انا عمري ١

كان يوسف بيراقبها من ورا النضارة الشمسية، يشوف ضحكتها الرنانة وهي بتجري ورا ابنها، خفة دمها، حنيتها اللي بتوزعها على كل ركن في المكان. كانت بتدخل روحه بالتدريج، زي النور لما يتسلل لأوضة ضلمة بقالها سنين مقفولة.

وفي يوم، كان يوسف قاعد في مكتبه بيمضي أوراق مهمة، الجو برة كان بيمطر بغزارة وصوت الرعد بيهز الشبابيك. فجأة الباب خبط خبطات سريعة ومرتبكة، وقبل ما يلحق يقول “ادخل”، لقى ريتان داخلة ووشها شاحب، وماسكة عمر والولد بيعيط بهستيريا من صوت الرعد.

ريتان اتكلمت بصوت بيترعش: أنا آسفة… والله آسفة إني دخلت من غير إذن، بس النور قطع في أوضتي وعمر بيخاف جدا من الرعد، والمكان هنا فيه المولد الشغال… ملقتش حتة تانية أروحها.

يوسف قفل الملف اللي في إيده بهدوء، وقام من مكانه. مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدامها. ريتان كانت بتترعش هي كمان، كانت خايفة من البرق ومن صوت الرعد، ومش بس عمر.

يوسف مد إيده، ولأول مرة يلمسها هو بإرادته. مسك دراعها براحة، وصوته كان مليان حنية عميقة وغريبة عليه: اهدي يا ريتان… إنتي هنا في أمان، متخافيش.

ريتان رفعت عينيها ليه، شافت في ملامحه نظرة حماية ودفء عمرها ما حست بيهم في حياتها كلها. يوسف نزل على ركبته لمستوى الطفل عمر، وطبطب على خده بحنان مكنش يعرف إنه جواه: متبقاش بطل وبتخاف من شوية صوت يا كابتن؟ الرعد ده السحاب بس بيتكلم بصوت عالي.

الطفل هدي تدريجياً وبص ليوسف بعينيه البريئة، ومسك صباع يوسف الصغير. اللحظة دي كانت زي السحر، ريتان دموعها نزلت من غير ما تحس، ويوسف لما قام ولقى دموعها، مقدرش يمسك نفسه، ومد صباعه مسح الدمعة السايلة على خدها: ليه الدموع دي دلوقتي؟

ريتان قالت بصوت متقطع: محدش حمانا قبل كده… محدش وقف جنبي وجنب ابني بالطريقة دي، أنا كنت دايما لوحدي وبحارب لوحدي.

يوسف قرب خطوة زيادة، عينيه كانت بتحكي كلام كتير ملهوش نهاية، وقال بصوت واطي ومليان مشاعر مكتومة: معدتيش لوحدك يا ريتان. من الليلة اللي سهرتي فيها جنبي ورجعتيلي الحياة، وأنا حاسس إن كل حاجة بملكها ملهاش قيمة لو إنتي مش موجودة فيها. إنتي الوحيدة اللي دخلتي حصوني من غير ما أسمحلك، ودلوقتي… أنا مش عايزك تخرجي منها أبداً.

ريتان قلبها كان بيدق بسرعة جنونية، الحيرة والدهشة والراحة اتجمعوا في صدرها في نفس اللحظة: أستاذ يوسف… إنت رجل أعمال كبير، وأنا مجرد…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *