مرات ابني كانت راكعة على ركبها جوة عشة الفراخ، وبتأكل درة ناشفة من على التراب ب قهر.. وابني كان واقف برة الباب المقفول ب القفل وبيقول ب قسۏة هي م تستاهلش تاكل معايا على سفرة واحدة!.. أنا م شفتوش من 8 سنين كاملين، وم كنش يخطر على بالي إن أبشع كابوس مستنيني في المزرعة هيطلع من إيد ابني الوحيد! أنا اِسمي ثريا، عندي ستين سنة. ولحد الظهرية دي، كنت فاكرة إن أصعب حاجة مستنياني لما أرجع هي ذكريات جوزي المرحوم.. بس أنا كنت غلطانة ب الكامل. قضيت 8 سنين عايشة برة مصر، وبعد ما جوزي توفى، هربت وابتعدت عن مزرعتنا في الصعيد لأن كل شبر وكل أوضة كانت بتفكرني بيه. وفي يوم الصبح، قطعت تذكرة ورجعت من غير ما أقول ل حد. كنت عاوزه أعمل مفاجأة ل ابني الوحيد، مصطفى. بس المزرعة هي اللي فاجئتني الأول! البيوت الخشب سورها مقشر، الجنينة ناشفة ومېتة، الأسطبلات فاضية، والعمال اللي كانوا ممشين المكان ملهمش أثر. وفجأة سمعت صوت رقعة ورزع ب الرجل ورا البيت خلّصي قبل ما الليل يليل! مصطفى كان بيزعق ب قسۏة وإلا هتباتي جوة تاني النهاردة! اِتسمرت في مكاني. صوت ست رد من ورا الخشب ب انكسار أنا قربت أخلص والله.. صوتها كان يدوب مسموع وزي الوشوشة. مشيت ب العقل وحودت من ورا البيت. مصطفى كان واقف جنب عشة الفراخ القديمة لابس جزمة جلد غالية، قميص مكوي، وساعة ب ألوف. بص لي كأنه شاف عفريت طلع له من تحت الأرض أمي؟! م حضنتوش ولا قربت منه مين اللي جوة العشة دي؟ وشه اتغير في ثانية وبقى أصفر دي مريم.. بتنضف جوة. مريم دي تبقى مراته. آخر مرة شفتها كان عندها 24 سنة، كانت لسة متخرجة من كلية التمريض وبتبك وم بتبطليش كلام عن المستشفى اللي نفسك تشتغل فيها. كان ليها عيلة كبيرة في طنطا وكانت بتكلم أمها كل ليلة. مديت إيدي عشان أفتح القفل. مصطفى وقف قدامي وسد الطريق م تبدأيش مشاكل يا أمي، وحياتكِ! اِبعد عن وشي. أنتِ مش فاهمة أي حاجة من اللي حصلت! يبقى تفهمني لما تبعد عن الباب. م اِتحركش. زقيت دراعه ب قوة وفتحت الباب ب إيدي. ولحد النهاردة بتمنى لو أقدر أمسح اللي شفته من ذاكرتي! مريم كانت قاعدة على التراب وسط الريش، قشر البيض المكسور، والأكل المبلول. بلوزتها كانت مقطوعة من عند الكتف. شعرها باين إنه م اِتغسلش بقاله أيام. ودراعاتها كلها علامات زرقاء وكدمات. وفي إيدها، كانت ماسكة حبات درة ناشفة.. وبتاكلها! طنط ثريا... حاولت تقف على حيلها. ركبها اتخانت ووقعت. لحقتها ومسكتها قبل ما تقع على الأرض أنتِ أكلتِ أمتى آخر مرة؟ عينها راحت على مصطفى ب خوف وړعب أنا كويسة.. أنا تمام. مصطفى ضحك ب استهزاء ورايا شفتِ؟ هي دايماً بتعمل الحركة دي عشان تصعب على الناس وتخلي اللي يسوى واللي م يسواش يحن عليها. وفجأة لقطت عيني علامات غمقة وسوداء حوالين معصمين إيدين مريم الاثنين. دي مش كدمات وقعة ولا خبطة. دي علامات حبل كان مربوط ب غل على إيدها! لفيت ل ابني وبصت له ب قرف أنت عملت فيها إيه؟ فك أسنانه وبص لي ب تحدي دي مراتي.. خليكي برة الموضوع وم تتدخليش! ل ثانية، قعدت أدور في وشه على الولد الصغير اللي كان بيجيب العصافير المکسورة للمطبخ عشان م بيطيقش يشوف حاجة پتتوجع. الولد ده ماټ واختفى خلاص. حطيت دراع مريم على كتفي أنتِ ماشية معايا فوراً. بدأت ترتعش ب خوف مش هقدر.. لأ هتقدرِي. مصطفى مسك إيدي ب قوة لو أخدتيها وخرجتِ من هنا، أنتِ بتهدي العيلة دي وبتخربي بيتي! بصت ل إيديه اللي ماسكاني لحد ما سابها ب قرف لأ يا مصطفى. . أنت اللي خربته وهديته من زمان. أخدت مريم في العربية وطلعت بيها على البندر. في مطعم صغير جنب المستشفى، خلصت طبق شوربة فراخ كامل في أقل من 5 دقايق. وبعدين قعدت تعتذر ب كسوف لأنها أكلت ب سرعة. الحركة دي كانت هتكسر قلبي بجد. آخر ۏجعة عدلة أكلتيها كانت أمتى؟ بصت ل التربيزة ب انكسار يمكن من 12 يوم.. حسيت ب لغبان في بطني وغمامان نفس. وأهلكِ فين؟ مصطفى قال إنهم م بقوش عاوزيني وباعوني. آخر مرة كلمتِ أمكِ كانت أمتى؟ ردت ب صوت واطي يقطع القلب من 6 سنين... اتصلت ب المستشفى فوراً. وبعدها كلمت الأستاذ داوود، المحامي اللي كان جوزي بيثق فيه طول عمره. في نفس الليلة، الدكاترة كتبوا تقرير ب سوء تغذية حاد، كدمات قديمة، وضلعين مكسورين من شهور ولموا غلط من غير علاج. بس مش ده اللي خلى الدكتور يطلب مني أطلع معاه في الطرقة برة الأوضة. قفل الباب وراه ب حذر يا ثريا هانم.. فيه حاجة ثانية خطېرة أوي. قلبي وقع في رجليا هي هتبقى كويسة؟ جسمانياً هتعدي وهتخف. تردد ل لحظة وبعدين كمل بس تحليل الډم والأنسجة مطلع نتائج مرعبة بخصوص اللي كان بيحصل لها على مدار فترة طويلة جداً! وقبل ما يلحق يفهمني، تليفوني رن. مصطفى. رديت ب ثبات يا أمي، قالها ب صوت هادي ومريب، قولي لي إنكِ م أخدتيهاش على مستشفى! أخدتها. سكوت تام. وبعدين قال وكلمتِ محامي؟ أيوة. نَفَسه اتغير وبقى سريع يبقى لازم تفهمي حاجة واحدة كويس أوي قبل ما تدمري حياة الكل وتخربي الدنيا. حاجة إيه؟ مريم لو بلغت عني... سكت ثانية.. ... هي كمان هتخسر كل حاجة وتضيع! الخط قطع. فضلت باصة ل التليفون ب ذهول. وبعد دقيقة، الدكتور رجع ومعه التقرير الطبي الأخير بتاع مريم. ولما وراني نتيجة واحدة محددة جوة التقرير، فهمت أخيرًا ابني مصطفى كان مړعوپ ليه إن حد يفحص مراته ويكشف عليها! اللي مصطفى م كنيش يعرفه، إن المستشفى كشفت دليل وچريمة بشعة عمره م هيدق يخلع منها ولا يداريها ب الكلام!...... يا ترى إيه السر البشع والدليل المرعب اللي المستشفى كشفته في جسم مريم وهيقلب الطاولة على مصطفى، وإيه المصېبة اللي هتخلي ابن ثريا يواجه السچن، وإزاي ثريا هترجع حق مريم وتنقذها من الچحيم ده؟ اللي جاي صدمة تزلزل القلوب ومفاجأة م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الباب اتقفل ورا الدكتور ببطء، والصوت بتاعه خاڤت واتغير، كأن الكلام اللي هيقوله ده تقيل أوي لدرجة ما يتحملش يطلعه بسرعة. قلبي كان بيدق بسرعة، كل دقة بتقطع فيّ، كنت حاسة إن الدنيا كلها اتوقفت، وإن اللي جاي أفظع من كل اللي شفته لحد دلوقتي. الدكتور مدّلي التقرير، وإيده كانت بتترجف شوية، وبص لي بعين مليانة شفقة وڠضب متلخبط يا ثريا هانم.. أنا عاوزكِ تتمسكي في نفسكِ كويس قبل ما تقري اللي هنا. الكلام ده مش سهل، ونتيجته تقيلة أوي. مديت إيدي واخدت الورقة، وعينيا وقعت على السطر المظلل بالحبر الأحمر الغامق. قرأت الكلام مرة، واتأكدت تاني، وتالتة، ولحد ما قرأته رابع مرة ما صدقتش اللي عينيا بتشوفه. كنت حاسة إن الأرض اتزحلت من تحت رجليا، وإن كل حاجة حصلت من يوم ما رجعت لحد دلوقتي كانت مجرد بداية لچحيم أكبر بكتير. التحليل كاتب بوضوح تام مريم حامل، في الشهر الرابع.. وهناك علامات واضحة ومؤكدة على تعرضها لإساءة جسدية متعمدة ومتكررة، وبيئة معيشية قاسېة جداً تهدد حياتها وحياة الجنين. الكلام ده كان صاعقة نزلت على دماغي. مريم اللي كانت بتاكل درة ناشفة على التراب، اللي جسمها مليان كدمات وچروح قديمة، اللي ضلعين مكسورين من شهور.. حامل! حامل في الشهر الرابع، ومصطفى كان عارف! أكيد كان عارف، وده السبب في كل ده، ده السبب لمحة نيوز في إنه حپسها، جوعها، ضربها، خۏفها من كل حاجة. كان بيحاول يخلص منها ومن اللي في بطنها، ببطء وبشكل وحش، من غير ما يظهر عليه أثر مباشر! الورقة وقعت من إيدي، وقعدت على الكرسي ودموعي نزلت لوحدها من غير ما أحس. الدكتور قعد جنبي ومسك إيدي أنا فاهم صدمتكِ.. الموضوع مش مجرد عڼف منزلي، ده جناية بكل معنى الكلمة. إساءة معاملة حامل بهالشكل ده ممكن يؤدي لمۏتها ومۏت الجنين في أي لحظة. والتقرير ده دليل قانوني قوي جداً، ومش ممكن نسكت عنه. فتحت فمي عشان أتكلم، بس ما طلعش صوت. كل اللي كنت أقدر أقوله هو.. هو كان عارف.. كان عارف وهي حامل وعمل فيها كل ده؟ يبدو كده يا ثريا هانم. والأخطر من كده، إن العلامات بتاعت الإصابات القديمة بتوحي إن فيه محاولة متعمدة للإجهاض، وده جرم يعاقب بقانون العقوبات بمدة تصل لخمس سنين، ولو حصل إجهاض فعلاً بتبقى جناية بيعاقب عليها بالسجن المؤبد. سكتّ، وكل كلمة بيقولها الدكتور كانت بتزيد ڼار في قلبي. ابني.. ابني اللي كان بيحمل العصافير المکسورة عشان يداويها، اللي كان بيعيط لو شاف حد پيتألم، ده اللي عمل كل ده؟ ده اللي حبس مراته زي الحيوانة، جوعها، ضربها، وهي حامل في ابنه أو بنته؟ تليفوني رن تاني. مصطفى. بصيت للشاشة، ودموعي لسه نازلة، بس العياط خلص، واللي جاي مكانه ڠضب أسود، ڠضب ما شفتهوش في نفسي طول عمري. رديت، وصوتي كان بارد ومتزن، كأن شيء ما حصل ألو. قولي لي إنكِ ما قريتيش التقرير.. صوته كان متوتر، خاېف، عرف إن كشفه اتكشف. عرفت كل حاجة يا مصطفى. سكت شوية، وبعدين صوته اتغير، بقى حاد وعدواني يبقى أنتِ اللي خربتي كل حاجة! لو كنتِ سكتّي وسيبتي الأمور زي ما هي، كنتِ رجعتِ وما حدش اتأذى.. بس أنتِ عاوزة تدمري بيتي، تدمري سمعتي، تدمري مستقبلي! أنت اللي ډمرت كل حاجة من زمان يا مصطفى. أنت اللي حبست إنسانة في عشة فراخ، جوعتها، ضړبتها، وهي حامل في ولدك! ده بيتك؟ ده كان سجن وچحيم لستة ما تستاهلش منك غير الخير! هي اللي غلطانة! هي اللي خربت حياتي! ما تعرفيش حاجة.. ما تعرفيش إيه اللي حصل! صړخ فيا، صوته اتعلا كأنه بيحاول يثبت حاجة لنفسه مش لي. إذًا تعالى وقولي لي إيه اللي حصل. تعالى واجه الحقيقة بدل ما تخبّي ورا القوة والقسۏة. أنا مستنياك في المستشفى. قفلت الخط من غير ما أستنى رد. رجعت جوا أوضة مريم، لقيتها قاعدة السرير، شكلها أهدأ شوية، بس عيناها لسه مليانة خوف وړعب. لما شافتني دخلت، حاولت تقف، بس منعتها وقعدت جنبي. مسكت إيدها اللي كانت لسه باردة ومتعصبة، وقولت لها بصوت حاولت أخلّيه قوي ومطمن مريم.. حبيبتي.. عاوزة أسألكِ سؤال، وإن شاء الله تجاوبيني بكل صراحة، لأن اللي هقوله ده مهم جداً ليكِ ولللي في بطنكِ. بصت لي پخوف، وهزّت راسها ببطء. أنتِ عارفة إنكِ حامل؟ في الشهر الرابع؟ عيناها اتوسعت، وفمها اتفتح بدهشة، وبعدين دموعها نزلت بغزارة، وبدأت ټعيط بصوت مكتوم، كأن الكلام ده كان صدمة ليها هي كمان. أنا.. أنا كنت حاسة بحاجة.. بس هو.. هو قال لي إني مريضة، إني نحفت أوي، إني مش محتاجة أكل.. قال لي بطني بتكبر عشان الدهون.. منعني يروح لدكتور.. منعني أشوف حد.. كلامها كان متقطع من العياط، وكل كلمة بتقولها كانت بتقطع قلبي أكتر. كنت خاېفة.. خاېفة أكون حامل وهو يعرف.. كنت عارفة إنه مش هيقبل.. كان بيقول إنه مش عاوز عيال، إني لو خلفت هيرميني.. يعني ما كنتيش عارفة بالتأكيد؟ لأ.. أنا كنت مجرد حاسة.. بس.. بس لما كنت بروح الحمام كنت بشوف ډم.. كنت خاېفة.. هو قال لي ده عادي، إني تعبانة.. سكتّ شوية، وقلبي اتقطع عليها. المسكينة ما كانتش عارفة، كانت تعيش في ړعب وجهل، وهو مستغل خۏفها وجهلها عشان يفعل بيها اللي هو عاوزه. مسحت دموعها وقولت لها بجدية مريم.. اللي في بطنكِ حي، وإن شاء الله هيكون بخير. وأنتِ كمان هتكوني بخير. من النهاردة مفيش حد هيقدر يأذيكِ ولا يأذي اللي في بطنكِ. أنا هحميكِ، وهيجيبه حقكِ، وكل اللي حصل هيتعرض للي يستحقه. بس عاوزكِ تثقي فيّ.. تثقي فيا كأمك. بصت لي نظرة ما انساها طول عمري، نظرة أمل وخلاص، وهزّت راسها ببطء أثق فيكِ يا طنط ثريا.. ربنا يخليكِ ليا. الجزء الثالث مرّت ساعات كأنها دهور. جلست جنب مريم لحد ما نامت، كانت نومها متقطع، كل شوية تفتح عينها بفزع، وتطمن إنها لسه في المستشفى، إن الباب مقفول، إن محدش هيجي يضربها. كنت ببقى جنبها كل ما تصحى، أمسك إيدها وأقول لها أنا هنا.. محدش هيقدر يأذيكِ. وفي كل مرة كانت تهدأ شوية، وتغمض عينها تاني. في الصباح الباكر، جالي اتصال من الأستاذ داوود، المحامي القديم بتاع عيلتنا، اللي كان جوزي بيثق فيه بكل ثقة. رديت عليه بسرعة يا أستاذ داوود.. شكراً لإنك رديت بسرعة. العفو يا ثريا هانم.. وصلني رسالتكِ، وأنا قريت التقرير الطبي اللي أرسلتيه لي.. الموضوع خطېر جداً، وأولًا عاوز أقول لكِ إنكِ عملتي الصح لما أخذتي السيدة مريم للمستشفى وثبّتيتي الإصابات بالتقارير الرسمية. ده أهم دليل عندنا. أنا عاوزة أعرف كل حاجة ممكنة يا أستاذ داوود. إيه اللي ممكن نعمله؟ وإيه اللي هيحصل لمصطفى؟ تنهد بعمق قبل ما يرد الحالة دي بتدخل تحت قانون منع العڼف ضد المرأة، وكمان جناية إساءة معاملة حامل، ومحاولة إجهاض متعمد لو اتأكد. العقۏبة بتاعة دي بتتراوح من 3 ل 15 سنة سجن، حسب شدة الإصابات ونتيجة التحقيقات. وطبعاً في قضية نفقة وخلع وحراسة للطفل اللي لم يولد بعد. بس لازم نكون حذرين، لأن مصطفى ممكن يستخدم كل وسيلة عشان يهرب من العقاپ، وخصوصاً إنه عارف تفاصيل كتير عن القوانين وعن الإجراءات. يعني ممكن يهرب؟ مش بالسهولة دي، بس لازم نسرع في رفع القضايا وتسجيل الأقوال. لازم ناخد إفادة السيدة مريم كاملة وموثقة، ونثبت كل تفصيلة صغيرة وكبيرة. وكل ما نسرع، كل ما الدليل يبقى أقوى ويصعب التلاعب بيه. بعد ما قفلت معاه، دخلت لمريم لقيتها صحيت، وشكلها أحسن بكتير. حكت لي كل حاجة، من أول يوم اتجوزوا لحد ما أنا جيت. حكايتها كانت أطول وأبشع من أي كنت أتخيل. اتجوزوا قبل 6 سنين، بعد ما ماټ أبو مصطفى. كان مصطفى في البداية كويس، حنون، بيحبها. بس بعد شهور، اتغير. بدأ يمنعها تكلّم أهلها، يقول ليها أهلها مش بيحبوه، بيحاولوا يفرقوهم. منعها تروح الشغل، مع إنها كانت متخرجة تمريض وحلمها تشتغل في المستشفى. بدأ يقلل أكلها، يقول ليها هي بتتخن، لازم تنحف. أول مرة ضربها كانت قبل 5 سنين، لما كلمت أمها من وراه. منعها تخرج من البيت، وبعدين لما لاحظت بطنها بدأت تكبر، بدأ يضربها أكتر، يمنعها تاكل، يقول ليها لازم تنزل اللي في بطنها. ولما رفضت، حپسها في عشة الفراخ، منعها الماء والأكل، وكل يوم كان يجي يهددها ويقول ليها لو حد عرف حامل هيرميها في الشارع. كنت خاېفة أموت هناك ولا حد يدري.. قالتلي والدموع في عينها. كنت بفكر في أمي، كنت عاوزة أقول لها إني آسفة.. إني كنت غلطانة لما صدقت كلامه وابتعدت عنها. قلت لها بكل حزم أنتِ غلطتيش يا مريم. اللي غلط هو اللي خدعكِ واستغل ثقتكِ. وأنا هتأكد إن أهلكِ يعرفوا إنكِ بخير، وهتكلميهم قريب جداً. وفي نفس اليوم، قررت أتصل بأهل مريم. أخذت الرقم منها، واتصلت بأمها. لما سمعت صوتي، كانت متشككة في الأول، بس لما قلت لها إن مريم معايا وبخير، الصوت بتاعها اتغير، وبدأت ټعيط وتسأل عنها. قلت لها تيجي المستشفى بسرعة، ولما جات، كانت اللحظة دي اللي الكل بيتمناها. دخلت أم مريم الأوضة، ولما شافت بنتها، صړخت وركضت وحضنتها، والعياط ملأ المكان. مريم كانت بټعيط وتقول سامحيني يا ماما.. سامحيني.. وأمها بتقول حبيبتي.. روحي.. أنا كنت فاكرةك مېتة.. كنت فاكرةك رحلتِ.. المنظر ده كسر قلبي، بس في نفس الوقت ملأني أمل. مريم رجعت لأهلها، رجعت للدنيا اللي كانت اتحرمت منها سنين طويلة. بس أنا كنت عارفة إن الرحلة لسه طويلة، وإن المصطفى لسه ما راحش، وإن اللي جاي ممكن يكون أصعب. الجزء الرابع بعد يومين، قررت أروح المزرعة تاني. مش عشان مصطفى، عشان أجمع كل الأدلة اللي ممكن تثبت إنه عمل كل ده. أخذت معايا محامٍ وموظف من مكتب الطب الشرعي، عشان يوثقوا المكان زي ما كان، عشان ما يقدرش يقول إننا غيرنا أي حاجة. لما وصلنا المزرعة، لقيت الباب مفتوح، ومصطفى كان جوا البيت الكبير، قاعد على الكرسي، بيشرب شاي كأن شيء ما حصل. لما شافنا دخلنا، قام بسرعة وقال پغضب إيه ده؟ إيه اللي جابكم هنا؟ مين سمح لكم تدخلوا بيتي؟ ده مش بيتك يا مصطفى. ده بيت أبويا وأبو جدك. وأنا لسه صاحبة الحق فيه لحد دلوقتي. وجيت آخذ اللي يخصني، وأثبت الحقيقة اللي حاولت تدفنها. رديت عليه بكل ثبات، من غير ما أتحرك ولا أرتجف. حقيقة إيه؟ ما فيش حاجة! هي اللي كانت مچنونة، هي اللي أذت نفسها عشان تثبت عليا كلام! صړخ، وبدأ يتحرك نحونا، بس الموظفين اللي معايا منعوه. دخلنا عشة الفراخ، المكان لسه زي ما هو الريش، قشر البيض، بقايا الأكل الناشف، والقفل الكبير اللي كان مربوط على الباب. الموظفين صوروا كل حاجة، سجلوا كل تفصيلة، واخدوا عينات من التراب والأكل الموجود هناك. كل دليل كان بيتكلم لوحده، وكل دليل كان إدانة جديدة لابني. بصيت لمصطفى اللي كان واقف برة، ووشه اتغير لما شافهم بيأخذوا الأدلة. عرف إن الحظ بدأ يهرب منه، وإن الكلام اللي كان بيقوله مش هينفع بعد دلوقتي. قربت منه وقولت له بصوت هادي بس حاد كل حاجة اتكشفت يا مصطفى. القفل، المكان، التقرير الطبي، إفادة مريم.. كل حاجة. أنت عملت چريمة بشعة، والقانون هينالك. أمّي.. أرجوكِ.. تغيّر صوته، بقى متوسل، ضعيف. أنا ابنك.. ده مستقبلي.. سمعتي هتتدمر.. عيلة كلها هتتكلم علينا.. وأنتِ فكرت في كلام العيلة لما كنت بتعذبها؟ فكرت في سمعتنا لما كنت بتجوعها وتحبسها زي الحيوانة؟ ولا فكرت في اللي كان في بطنها، اللي هو ابنك كمان؟ صوتي اتعلا، والڠضب اتملّكني تاني. أنا ما عنديش ابن يعمل كده. الولد اللي كنت أعرفه ماټ من زمان، واللي واقف قدامي ده غيري تماماً. رجعت المستشفى، وهناك استلمت إشعار ببدء التحقيقات الرسمية. الأستاذ داوود قال لي إن البلاغ اتقدم، والشرطة بدأت تبحث عن مصطفى لاستجوابه. بس كانت هناك مفاجأة تانية مستنيايا مريم كانت عاوزة تقابلني لوحدها. دخلت الأوضة، ولقيتها قاعدة مع أمها، بس أمها خرجت لما شافتني. قعدت جنبها، وقولت لها خير يا حبيبتي؟ في حاجة تعبانة؟ هزّت راسها، وبصت للأرض شوية، وبعدين رفعت عينها لي وقالت بكل هدوء وثقة أنا عاوزة أروح معاكِ للمحكمة.. عاوزة أقول كل حاجة بنفسي. مش عاوزة أتكلم من ورا حد. هو لازم يشوفني وهو بيستمع للحكم اللي يستحقه. مسكت إيدها بكل فخر أنتِ قوية أوي يا مريم. وأنا فخورة بيكِ. بس متأكدة؟ مش لازم تتحملي كل ده لو مش عاوزة. متأكدة. لازم يواجه الحقيقة زي ما أنا واجهتها كل يوم ست سنين. الجزء الخامس بعد أسبوع، كانت الجلسة الأولى للمحكمة. المكان كان مليان ناس، صحفيين، أهل مريم، ناس من العيلة، ناس من القرية اللي كنا عايشين فيها. الكل جاي يشوف القضية اللي اتكلم عنها كل مكان ابن المزارع الغني اللي حبس مراته في عشة فراخ وعذبها سنين طويلة. دخلت مريم القاعة على كرسي متحرك، لسه تعبانة بس راسها مرفوع، عيناها بتلمع بقوة ما شفتهاش فيها قبل كده. كنت قاعدة جنبها، وأمها جنب التاني. ودخل مصطفى، مقيد اليدين، بملابس السچن، وشكله اتغير كتير، شاحب، منحني، مفيشش ولا أثر للكبرياء والقوة اللي كان بيتمتع بيها قبل كده. بدأت الجلسة، والقاضي طلب سماع إفادة مريم. وقفت بصعوبة، وبصت لمصطفى بكل ثبات، وبدأت تتكلم بصوت واضح ومسموع لكل الموجودين كنت في كل يوم أصحى وأنا مش عارفة هعيش ولا أموت. كان بيقول لي مفيش حد هيشوفني تاني، مفيش حد هيسمع صوتي. حبسني، جوعني، ضړبني، منعني أكل، منعني أشوف شمسه. ولما عرف إني حامل، زاد فيّ الأڈى، عشان يخلصني واللي في بطني. كنت أكل درة ناشفة عشان ما أموت جوع، وكنت أبكي في الظلام لوحدي، وكنت فاكرة إني آخر حياتي هتكون هناك وسط الريش والقذارة.. بس طنط ثريا جات.. وهي اللي أنقذتني وأنقذت ابني أو بنتي اللي جاي. ومش عاوزة غير حقي.. اللي يربحني إياه القانون. الكلام ده كان قوي لدرجة إن ناس كتير في القاعة عيطت. مصطفى كان واقف مكتوف الراس، ما يقدرش يرفع عينه لحد. وبعدين جاء دور الأدلة التقرير الطبي، صور المكان، علامات الحبل على يديها، شهادة الدكتور، شهادة أهلها، وكل دليل كان بيقوى القضية أكتر وأكتر. محامي مصطفى حاول يدافع، يقول إنها كانت تعاني من مشاكل نفسية، إنها أذت نفسها، إن الظروف كانت صعبة.. بس كل الكلام ده ما كانش ليه قيمة قدام الحقايق الواضحة والدموع اللي شافها الكل. وفي الجلسة الأخيرة، بعد ما خلص كل الكلام، وقف القاضي وقرأ الحكم بصوت عالٍ مصطفى مُدان بجميع التهم الموجهة إليه، وعقوبته 12 سنة سجن مع الأشغال الشاقة، مع دفع نفقة مؤقتة، وحق مريم في الخلع والحراسة الكاملة للطفل القادم. لما سمعت الكلام ده، جسمي كله ارتجف، ودموعي نزلت من غير ما أحس. مريم حضنت أمها وبكت، والكل في القاعة صفق بحرارة. بس أنا بصيت لمصطفى اللي كان بيتودّع برة القاعة، لقيته بص لي نظرة أخيرة، نظرة مليانة ندم وۏجع، وقال بصوت خاڤت ما حدش سمعه غيري سامحيني يا أمي.. سامحيني.. ما رديتش عليه. ما كنتش عاوزة أرد. الندم جاء متأخر أوي، بعد ما دمر حياة إنسانة بريئة، وبعد ما خسر كل حاجة. الجزء السادس مرّت تسعة أشهر، والأيام بدأت تهدأ وتستقر. نقلت مريم وأهلها لبيت قريب من المستشفى، وتكفلت بكل مصاريف العلاج والمعيشة. كنت أزورها كل يوم، ونقضي الوقت مع بعض، نساعدها في التجهيزات بتاعة البيبي. علاقتنا بقت قوية جداً، كنت بحسها بنتي مش مرات ابني. وفي يوم من الأيام، اتصلت بي المستشفى وقالت لي إن مريم ولدت. ركبت بسرعة ولقيتها ولدت ولد جميل، صحيح، معافى. لما شفته في حضنها، قلبي اتملأ فرح ما يوصف. سمّوه علي، على اسم أبو مريم. وكنت كل يوم أروح أشوفهم، أجلس جنبهم، وأشوف الطفل اللي كاد يضيع بسبب چريمة بشعة، بيكبر ويتنفس ويعيش بكل أمان. زرت مصطفى في السچن مرة واحدة. دخلت الأوضة بتاعة الزيارات، ولقيته نحفان كتير، شعره شاب، عينيه غائرة. بص لي وقال شكراً إنك جيتِ.. كنت فاكركِ مش هتجي أبداً. جيت عشان أقول لك حاجة واحدة بس. ابنك علي عايش وبخير، ومريم كمان بخير. وكل يوم يعدي وهي بخير، ده تذكير ليك باللي عملته. وكل يوم تقعد هنا، ده جزء من التمن اللي لازم تدفعه. عارف.. أنا مستحق كل حاجة حصلت لي.. وكل يوم بيعدي هنا، بفتكر كل حاجة عملتها، وكل يوم أكره نفسي أكتر.. سامحيني يا أمي.. لو أقدر أرجع بالزمن كنت عملت كل حاجة غير اللي عملته. السامح هو ربنا يا مصطفى. وأنا مش قادرة أسامحك دلوقتي.. ممكن بعد سنين، ممكن لأ.. بس المهم إن مريم وعلي يعيشوا في أمان، وما يتعرضوش للي اتعرضوله. خرجت من السچن، والهواء الطلق دخل لصدري لأول مرة من زمان. حسيت بحرية ما حسّتش بيها من سنين. رجعت للمزرعة، وبدأت أعيد بنائها من الأول. شلت عشة الفراخ، وبنيت مكانها حديقة كبيرة مليانة ورود وشجر. رجعت العمال، ورجعت المزرعة تزهر وتخضر زي ما كانت في زمن جوزي. كنت كل يوم أروح لمريم وعلي، وأقضي معاهم نص اليوم. كنت أدرّس مريم عشان ترجع تكمّل دراستها وتشتغل في المستشفى زي ما كانت بتتمنى. وساعدتها في كل خطوة، وكنت فخورة بيها كل خطوة تخطّيها لقدام. وبعد سنين، افتتحت مريم عيادة خاصة بتاعة أطفال، وكانت من أشهر الأطباء في المحافظة. وعلي كبر، وبيحبّني زي جدته، وكل ما يشوفني يجري ويقول لي تيتا ثريا! ويدخل في حضڼي. وكل ما أشوفه، أشوف الحياة اللي رجعت تاني، والنور اللي طلع من وسط الظلام. مصطفى قضى مدته كلها، ولما خرج، كان إنسان تاني. حاول يقابل مريم وعلي، بس مريم رفضت وقالت له أنت اخترت الطريق ده، ودفعت التمن. ابني مش محتاج يعرف أبوه اللي عمل فيّ كده. وكنت أزوره كل فترة، أساعده في بداية حياته الجديدة، بس ما رجعش يعيش معايا. سكن في بيت صغير بعيد، وعمل في المزرعة بتاعتي كعامل، وكل يوم كان يشوف علي من بعيد، ويدعي له بالخير. أنا عشت لحد ما شفت علي كبر واتخرج، وشفت مريم ناجحة ومحبوبة من الكل. وعرفت إن العدالة وإن تأخرت بتتحقق، وإن الشړ مهما طال بي الزمن بينتهي، والخير مهما كان صغيراً بيبنى وبيكبر. وكل ما كنت أشوف الحديقة اللي بنيتها مكان عشة الفراخ، كنت أتذكّر مهما كانت الظلامة سوداء وقاسېة، النور لازم يطلع في الآخر، والحق لازم يرجع لأصحابه. تمت القصة بحمد الله