كنت بشتغل ٢

بعد مرور سنة..

شمس العصرية كانت دافية وجميلة على مينا المكس في إسكندرية.

المكان اتغير تماماً؛ الورشة القديمة المتهالكة اتبنت مكانها أكبر صرح بحري لصيانة وتصنيع مراكب الصيد في المنطقة، مجهزة بأحدث المعدات، ومكتوب عليها بيافطة نحاس ضخمة بتلمع:

“مجموعة الكردي للصناعات البحرية – إدارة المهندسة نورهان حسن”

جوة المكتب الرئيسي اللي بيطل على البحر، كانت نورهان قاعدة ورا مكتب خشب أرو عريض، لابسة عباية إسكندرانية كحلي شيك جداً وطرحة حرير متناسقة، بتراجع دفاتر الحسابات وعقود الصيانة الجديدة، وهيبتها مالية المكان والكل بيعمل لكلمتها ألف حساب.

الباب خبط، ودخل أدهم، لابس بدلة رمادية كلاسيك وبابتسامة هادية كلها وقار. وقف قدام المكتب، حط إيده في جيبه وبصلها بنظرة مليانة فخر واعتزاز:

“يا ساتر على الاندماج.. حتى والناس كلها مستنية برة عشان كتب الكتاب، برضه بتراجعي فواتير المواتير؟”

نورهان رفعت راسها، قفلت الدفتر وابتسمت بكبرياء جميل: “الشغل شغل يا باشا.. والريس حسن الله يرحمه علمني إن القرش الحلال ميتسابش فيه غلطة.”

أدهم قعد على الكرسي قدامها، وبص في عينيها وقال بصدق ونبرة واضحة:

“أنا شوفت في الدنيا دي كتير يا نورهان، وعاشرت أشكال وألوان.. بس من الليلة اللي شيلتيني فيها من قلب النار، عرفت إن مفيش ست على وش الأرض تستاهل تشيل اسمي وتكون شريكة حياتي غيرك. أنتي مش بس أنقذتي روحي.. أنتي رديتيلي عقلي وفهمتيني يعني إيه أصل وجدعنة.”

نورهان بصت لملامحه الصادقة، وحست براحة وأمان كانت بتتمناه طول عمرها. شبكت إيديها على المكتب وقالت بلهجتها البسيطة وابتسامة راضية:

“عيلتك كان فيها مليارات بس كانت ناقصة أمان.. وأنا أماني كان البحر، ودلوقتي كلمتك ورجولتك هما الأمان. بس خليك فاكر شرطي.. الكلمة في الورشة دي كلمتي، وشغل البحر ملوش كبير غير اللي يفهمه.”

أدهم ضحك برجولة وقال باحترام: “وأنا شاري وراضي.. المأذون والشهود مستنيين في القاعة فوق، والريس حسن روحه مرتاحة النهارده.”

قامت نورهان وقفت بكل ثقة وهيبة، ومشيت جنبه خطوة بخطوة، راسهم مرفوعة للسما، وسط فرحة الصيادين وأهل المكس اللي اتجمعوا يباركوا لجواز أدهم الكردي من بنت البحر الجدعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *