الخدامة نامت
من موضوع نومها على سرير الشيخ
إيه حكاية الدفتر الأزرق، وإيه اللي حصل للمحاسب اللي اتطرد من القصر؟
الساعة تسعة الصبح بالضبط، كان الشيخ راشد قاعد في مكتبه، وقدامه عم جابر ومريم.
وبعد دقايق، دخل فهد وهو شايل ملف أسود.
سلّم على عمه، وقعد في هدوء.
الشيخ راشد بص للجميع وقال
أنا طلبت الاجتماع ده عشان أعرف حقيقة اللي بيحصل في القصر. ومش هقبل إن أي حد يكدب عليّا، مهما كان منصبه أو قربه مني.
وبعدين وجّه كلامه لعم جابر
عايز كشف المرتبات والخصومات لآخر ست شهور.
عم جابر اتجمد مكانه للحظة، لكنه حاول يخفي ارتباكه.
حاضر يا فندم، هجيبه لحضرتك فورًا.
فهد اتدخل بهدوء
مش محتاج يا عمي. أنا جبت نسخة من الكشف الموجود في الإدارة.
فتح الملف، وحط الأوراق قدام الشيخ.
راشد بدأ يراجع الأرقام، وكل ما يقلب صفحة، ملامحه كانت بتتغير أكتر.
لحد ما وصل لصفحة معينة، وقف عندها وسأل
مين المسؤول عن اعتماد الخصومات دي؟
عم جابر رد بسرعة
الإدارة يا فندم، حسب التقارير اللي بتوصلني.
فهد بص له وقال
غريبة! لأن فيه خصومات اتعملت على موظفين ماكانوش موجودين في القصر أصلًا وقت المخالفات المسجلة عليهم.
عم جابر اتلخبط.
يمكن حصل خطأ في التسجيل!
الشيخ راشد قفل الملف بقوة وقال
ست شهور أخطاء؟ وكل الأخطاء دي في حسابات العاملين الضعاف بس؟
محدش رد.
وفجأة، مريم رفعت إيدها بتردد.
يا فندم، ممكن أقول حاجة؟
الشيخ أشار لها إنها تتكلم.
قالت بصوت هادي
أنا مش فاهمة في الحسابات، بس فيه حاجة شوفتها من يومين. لقيت عم جابر خارج من المخزن القديم ومعاه مفتاح صغير، ولما شافني، قالي إن المكان ده ممنوع حد يقرب منه.
عم جابر انتفض من كرسيه.
إنتِ بتقولي إيه؟! ده مخزن فيه حاجات قديمة ومش من اختصاصك!
الشيخ راشد وقف، وبص له مباشرة.
تمام يا جابر. يبقى مفيش مشكلة إننا نفتحه دلوقتي.
ولأول مرة، عم جابر ماعرفش يرد.
فهد قام من مكانه وقال
المفتاح معايا يا عمي.
طلع مفتاح صغير من جيبه، وحطه على المكتب.
الشيخ راشد أخده، وبعدها خرج الجميع من المكتب واتجهوا ناحية المخزن القديم الموجود في آخر الجناح الشرقي.
كان المكان مقفول من سنين، والتراب مالي الباب، لكن لما فتحوه، ظهرت رفوف مليانة ملفات وصناديق قديمة.
راشد طلب من الجميع يفضلوا بره، ودخل بنفسه مع فهد.
فضلوا يدوروا حوالي عشر دقايق، لحد ما فهد لاحظ صندوق خشب صغير مستخبي ورا خزانة حديد.
فتحه، ولقى جواه أوراق قديمة وصورة جماعية لموظفين القصر.
لكن تحت الأوراق، كان فيه شيء خلّى فهد يبص لعمه بصدمة.
دفتر أزرق صغير، مكتوب على غلافه بخط واضح حسابات القصر سري.
الشيخ راشد مد إيده وفتحه.
أول صفحة كانت فيها أسماء، وتواريخ، ومبالغ مالية، وتوقيعات.
لكن في آخر الصفحة، ظهرت ملاحظة مكتوبة بخط مختلف
الدفعة الأخيرة تم تحويلها بمعرفة الشخص المسؤول عن الإدارة، وبموافقة أحد أفراد العائلة.
راشد قلب الصفحة بسرعة، ولما شاف الاسم المكتوب تحت الملاحظة، اتسعت عينيه.
فهد سأله بقلق
خير يا عمي؟ تعرف الاسم ده؟
الشيخ ما ردش.
فضل باصص للاسم كأنه مش قادر يصدق اللي قدامه.
وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية باب المخزن، حيث كان عم جابر واقف مستنيهم.
وقال بصوت هادي بشكل مخيف
اقفلوا باب القصر كله… محدش يخرج قبل ما أعرف مين اللي عمل كده.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستخبية في آخر الدفتر، في صفحة مكتوب فوقها تاريخ قديم واسم شخص كان الشيخ راشد فاكر إنه مات من سنين!
يتبع…
الجزء الرابع الاسم اللي رجّع الماضي من القبر!
الشيخ راشد كان واقف في نص المخزن، ماسك الدفتر الأزرق بإيد بتترعش رغم محاولته يخفي صدمته.
فهد قرب منه وسأله عمي، إيه اللي مكتوب؟ مين الاسم اللي شفته؟
راشد ما ردش، وقلب للصفحة الأخيرة اللي عليها علامة ورق قديمة.
كان مكتوب فيها
ملف المرحوم سالم الكتبي الأموال المفقودة قبل وفاته بثلاثة أيام.
أول ما قرأ الاسم، الشيخ رجع خطوة لورا، وكأن حد ضربه على صدره.
سالم الكتبي ماكانش مجرد موظف قديم في القصر، ده كان المحاسب اللي أسس معاه أول شركة في حياته، والراجل اللي وقف جنبه لما كان لسه بيبدأ طريقه في التجارة.
قبل خمسة عشر سنة، سالم اتوفى في حادث عربية، وبعد وفاته بفترة قصيرة، اختفت مستندات مهمة من الشركة، واتقال إن فيه عجز مالي كبير حصل بسبب أخطاء في حساباته.
الشيخ راشد وقتها صدّق التقارير اللي وصلته، لكنه عمره ما ارتاح للقصة دي.
والأغرب إن بنت سالم اختفت من حياته تمامًا بعد وفاة أبوها، ومحدش عرف وصلها لفين.
راشد بص لفهد وقال أنا عايز أعرف الدفتر ده وصل هنا إزاي، ومين اللي كان بيحتفظ بيه كل السنين دي.
فهد رد لازم نراجع التواريخ والتوقيعات الأول يا عمي. ممكن تكون أوراق قديمة اتخزنت بالغلط.
لكن الشيخ هز راسه.
لا. الورق ده متخبي جوه صندوق مقفول في مخزن ممنوع حد يدخله. ده مش غلط، يا فهد.
وفجأة، سمعوا صوت عم جابر من بره يا شيخ راشد، فيه حاجة لازم أقولها لحضرتك قبل ما تكملوا!
خرج الشيخ من المخزن، ولقى عم جابر واقف ووشه شاحب.
اتكلم.
عم جابر بص لفهد، وبعدها رجع بعينيه للشيخ.
الراجل اللي حضرتك بتدور على اسمه… أنا شفته من حوالي شهرين.
الصمت سيطر على المكان.
الشيخ راشد قرب منه خطوة.
شفت مين؟
بنت سالم الكتبي يا فندم.
راشد حس إن قلبه وقف لحظة.
إنت متأكد من كلامك؟
أيوه يا فندم. جت القصر وسألت عن حضرتك، لكن حضرتك كنت مسافر. وأنا قلت لها إن مفيش حد يقدر يقابلها من غير ميعاد، وبعدها مشيت.
الشيخ سأله بغضب وليه ما قلتليش؟
عم جابر نزل عينيه.
لأنها قالت إنها مش جاية تطلب فلوس، وإنها هترجع لما يبقى معاها دليل على كلامها.
راشد شد على الدفتر في إيده.
وقالت اسمها إيه؟
عم جابر تردد، وبعدها رد قالت إن اسمها نورة سالم الكتبي.
في أوضة الخدم…
كانت مريم بتحاول تكمل شغلها، لكن تفكيرها كله كان في اللي حصل الصبح.
وفجأة، أمينة دخلت عليها وهي شايلة صينية فاضية.
قالت بصوت واطي مريم، لازم أحكيلك حاجة، بس أوعي تقاطعي كلامي.
مريم بصتلها بقلق.
خير يا خالتي؟
أمينة قعدت جنبها، وطلعت من جيبها صورة قديمة مطوية بعناية.
فاكرة المحاسب اللي قلتلك عليه امبارح؟
مريم هزت راسها.
أمينة فتحت الصورة، وورّتهالها.
كانت صورة لرجل في الخمسينات، واقف جنب الشيخ راشد الشاب، وخلفهم مجموعة من الموظفين.
لكن مريم ما ركزتش في الراجل.
عينيها اتعلقت بالبنت الصغيرة اللي واقفة في الصف الأمامي، ماسكة إيد أبوها.
وشها اتغير فجأة.
يا خالتي… أنا شفت البنت دي قبل كده!
أمينة اتصدمت.
شوفتيها فين؟
مريم أخدت الصورة بإيدها، وقربتها من عينيها.
الصورة دي شبه صورة قديمة عند أمي. أمي عندها صورة لست كبيرة كانت بتساعدنا زمان، وكانت دايمًا تقول إن الست دي أنقذتنا في وقت صعب، وإنها مدينة ليها بحياتها.
أمينة سألتها وإيه علاقة ده بالبنت اللي في الصورة؟
مريم بصتلها بارتباك.
مش عارفة… بس أمي قالت لي إن الست دي كان عندها بنت اختفت وهي صغيرة، وإنها فضلت تدور عليها سنين طويلة.
أمينة سكتت، وبعدها قالت يا مريم، إنتِ لازم تسألي أمك عن الصورة دي.
مريم كانت هترد، لكن صوت جرس الاستدعاء قطع كلامهم.
كان جرس مكتب الشيخ راشد.
وبعد ثواني، دخلت واحدة من العاملات وهي بتقول الشيخ طالب مريم فورًا، وعايز أمينة معاها!
المواجهة اللي محدش كان مستعد لها!
لما مريم وأمينة دخلوا المكتب، لقوا الشيخ راشد قاعد و قدامه الدفتر الأزرق والصورة القديمة.
فهد كان واقف جنب الشباك، وعم جابر قاعد على كرسي بعيد، ساكت تمامًا.
الشيخ رفع الصورة وسأل أمينة الصورة دي تخصك؟
أمينة بصت لها، ووشها اتغير.
أيوه يا فندم. دي صورة قديمة من أيام ما كنت بشتغل في البيت الأول للشيخ.
راشد سألها تعرفي البنت اللي واقفة جنب سالم الكتبي؟
أمينة هزت راسها.
دي نورة، بنته. كانت بنت طيبة، وأبوها كان بيحبها جدًا.
وبعدين بصت لمريم وسألتها إنتِ عرفتي الصورة دي منين؟
مريم حكت لهم عن الصورة اللي عند أمها، وعن الست اللي ساعدت عيلتها زمان.
الشيخ راشد فضل يسمع من غير ما يقاطعها، وبعد ما خلصت كلامها، فتح الدفتر الأزرق على الصفحة الأخيرة.
مريم، أنا مش هتهم حد من غير دليل، لكن فيه احتمال إن الخيط اللي بندور عليه مرتبط بعيلتك.
مريم اتوترت.
بعيلتي أنا يا فندم؟ إزاي؟
راشد رد عشان أمينة قالت إن الست اللي ساعدتكم كانت تعرف سالم الكتبي، وإن بنت سالم اختفت من سنين. وأنا محتاج أفهم العلاقة بين كل الحكايات دي.
مريم هزت راسها بسرعة.
أنا معرفش أي حاجة عن الحسابات دي، يا فندم. كل اللي أعرفه إن أمي عمرها ما حبت تتكلم عن الماضي.
الشيخ راشد سكت لحظة، وبعدها قال يبقى لازم نسمع منها.
مريم طلبت إذن إنها تتصل بأمها، وراشد وافق.
طلعت موبايلها، واتصلت بيها.
أول ما أمها ردت، قالت مريم ماما، محتاجة أسألك عن صورة قديمة عندك، فيها ست وبنت صغيرة…
لكنها ما كملتش جملتها.
لأن صوت أمها اتغير فجأة، وقالت بلهفة إنتِ جبتي سيرة الصورة دي لمين؟!
مريم اتصدمت.
ماما، إنتِ تعرفي البنت اللي فيها؟
أمها فضلت ساكتة ثواني طويلة، وبعدها قالت بصوت مرتعش
اسمعيني كويس يا مريم… لو إنتِ في القصر دلوقتي، ابعدي عن المخزن القديم، وماتخليش حد يعرف إن الصورة دي لسه موجودة!
الشيخ راشد كان سامع الكلام من مكانه، فقام بسرعة وأشار لمريم تحط المكالمة على مكبر الصوت.
لكن قبل ما تلحق تعمل كده، أمها قالت جملة واحدة خلت كل الموجودين يتجمدوا
لأن البنت اللي في الصورة مش نورة سالم الكتبي… دي أختها، اللي كل الناس افتكرت إنها ماتت مع أبوها!
وفجأة، الخط اتقطع.
مريم فضلت باصة للموبايل بذهول، والشيخ راشد وقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه.
أما فهد، فبص للدفتر الأزرق، وبدأ يقلب صفحاته بسرعة، لحد ما لقى اسم تاني مكتوب بخط صغير في الهامش.
اسم بنت…
وتحته جملة قصيرة
تم نقلها إلى مكان آمن بأمر من الشخص الذي لا يجب أن يعرف أحد هويته.
رفع فهد عينيه ناحية عمه، وقال بصوت خافت
عمي… إحنا مش بندور على بنت اختفت من سنين وبس. إحنا بندور على شخص حد من العيلة حاول يخفي وجوده تمامًا!
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت خبطة قوية على باب المكتب.
دخل أحد الحراس مسرعًا، وقال
يا شيخ راشد، فيه ست بره مصممة تقابل حضرتك، وبتقول إن معاها الدليل اللي هيثبت مين سرق أموال سالم الكتبي!
الشيخ راشد وقف فورًا.
اسمها إيه؟
الحارس رد
نورة سالم الكتبي، يا فندم.
لكن قبل ما الشيخ يسمح بدخولها، أضاف الحارس جملة أخيرة
وفيه حاجة غريبة… الست بتقول إنها مش جاية عشان الفلوس. هي جاية عشان تحذر حضرتك من شخص موجود جوه القصر دلوقتي!
راشد بص لفهد، وفهد بص لعم جابر… لكن مريم لاحظت حاجة محدش غيرها خد باله منها أول ما الحارس قال إن نورة جاية تحذر الشيخ، واحد من الموجودين مد إيده بسرعة وخبّى ورقة تحت الملف الأسود!
يتبع…
الجزء الخامس الورقة اللي فضحت أقرب الناس للشيخ!
مريم فضلت باصة للملف الأسود، وعقلها بيحاول يستوعب اللي شافته.
مين اللي خبّى الورقة؟ وليه اتوتر بالشكل ده أول ما عرف إن نورة وصلت القصر؟
ماقدرتش تتكلم فورًا، خصوصًا إن الشيخ راشد كان بيوجه كلامه للحارس.
دخّل الست دي، وخلي الحراسة على باب المكتب. ومحدش يدخل أو يخرج من غير إذني.
الحارس نفّذ الأمر، وبعد أقل من دقيقة، دخلت ست في أواخر التلاتينات، لابسة عباءة سادة، وشايلة شنطة جلد قديمة.
كانت ملامحها هادية، لكن عينيها كان فيهم حزن سنين طويلة.
أول ما شافت الشيخ راشد، قالت
السلام عليكم يا شيخ راشد.
رد عليها وهو واقف
وعليكم السلام. إنتِ نورة بنت سالم؟
هزت راسها.
أيوه. وأنا عارفة إن حضرتك عندك أسئلة كتير، بس قبل أي حاجة، لازم تعرف إن أبويا ما سرقش فلوس الشركة، وإن التهمة اللي اتقالت عليه كانت ملفقة.
راشد أشار لها تقعد.
عندك دليل؟
نورة فتحت شنطتها، وطلعت ظرف بني قديم، حطته قدامه.
دي صور من مستندات أصلية أبويا احتفظ بيها قبل وفاته. فيها تحويلات مالية اتعملت من حسابات الشركة لحسابات تانية، من غير علمه. وفيه كمان خطابات بتثبت إنه اعترض على التحويلات دي قبل الحادث اللي مات فيه.
الشيخ فتح الظرف، وبدأ يقلب الأوراق واحدة واحدة.
كل ما يقرأ صفحة، ملامحه كانت بتزداد جدية.
فهد قرب عشان يشوف المستندات، لكن نورة سحبت ورقة من تحت إيده وقالت
معلش، الورقة دي بالذات لازم الشيخ يشوفها الأول.
فهد رجع مكانه، وحاول يخفي انزعاجه.
الشيخ راشد قرأ الورقة، وبعدها رفع عينيه لنورة.
إنتِ بتقولي إن الشخص اللي كان مسؤول عن التحويلات دي لسه موجود؟
نورة ردت من غير تردد
أيوه يا فندم. وأنا مش جاية أتهم حد بالظن. أنا جاية أطلب إن حضرتك تراجع سجلات الشركة بنفسك، لأن فيه مستندات اتغيرت بعد وفاة أبويا، وفيه توقيعات مش بتاعته.
راشد قفل الظرف وقال
ليه استنيتي كل السنين دي؟
نورة بصت للأرض لحظة، وبعدها ردت
لأني كنت صغيرة لما أبويا مات، وماكانش معايا فلوس ولا نفوذ. وكل ما أحاول أوصل لحقيقة اللي حصل، ألاقي حد بيقفل الباب في وشي. ولما عرفت إن بعض الأوراق لسه موجودة في القصر، رجعت أدور عليها.
وبعدين بصت ناحية عم جابر.
وللأسف، أول مرة جيت هنا، الشخص اللي منعني من مقابلة الشيخ كان هو نفسه اللي كان مسؤول عن حفظ الملفات.
عم جابر اتحرك في كرسيه بتوتر.
أنا كنت بنفذ التعليمات يا فندم!
راشد رد بحدة
محدش اتهمك لسه يا جابر. لكن من