كده هتروحوا في السكة الصعبة —قالها وهو بيطلع مسدسه ويتأكد من الخزنة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *