الخدامة نامت
كل السنين دي؟
منصور هز راسه ببطء.
أيوه. لكن المشكلة مش في الاسم الجديد… المشكلة إن المكان اللي اتنقلت ليه الطفلة، اختفى من السجلات الرسمية بعد فترة قصيرة.
الشيخ راشد سأله وإنت عرفت الكلام ده منين؟
منصور رد لأن الشخص اللي استلم الطفلة، سلّمني أنا نسخة من الأوراق قبل ما يختفي.
وبعدين بص لمريم، وقال جملة خلتها تحس إن حياتها كلها على وشك تتغير
وأنا لما شوفتك أول مرة في القصر يا مريم، افتكرت إن ملامحك مألوفة… لكن ماكنتش أتخيل إنك ممكن تكوني المفتاح اللي هيوصلنا لليلى.
مريم رجعت خطوة لورا.
أنا؟! إزاي؟
منصور مد إيده ناحية الصورة، وأشار لطفلة صغيرة كانت واقفة جنب ليلى في صورة تانية جوه الظرف.
الطفلة دي كانت لابسة سلسلة فضة صغيرة، فيها تعليقة على شكل نجمة.
مريم شهقت، وحطت إيدها على رقبتها.
لأنها كانت لابسة نفس السلسلة من يوم ما أمها ادتهالها وهي صغيرة.
أمها أول ما شافت السلسلة، قعدت على الكرسي وهي بتعيط.
يا رب استر… أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
لكن قبل ما تشرح أي حاجة، منصور بص للشيخ راشد وقال
يا راشد، لازم تعرف إن الطفلة اللي أبوك حاول يحميها ما كانتش ليلى وحدها… كان فيه طفلة تانية معاها، والاتنين اتفصلوا عن بعض في نفس الليلة.
والأخطر من كده، إن الورقة اللي في إيد نورة ما بتقولش مين أخد الطفلة التانية…
لكن بتقول إن الشخص ده كان واحد من أفراد عيلة الكتبي نفسها!
يتبع…
الجزء السابع مريم مش مجرد خدامة في القصر!
الأوضة كلها غرقت في صمت تقيل.
الشيخ راشد كان واقف قدام منصور، وعينيه معلقة بالصورة اللي في إيده، بينما مريم حطت إيدها على السلسلة اللي في رقبتها، وكأنها خايفة حد يمد إيده وياخدها منها.
نورة قربت من مريم، وبصت للتعليقة الفضية.
ممكن أشوف السلسلة دي؟
مريم اترددت، وبعدين فكّتها من رقبتها وادتهالها.
نورة قلبتها بين صوابعها، ولما شافت العلامة الصغيرة المحفورة على ظهر النجمة، شهقت.
يا نهار أبيض! العلامة دي كانت موجودة على سلسلة أختي ليلى!
مريم هزت راسها وهي مش قادرة تستوعب.
أمي قالتلي إن السلسلة دي كانت بتاعة واحدة ساعدتنا زمان، وإنها احتفظت بيها لحد ما كبرت وادتهالي. أنا عمري ما عرفت إنها مرتبطة بعيلة الكتبي!
أم مريم بدأت تعيط، والشيخ راشد قرب منها وقال
يا أم مريم، أنا مش هضغط عليكي، لكن لازم نفهم. إنتِ تعرفي إيه عن الطفلتين دول؟
الست مسحت دموعها، وقعدت وهي بتاخد نفسها بصعوبة.
من خمستاشر سنة، كنت بشتغل في بيت قديم تابع للعيلة. في الفترة دي، حصلت مشاكل كبيرة بعد وفاة سالم الكتبي، ووالدة نورة كانت خايفة على بنتيها من إنهم يتاخدوا منها.
نورة قاطعتها بلهفة
أمي كانت عايزة تحمي ليلى؟!
أيوه يا بنتي. لكنها ما كانتش واثقة في كل اللي حواليها. كان فيه شخص بيقول إنه بيساعدها، وفي نفس الوقت كان بيطلب منها توقّع أوراق من غير ما تقراها.
الشيخ راشد عقد حواجبه.
مين الشخص ده؟
أم مريم بصت لمنصور، وبعدها قالت
أنا ما شفتش وشه بوضوح في الليلة دي. لكني سمعت اسم خالد أكتر من مرة.
راشد اتجمد.
خالد كان اسم والده، اللي توفى من سنين طويلة.
لكن منصور رفع إيده وقال
استنى يا راشد. اسم خالد كان اسم شخص تاني كمان في الشركة، ومش كل ورقة عليها الاسم ده معناها إن والدك هو اللي وقّعها.
راشد أخد نفس طويل.
عندك حق. مش هتهم أبويا ولا أي حد قبل ما نتأكد.
وبعدين التفت لمريم.
السلسلة دي، هل عندك أي حاجة تانية ورثتيها من والدك أو والدتك ومش عارفة أصلها؟
مريم فكرت شوية، وبعدها قالت
فيه علبة صغيرة عند أمي، فيها صورة قديمة ومفتاح نحاس. أمي عمرها ما سمحتلي أفتحها، وكانت بتقول إن الوقت المناسب لسه ما جاش.
منصور رفع رأسه بسرعة.
مفتاح نحاس؟ شكله إيه؟
مريم وصفته، ووش منصور اتغير.
لازم نشوف المفتاح ده.
المفتاح اللي فتح باب الحقيقة
أم مريم قامت ودخلت أوضتها، ورجعت بعد دقايق وهي شايلة علبة خشب صغيرة.
فتحتها وطلعت مفتاح نحاس قديم، مربوط بخيط أحمر باهت.
منصور أول ما شافه، قعد على الكرسي ببطء.
ده مفتاح خزنة الأرشيف القديمة.
الشيخ راشد سأله
أنهي أرشيف؟
أرشيف الشركة الأول، قبل ما تنقلوا المكاتب للمبنى الجديد. كان فيه خزنة صغيرة في غرفة السجلات، محدش كان بيفتحها غير والدك والمحاسب سالم.
نورة قربت من المفتاح.
يعني ممكن يكون جواه دليل يثبت براءة أبويا؟
منصور رد بحذر
ممكن. لكن لازم نروح نشوف إذا كانت الخزنة لسه موجودة، وإذا كان محتواها اتغير.
الشيخ راشد وقف فورًا.
هنروح دلوقتي.
فهد، اللي كان ساكت طول الوقت، اتكلم لأول مرة
عمي، أنا شايف إننا نبلغ المحامي الأول، ونخلي أي فتح للخزنة بحضور شهود.
راشد بص له بإعجاب بسيط.
كلامك صح. مش هنكرر أخطاء الماضي، ومش هنعتمد على كلام أي حد من غير دليل.
وبالفعل، اتصل بمحاميه وطلب منه يجهز الإجراءات اللازمة لمراجعة الأرشيف وحفظ أي مستندات قديمة.
لكن قبل ما يخرجوا من البيت، موبايل نورة رن.
كانت مكالمة من رقم مجهول.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت رجل بيقول بسرعة
لو إنتِ لسه في بيت مريم، ماتروحيش الأرشيف القديم. فيه حد سبقكم للمكان، وبيحاول يوصل للملفات قبل ما توصلوا!
نورة قامت من مكانها.
مين معايا؟ وإنت عرفت منين إننا رايحين هناك؟
لكن الخط اتقفل.
راشد طلب من فهد يتصل بالحراسة، ويطلب منهم يتأكدوا إن المبنى مؤمّن قبل ما يتحركوا.
وبعد حوالي عشر دقايق، وصلهم رد الحارس
يا فندم، فيه عربية واقفة قدام المبنى من بدري، وجواها شخص رافض ينزل أو يعرّف نفسه.
الشيخ راشد بص لمنصور.
منصور قال بجدية
يبقى لازم نعرف مين سبقنا.
المفاجأة داخل الأرشيف
وصلوا للمبنى القديم، وكان المحامي في انتظارهم مع مسؤول الأمن.
الباب الخارجي كان مقفول، لكن مفيش أي آثار اقتحام واضحة.
مسؤول الأمن فتح لهم، ودخلوا غرفة السجلات.
الرفوف كانت مليانة ملفات قديمة، والأرض عليها طبقة خفيفة من التراب.
منصور مشي لحد آخر الغرفة، ووقف قدام خزانة حديد كبيرة.
الخزنة كانت ورا الخزانة دي.
بمساعدة الحارس، حرّكوا الخزانة، وظهرت خزنة صغيرة مثبتة في الحائط.
راشد أخد المفتاح من مريم، ووقف لحظة قبل ما يحطه في القفل.
لو لقينا أوراق تثبت إن حد من العيلة ظلم سالم، هنتعامل مع الحقيقة زي ما هي، مهما كانت صعبة.
وبعدين فتح الخزنة.
جواها كان فيه ثلاثة ملفات، وصندوق معدني صغير، ومظروف عليه اسم سالم الكتبي.
نورة مدت إيدها ناحية المظروف، لكن المحامي طلب منها تستنى لحد ما يصوروا كل حاجة ويسجلوا الموجودات.
وافقوا، وبدأوا يفحصوا الملفات واحدة واحدة.
الملف الأول كان فيه حسابات قديمة.
والتاني كان فيه خطابات متبادلة بين سالم ومنصور.
أما الملف التالت، فكان عنوانه
حماية القاصرين سري للغاية.
راشد فتحه، ولقى أوراق تخص نقل طفلتين من مكان لمكان، لكن صفحات مهمة كانت ناقصة.
فهد قال
واضح إن حد شال أجزاء من الملف عمدًا.
المحامي أشار لورقة موجودة في آخر الملف.
لكن الصفحة دي ممكن تكون مهمة. فيها رقم تسجيل قديم وعنوان مؤسسة كانت مسؤولة عن رعاية الأطفال وقتها.
منصور قرب، وقرأ العنوان.
وفجأة، حط إيده على جبينه.
أنا أعرف المكان ده… دي كانت دار رعاية في مدينة تانية، واتقفلت من سنين.
نورة سألته
يعني ممكن نعرف ليلى راحت فين؟
منصور رد
لو سجلات الدار لسه موجودة، ممكن نعرف مين استلم الطفلة، أو على الأقل نعرف اسم العيلة اللي أخدتها.
راشد قفل الملف بعناية.
يبقى ده أول طريق حقيقي للحقيقة.
لكن في اللحظة دي، فهد لاحظ إن الصندوق المعدني الصغير كان مفتوحًا، رغم إن القفل بتاعه سليم.
قرب منه، ولقى جواه صورة واحدة، متنية من النص.
فتحها ببطء.
كانت صورة لرجل شاب واقف جنب طفلة صغيرة، وعلى ظهر الصورة مكتوب
تم التسليم بناءً على طلب ابن أخي.
فهد قرأ العبارة بصوت مسموع.
الشيخ راشد بص للصورة، وبعدها مد إيده وأخدها.
الرجل اللي في الصورة كان والده.
أما الطفلة، فكان على معصمها سوار فضي عليه نفس العلامة الموجودة في سلسلة مريم.
راشد رفع عينيه ناحية مريم، وقال بصوت مبحوح
أنا بدأت أفهم ليه أبويا كان محتفظ بكل الأوراق دي… لكنه ما سابش أي تفسير.
مريم سألته
يعني أنا ممكن أكون من عيلة الكتبي؟
الشيخ ما استعجلش في الرد.
ممكن يكون فيه رابط بين عيلتك والطفلتين، لكن السلسلة والصورة وحدهم مش كفاية. لازم نعرف الحقيقة من السجلات والشهود.
وفجأة، المحامي لاحظ ورقة صغيرة ملزوقة تحت غطاء الصندوق المعدني.
فكّها بحذر، وقرأ المكتوب فيها
إذا وصلتم إلى هنا، فابحثوا عن السجل الأصلي في دار الرعاية. اسم الطفلة الثانية لم يُسجّل باسمها الحقيقي، لكن الشخص الذي استلمها وقّع باسمه كاملًا.
وفي أسفل الورقة، كان فيه اسم واضح.
فهد راشد الكتبي.
المكتب كله سكت.
فهد نفسه رجع لورا خطوة، وبص للصورة كأنه بيشوفها لأول مرة.
ده مش توقيعي… أنا أصلًا ماكنتش اتولدت وقتها!
الشيخ راشد بص له بصدمة، وبعدها قال
الاسم ده مش اسمك الكامل يا فهد. ده اسم أبوك، راشد فهد الكتبي… أخويا الكبير.
نورة حطت إيدها على بقها.
منصور غمّض عينيه، وكأنه كان خايف من اللحظة دي من سنين.
أما مريم، فبصت للسلسلة اللي في إيدها، وبدأت تفهم إن القصة مش مجرد طفلتين اختفوا من زمان.
لكن قبل ما الشيخ راشد يسأل منصور عن أخوه، وصل إشعار على موبايل فهد من رقم مجهول، فيه صورة حديثة لست واقفة قدام بوابة دار الرعاية القديمة، وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزين تعرفوا ليلى فين، اسألوا الست دي… لأنها عارفة مين هي مريم الحقيقية.
فهد رفع عينيه ببطء ناحية مريم.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونها.
كانت أمها بتتصل، وصوتها في الرسالة الصوتية اللي سابتها كان مرتعش
يا مريم، مهما حصل، أوعي تصدقي أي حد يقولك إن أبوكي مات من غير ما تعرفي الحقيقة كاملة… لأن فيه سر عن وفاته أنا مخبياه عنك من يوم ما كنتِ طفلة.
ولأول مرة، مريم حسّت إن كل اللي عرفته عن حياتها ممكن يكون مجرد نص الحكاية!
يتبع…
النهاية الحقيقة اللي رجّعت كل حق لأصحابه!
مريم فضلت واقفة في مكانها، ماسكة الموبايل، ومش قادرة تستوعب رسالة أمها.
أبوها اللي عاشت سنين فاكرة إنه مات من غير ما يسيب وراه غير الذكريات، كان فيه سر متعلق بوفاته محدش قالها عليه!
الشيخ راشد لاحظ ارتباكها، فقال بهدوء
يا مريم، مهما كانت الحقيقة، مش هتواجهيها لوحدك. إحنا وصلنا لحد هنا، ولازم نكمل للآخر.
مريم بصت له وقالت
أنا مش عايزة فلوس ولا قصر يا فندم. أنا عايزة أعرف أنا مين، وليه كل الأسرار دي مستخبية عني!
رد راشد بحزم
وده حقك.
السر الأخير في دار الرعاية
بعد يومين من التحقيقات ومراجعة المستندات، سافر الشيخ راشد ونورة ومريم وفهد، ومعاهم المحامي، لدار الرعاية القديمة.
المكان كان اتحوّل لمبنى إداري، لكن الأرشيف الأصلي لسه محفوظ في مخزن تابع للمؤسسة.
بعد مراجعة سجلات قديمة، وصلوا لملف باسم طفلة اتسجلت بهوية مؤقتة، وكان معاها تقرير بيقول إنها اتنقلت للمؤسسة بعد خلافات عائلية خطيرة.
والأهم، إن الملف كان فيه صورة للسيدة اللي ظهرت في رسالة فهد.
كانت اسمها سعاد، ممرضة متقاعدة اشتغلت في الدار سنين طويلة.
لما قابلُوها، فضلت باصة لمريم وقت طويل، وبعدها دموعها نزلت.
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي… إنتِ كبرتي يا بنتي.
مريم قربت منها بلهفة.
حضرتك تعرفيني؟
سعاد هزت راسها.
أيوه. أنا اللي استقبلتك وإنتِ طفلة صغيرة، وجابك راجل قال إنه قريبك، وإنه عايز يحميكي لحد ما المشاكل تهدى.
الشيخ راشد سألها
مين الراجل ده؟
سعاد طلعت صورة قديمة من ملفها، وقدمتها له.
كان الرجل هو راشد فهد الكتبي، أخو الشيخ راشد الأكبر.
لكن المفاجأة إن مريم ما كانتش بنت نورة أو أخت ليلى.
كانت بنت سالم الكتبي من زوجته الأولى، اللي توفت بعد ولادتها بوقت قصير، واتربت بعيد عن باقي العيلة بعد خلافات كبيرة على الميراث.
أما ليلى، فكانت بنت سالم من زوجته التانية، وبالتالي أخت مريم من الأب.
نورة بصت لمريم واحتضنتها وهي بتعيط.
يعني طول السنين دي كنت بدور على أختي، وهي كانت قدامي من غير ما أعرف!
مريم حضنتها بقوة.
وأنا طول عمري كنت فاكرة إني لوحدي!
لكن لسه كان فيه سؤال مهم ليه مريم اتنقلت لدار الرعاية؟
سعاد وضحت إن عمها، راشد فهد، كان خايف إن النزاع على الميراث يعرّض الطفلة للخطر. فرتّب انتقالها لمكان آمن، وبعدها طلب من أم مريم تتولى رعايتها لما الظروف تسمح.
لكن للأسف، مات عمها قبل ما يقدر يكشف الحقيقة كاملة، وضاعت المستندات وسط النزاعات العائلية.
أما أبو مريم، فكان رجلًا بسيطًا اتجوز أمها بعد سنوات، وربّاها بحب كأنها بنته، من غير ما يستغل أصلها أو حقها في الميراث.
ولما توفى، احتفظت أمها بالأوراق لأنها كانت خايفة إن كشف الحقيقة يعرّض بنتها للأذى.
مين سرق أموال سالم الكتبي؟
رجعوا القصر، ومعاهم نسخ موثقة من السجلات.
المحامي كان راجع الحسابات القديمة، واكتشف إن فيه تحويلات مالية غير قانونية تمت عن طريق شركة وسيطة كان مسؤول عنها مدير مالي سابق، بالتعاون مع شخص من الإدارة.
والدفتر الأزرق كان بيوثق جزءًا من التحويلات، لكن مش كل التفاصيل.
بعد مراجعة التوقيعات والمستندات، اتضح إن عم جابر كان بيخفي الملفات خوفًا من خسارة شغله، وإنه نفّذ تعليمات المدير المالي السابق من غير ما يعرف حجم التلاعب بالكامل.
أما منصور، فاعترف إنه اختفى بعد ما اكتشف مخالفات مالية، خوفًا من تهديدات وصلته، لكنه أخطأ لما سكت كل السنين دي وما رجعش يواجه الحقيقة.
الشيخ راشد ما اكتفاش باعترافاتهم، وسلّم المستندات للجهات المختصة، وبدأت مراجعة قانونية مستقلة لكل الحسابات.
وبعد شهور من التحقيق، ثبتت
براءة سالم الكتبي من تهمة السرقة، واتكشف جزء كبير من الأموال اللي اتسحبت من الشركة بطرق غير قانونية.
عم جابر خسر منصبه بعد ثبوت مخالفاته الإدارية، لكنه ما اتعاقبش لمجرد كلام الناس؛ كل إجراء اتاخد ضده كان بناءً على الأدلة.
والشيخ راشد أعلن قدام أفراد العيلة كلها
من النهارده، محدش هيتظلم عشان ضعيف أو فقير، ومحدش هيخسر حقه عشان شخص عنده نفوذ.
مريم ترجع للقصر… لكن المرة دي بشكل مختلف
بعد ما ظهرت الحقيقة، الشيخ راشد طلب من مريم تقابله في مكتبه.
قال لها
إنتِ ليكي حقوق قانونية في تركة والدك، وهنخلي محامي مستقل يشرح لك كل حاجة، من غير ما تضطري تعتمدي على كلامي أو كلام أي فرد من العيلة.
مريم بصت له وقالت
شكرًا يا فندم، لكن أنا عايزة أكمل تعليمي وأشتغل. مش عايزة حياتي كلها تتحدد بالفلوس.
ابتسم راشد لأول مرة من قلبه.
وده قرارك، وأنا هحترمه.
مريم ما رجعتش تشتغل خدامة في القصر.
الشيخ عرض عليها وظيفة إدارية تناسب مؤهلاتها بعد ما تكمل تدريبها، لكنها أصرت الأول إنها تتعلم المحاسبة وتفهم حقوقها كويس.
وبمساعدة نورة، بدأت تدرس وتتعلم، وبعد فترة بقت بتشتغل في مؤسسة خيرية مستقلة بتساعد أبناء العاملين البسطاء في التعليم والتدريب المهني.
أما نورة، فاستعادت اسم أبوها وسمعته، وقررت تخصص جزءًا من نصيبها القانوني لإنشاء منحة تعليمية باسمه.
والشيخ راشد غيّر نظام العمل في كل قصوره، ووضع قواعد واضحة لساعات العمل والراحة والأجور، وفتح باب الشكاوى أمام العاملين من غير ما يضطروا يخافوا من الانتقام.
بعد سنة كاملة…
في ذكرى وفاة سالم الكتبي، اتجمعوا كلهم في الحديقة الكبيرة قدام القصر.
نورة كانت واقفة جنب مريم، والاتنين حاطين ورد أبيض قدام صورة أبوهم.
الشيخ راشد قرب منهم وقال
أبوكم كان يستحق إن الحقيقة تظهر من زمان.
مريم ردت
الحقيقة اتأخرت، لكن المهم إنها ظهرت.
وبعدين بصت للسرير اللي بدأت عنده الحكاية كلها، وافتكرت الليلة اللي نامت فيها من شدة التعب، وهي مرعوبة من إنها تخسر شغلها.
ابتسمت وقالت للشيخ
فاكر أول ليلة قابلتني فيها؟
ضحك راشد وقال
أفتكرها إزاي؟ لقيتك نايمة على سريري، وبدل ما ألاقي مشكلة بسيطة، اكتشفت إن القصر كله محتاج يتصلح!
ضحكوا كلهم.
لكن مريم قالت بجدية
أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إني أخسر شغلي. ماكنتش أعرف إن الليلة دي هتخليني أعرف عيلتي، وأرجع حق أبويا، وأبدأ حياة جديدة.
راشد رد
ساعات موقف صغير بيكشف حاجات كبيرة، بس المهم إننا نعرف نتصرف صح لما الحقيقة تظهر.
وفي اللحظة دي، دخلت أم مريم الحديقة، واتجهت لبنتها واحتضنتها طويلًا.
مريم همست لها
أنا مسامحاكي يا ماما. عارفة إنك كنتِ خايفة عليّا.
أمها بكت وقالت
كنت نفسي أحميكي من كل حاجة، بس ماكنتش أعرف إن السكوت هيوجعك بالشكل ده.
مريم مسحت دموعها وقالت
خلاص يا ماما… إحنا هنبدأ من جديد.
وبين ضحكاتهم ودموعهم، كانت مريم أخيرًا حاسة إنها مش مجرد بنت بتجري طول اليوم عشان تحافظ على أكل عيشها.
بقت إنسانة عرفت أصلها، واستعادت حقها، واختارت بنفسها الطريق اللي عايزة تكمل فيه حياتها.
أما الشيخ راشد، ففضل طول عمره فاكر الليلة اللي رجع فيها القصر الساعة تلاتة الفجر، ولقى خدامة نايمة على سريره… لأنها كانت الليلة اللي اكتشف فيها إن أغلى حاجة ممكن يخسرها الإنسان مش فلوسه ولا قصوره، لكن عدله وثقته في الناس.
وتمت الحكاية.