جوزى طلع

الجزء الرابع
مرت ثلاثة أيام ببطء ثقيل. الكلام انقطع تقريباً بيني

وبين كريم. كان يخرج الصبح بدري ويرجع بالليل متأخر، وعيناه دائماً حمراوان كأنه لم ينم جيداً. كنت ألاحظه من بعيد، وأشعر بصراع داخلي بينه وبين نفسه. هل فعلاً كان يحبني؟ وهل الحب عندهم مش قادر يصمد أمام جشع الأهل؟
في اليوم الرابع، جاءني في غرفة المكتب. وقف عند الباب متردداً، ثم دخل ببطء ويده خلف ظهره
أنا.. كلمت المحامي بتاعي. سألته عن البنود اللي كتبتيها. قال إنها عادلة.. بل وقال إنها حماية لي أنا كمان، لأن الأصول لو بقت مشتركة بشكل سليم، محدش يقدر يستخدمها ضدنا مستقبلاً.
سكت لحظة، ثم أخرج من وراء ظهره ورقة مطوية ومغلفة بملف شفاف
ده توقيعي على الاتفاق الجديد. والورق القديم.. ده انحرق. أنا آسف يا مريم.. كنت أعمى. صدقت كلامهم إن ملكيتك لشغلك هتبقى مصدر قلق لنا. ونسيت إن نجاحك هو نجاحي، وقوتك هي أماننا جميعاً. هل تقبلين اعتذاري؟ بكل صدق؟
بصيت للورق في يده، ثم لعيونه اللي كانت أول مرة أراها صافية ومباشرة من غير خداع
الاعتذار مش بالكلام بس يا كريم. الاعتذار يتحتاج لوقت وتصرفات تثبته. أنا مستعدة أعطيك فرصة.. بس بشروطي. ولو شعرت ولو للحظة واحدة إنك رجعت لطريقة تفكيرهم، سأخرج من حياتك بكل هدوء، ولن تقدر أنت ولا غيرك أن يوقفني. اتفقنا؟
مد لي يده ببطء، ويده كانت ترتجف قليلاً
اتفقنا.. وسأثبت لك إن ثقتك في محلك تماماً.

الجزء الخامس
لم يكن الطريق سهلاً بعد ذلك. صفاء لم تتقبل التغيير بسهولة، وكانت تجد طُرقاً خفية لتعبر عن استيائها نظرات، تعليقات جانبية، محاولات للتدخل في قراراتنا. لكن كريم كان يقف بجانبي في كل مرة، بكل احترام وثبات
يا أمي، مريم شريكة حياتي وقرارها من قراري. ما بينا حدود واضحة، واللي بيننا محترم. من فضلك احترمي ده.
وبمرور الأشهر، بدأت الأمور تتغير تدريجياً. زرت صالات التدريب الخاصة بي، وطلبت من كريم أن يأتي معي مرة. لما دخل الصالة وشفت الفتيات والشباب واقفين يحيونني بكل احترام، ولما شفت كيف كنت أقودهم وأعلمهم، اتكلم بعدها بدهشة حقيقية
ما كنتش أعرف إن عندك هذا التأثير الكبير على الناس. أنتِ مش بس مدربة قتال يا مريم.. أنتِ قدوة لهم. وأنا كنت غبي لما حاولت أصغر من حجمك ومن قيمتك.
وفي أحد الأيام، وبينما كنا نجلس في حديقة المنزل، سألته بكل هدوء
لو رجع الزمن للوراء.. هتعمل الشيء نفسه؟ هتحاول تاخد مني شغلي وأموالي؟
فكر للحظة بجدية، ثم قال بصدق
الصراحة.. ما أعرفش. الخۏف من المستقبل وتأثير كلام الناس كان أقوى مني. بس اللي أعرفه.. إنك غيرتي فيا كثير. علمتيني إن القوة مش في السيطرة على الآخر.. القوة الحقيقية لما تسيب الشخص اللي معاك يكون أقوى ما يمكن، وأنتِ واثق إنه مش هيتخلى عنك. وأنا
واثق فيكِ الآن بكل قلبي.
ابتسمت له، وشعرت بالسلام لأول مرة منذ شهور طويلة. لم أنتصر عليه.. بل ساعدته لينتصر على ضعفه وجشعه. وهذا أعظم انتصار ممكن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *