ست غنية
لمحة نيوز
تانية.
قالت بسرعة أنا مالي بالكلام ده؟ أنا مش مسؤولة عن حسابات المؤسسة!
ماركوس هز راسه وقال أنا لسه ما اتهمتش حد بحاجة. أنا بس بسأل، لأن اسمك موجود على خطاب رسمي باعتبارك المسؤولة عن متابعة مبادرة التبرعات في الشركة.
إستيلا حسّت إن كل العيون بقت عليها.
حاولت تمسك نفسها وقالت ده كان شغل إداري، وفيه موظفين كتير بيشاركوا فيه. لو فيه مشكلة، تتراجع عن طريق الإدارة والقانون، مش بالطريقة دي!
ماركوس رد عندك حق. وأي مخالفة لازم تتراجع بشكل رسمي، ومحدش هيتحكم على حد من غير أدلة.
وبعدين قفل الملف للحظة، وقال لكن فيه حاجة تانية لازم تحصل النهارده.
إستيلا بصتله بحذر إيه هي؟
ماركوس نادى مدير المطعم، وطلب منه يجهّز وجبة كاملة للورديس، ومعاها مشروب بارد وحلوى، وبعدها طلب منه يتأكد إن فيه عربية توصّلها لبيتها بأمان.
لورديس اعترضت بخجل لا يا ابني، أنا أقدر أروح لوحدي. متتعبش نفسك عشاني.
ماركوس مسك إيدها وقال إنتِ تعبتي كتير عشان غيرك، وجِه الوقت اللي حد يهتم بيكي فيه.
وبالفعل، اتحط قدامها الأكل، لكن قبل ما تمد إيدها للشوكة، ماركوس لاحظ إنها بتبص ناحية إستيلا.
فسألها مالك يا لورديس؟
اترددت شوية، وبعدين قالت أنا مش زعلانة عشان الفلوس ولا عشان الأكل. أنا زعلانة عشان افتكرت أيام زمان، لما كنت بشتغل طول النهار عشان أوفّر لقمة عيش، وكان فيه ناس بتعاملني كأني أقل منهم لمجرد إني فقيرة.
ماركوس حس بوجع في قلبه.
لأنه كان فاكر الأيام دي كويس، وكان عارف إن لورديس نفسها اتعرضت لمواقف صعبة كتير، ومع ذلك عمرها ما قست على حد محتاج.
أما إستيلا، فكانت بتسمع كل كلمة، وبدأ الغضب يسيطر عليها.
قالت بصوت عالي خلاص بقى! كل ده عشان ست قاعدة بره؟ إنتوا بتتكلموا عني كأني مجرمة!
ماركوس قام من مكانه وقال محدش قال إنك مجرمة. لكن فيه فرق كبير بين إنك تحاسبي على تصرفك، وبين إننا نتهمك بحاجة من غير دليل.
وبعدين أضاف وبالنسبة لعقد شركتك، أنا هطلب مراجعة مستقلة للمستندات قبل ما ناخد أي قرار. لو كل حاجة سليمة، محدش هيظلمك. ولو فيه مخالفات، هتتعامل الجهات المختصة معاها.
إستيلا حسّت إن آخر ورقة كانت بتعتمد عليها بدأت تقع من إيديها.
لكن قبل ما ترد، موبايلها رن.
بصت للشاشة، ولما شافت اسم المدير التنفيذي لشركتها، وشها اتغيّر.
ردت بسرعة أيوه، أستاذ ريكاردو؟
جالها صوته غاضب من الناحية التانية إنتِ فين يا إستيلا؟! إحنا بقالنا ساعة بندوّر عليكي! وصلنا خبر إن فيه مشكلة في ملف التبرعات، وإن ماركوس طلب مراجعة كل المستندات قبل توقيع العقد!
إستيلا بصت لماركوس بصدمة، وبعدها همست أنا في مطعم كازا دورو… بس الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم.
المدير قاطعها اسمعيني كويس. فيه موظفة قديمة اتواصلت معانا النهارده، وقدّمت مستندات جديدة تخص المبادرة دي. وبتقول إنها مستعدة تشهد بكل اللي تعرفه.
إستيلا حست إن نفسها اتسحب منها.
وسألته بصوت بالكاد طالع اسمها إيه؟
سكت المدير ثانيتين، وبعدين قال اسمًا خلّى إستيلا تمسك الموبايل بإيد مرتعشة.
لأن الاسم ده كان لواحدة إستيلا كانت متأكدة إنها عمرها ما هترجع تظهر في حياتها تاني!
والصدمة الأكبر؟ إن الموظفة دي كانت على بُعد دقائق من المطعم، ومعاها مستند ممكن يغيّر مسار التحقيق كله!
إستيلا رفعت عينيها ناحية ماركوس، ولأول مرة من ساعة ما دخلت المكان، مكنتش عارفة تقول أي كلمة.
يا ترى مين الموظفة اللي ظهرت فجأة؟ وإيه اللي معاها، واللي إستيلا كانت بتحاول تخبيه من سنين؟
يتبع…
الجزء الرابع
دخلت المطعم وهي فاكرة إنها صاحبة الكلمة العليا، لكن بعد دقايق قليلة، شافت قدامها الست اللي كانت فاكرة إنها اختفت من حياتها للأبد!
إستيلا قفلت المكالمة، وإيديها بتترعش.
حاولت تقنع نفسها إن الموضوع ممكن يتلم، وإن الموظفة اللي اتكلم عنها مديرها مش معاها حاجة تثبت أي اتهام.
لكن ماركوس لاحظ خوفها، فقال بهدوء
واضح إن المكالمة دي ضايقتك جدًا يا إستيلا. فيه حاجة تحبي توضحيها؟
ردت بسرعة مفيش حاجة! دي مشاكل شغل، وأنا هحلّها بنفسي.
ماركوس هز راسه، ورجع قعد جنب لورديس.
كانت الست الكبيرة بدأت تاكل أخيرًا، لكن كل شوية كانت تبص لماركوس وكأنها لسه مش مصدقة إن الطفل اللي كانت بتطعمه زمان بقى راجل ناجح بالشكل ده.
قالتله بابتسامة حزينة عارف يا ماركوس؟ أنا عمري ما كنت مستنية منك حاجة. حتى لما كنت بديك الأكل، كنت بقول لنفسي إن ربنا هو اللي هيعوضني.
ماركوس ضغط على إيدها بحنان ويمكن ربنا عوضك النهارده بأننا اتقابلنا تاني.
لورديس ابتسمت، لكن ابتسامتها اختفت لما لاحظت إن إستيلا واقفة بعيد عنهم، بتتكلم في التليفون بعصبية وبتتحرك رايح جاي.
وفجأة، باب المطعم اتفتح.
دخلت ست في أواخر الأربعينات، لابسة ملابس بسيطة، وشايلة شنطة جلد قديمة. كانت ملامحها مرهقة، لكن نظرتها ثابتة، وكأنها أخيرًا قررت تواجه حاجة فضلت تهرب منها سنين.
أول ما إستيلا شافتها، شهقت وقالت بصوت واطي
مارتا؟!
الست وقفت مكانها، وبصتلها مباشرة.
أيوه يا إستيلا. أنا مارتا.
إستيلا قربت منها بسرعة، وحاولت تتكلم بصوت منخفض بعيد عن باقي الزباين.
إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ مش إحنا اتفقنا إن الموضوع ده اتقفل من زمان؟
مارتا بصتلها باستغراب وقالت إحنا؟! إنتِ اللي قررتي إن الموضوع يتقفل، لكن أنا فضلت سنين شايلة ذنب إني سكتّ.
إستيلا مسكت دراعها وقالت بحدة وطّي صوتك! إنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه!
مارتا سحبت دراعها بهدوء لأ، أنا فاهمة كويس. وعشان كده جيت.
في اللحظة دي، ماركوس قام من مكانه، وقرّب منهم.
حضرتك مارتا؟ أنا ماركوس ألبوكيركي، صاحب المطعم. اتفضلي، اقعدي، وإحنا هنسمع كلامك بكل احترام.
مارتا شكرتُه، وقعدت على الترابيزة المقابلة لإستيلا.
فتحت شنطتها وطلعت ملف بلاستيك قديم، جواه مجموعة أوراق وصور من مستندات مالية.
وقالت أنا اشتغلت في قسم الحسابات بالشركة اللي مدام إستيلا بتشتغل فيها لمدة سبع سنين. وكنت مسؤولة عن تسجيل التبرعات اللي الشركة بتقدمها للمؤسسات الخيرية.
إستيلا قاطعتها وإنتِ مشيتي من الشركة من سنين! إيه اللي يخلي كلامك دلوقتي له أي قيمة؟
مارتا ردت بثبات عشان أنا مش جاية أتهمك وخلاص. أنا جاية أقدّم مستندات لازم تتراجع.
حطت أول ورقة قدام ماركوس.
كان فيها جدول بالتبرعات اللي اتجمعت لمؤسسة الرحمة، وتواريخ التحويلات، وأرقام الإيصالات.
وبعدها طلعت ورقة تانية.
دي نسخة من تقرير داخلي قدمته للإدارة وقتها. التقرير كان بيشير لوجود اختلافات بين المبالغ المسجلة والمبالغ اللي وصلت للمؤسسة.
ماركوس بص في الأوراق باهتمام، لكنه ما استعجلش في إصدار أي حكم.
سألها هل عندك ما يثبت إن الاختلافات دي كانت بسبب تصرف شخص معين؟
مارتا هزت راسها.
عندي مراسلات إدارية بتوضح مين كان مسؤول عن اعتماد بعض المعاملات، وعندي نسخة من رد الإدارة على التقرير. لكن أنا محتاجة إن حد مختص يراجع كل ده بشكل رسمي، لأن فيه تفاصيل أنا معرفش تفسيرها الكامل.
إستيلا حاولت تضحك بسخرية يعني كل اللي معاكي مجرد ورق محتاج مراجعة؟ ده مش دليل على إن حد عمل حاجة غلط!
مارتا بصتلها وقالت صحيح. الورق لازم يتراجع، وأنا عمري ما قلت غير كده. لكن السؤال هو ليه التقرير اللي قدمته وقتها اختفى من ملف المراجعة؟ وليه اتطلب مني أسحب كلامي قبل ما أسيب الشركة؟
الهدوء سيطر على المكان.
ماركوس التفت لإستيلا، لكنه ما اتهمهاش.
قال دي أسئلة لازم الإدارة تجاوب عنها، والمستندات تتفحص بمعرفة جهة مستقلة.
وبعدين طلب من مدير المطعم يتواصل مع المستشار القانوني للشركة، عشان يتحدد الإجراء المناسب لحفظ المستندات ومراجعتها، من غير ما حد يضغط على أي شاهد.
إستيلا كانت واقفة مشدودة الأعصاب، وفجأة قالت لمارتا
إنتِ مش عارفة إنك بتدمري مستقبلي؟ أنا اشتغلت سنين عشان أوصل للمكانة اللي أنا فيها!
مارتا ردت بصوت حزين وأنا كمان اشتغلت سنين. خسرت شغلي وسمعتي المهنية لما حاولت أعمل اللي اعتبرته صح. أنا مش عايزة أدمّر مستقبلك، أنا عايزة الحقيقة تظهر.
وبعدين أضافت عارفة إيه اللي وجعني أكتر من كل اللي حصل؟ إني كنت فاكرة إنك هتراجعي نفسك في يوم من الأيام، وتفهمي إن الناس اللي ملهاش نفوذ مش معناها إن حقوقها سهلة تضيع.
الكلام ده خلّى لورديس ترفع عينيها من على الترابيزة.
كانت بتسمع كل حاجة، وفجأة قالت بصوت هادي
يا بنتي، الفلوس ممكن تخلّي الواحد يعيش مرتاح، لكن عمرها ما هتخليه أكبر من غيره.
إستيلا بصتلها بعصبية، لكن لورديس كمّلت
أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة أشوفك بتخسري شغلك. أنا بس نفسي في يوم تبصي لحد محتاج، وتفتكري إنه إنسان، حتى لو مش هيقدر يقدم لك أي مصلحة.
للحظة، إستيلا ما لقتش رد.
كانت متعودة إن الناس يا إما تجاملها، يا إما تخاف من نفوذها. لكن لورديس، رغم كل الإهانة اللي اتعرضت لها، مكنتش بتطلب الانتقام منها.
وده كان أصعب عليها من أي كلام قاسي.
وفجأة، موبايل مارتا رن.
بصت للشاشة، وردت، وبعد ثواني وشها اتغير.
قالت إنت متأكد من الكلام ده؟… طيب، ابعتلي نسخة من المستند، وأنا هراجعها مع المحامي.
قفلت المكالمة، وبصت لماركوس.
فيه تطور جديد. المحاسب السابق للمؤسسة وافق يسلّم نسخة من كشف الحسابات الأصلي، اللي اتعمل وقت مراجعة التبرعات.
ماركوس سألها وإيه المختلف في الكشف ده؟
مارتا فتحت شنطتها تاني، وطلعت ورقة صغيرة كانت محتفظة بيها وسط المستندات.
وقالت لأن الكشف الأصلي فيه توقيعات واعتمادات مش موجودة في النسخة اللي اتقدمت للإدارة وقتها.
إستيلا رجعت خطوة لورا.
مارتا بصتلها، وبعدها وجّهت كلامها لماركوس
وفيه اسم واحد بالذات لازم تتأكدوا من هويته قبل ما تستنتجوا أي حاجة.
ماركوس مد إيده وأخد الورقة.
قرأ الاسم مرة.
وبعدين رجع قرأه تاني.
وشه اتغيّر، ولأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، بان عليه إنه اتفاجئ فعلًا.
لأن الاسم اللي كان مكتوب على الورقة ما كانش اسم إستيلا!
كان اسم شخص من الإدارة العليا، شخص ماركوس نفسه كان بيثق فيه، وكان هو السبب الرئيسي في ترشيح الشركة للعقد الجديد!
ماركوس رفع عينيه لمارتا وسألها
إنتِ متأكدة إن التوقيع ده موجود في الكشف الأصلي؟
ردت أنا متأكدة إن النسخة اللي شفتها كانت فيها التوقيع. لكن لازم الأصل يتراجع ويتأكدوا من صحته.
ماركوس قفل الملف ببطء.
دلوقتي الموضوع مبقاش مجرد تصرف مهين صدر من إستيلا، ولا حتى اختلافات مالية محتاجة تفسير.
بقى فيه احتمال إن شخصًا صاحب نفوذ يكون له دور في إخفاء الحقيقة، وإن العقد اللي كان على وشك توقيعه ممكن يكون اتبنى على معلومات ناقصة.
لكن قبل ما ماركوس ياخد أي قرار، مارتا قالت جملة أخيرة خلّت إستيلا تنهار على الكرسي
فيه حاجة تانية لازم تعرفها يا ماركوس… لورديس نفسها ممكن تكون عندها معلومة مهمة عن بداية الحكاية دي، من غير ما تكون تعرف أي حاجة عن التبرعات!
ماركوس بص للورديس باستغراب.
ولورديس فضلت ساكتة لحظات، وبعدها فتحت شنطتها القديمة، وطلعت منها ظرف بني باين عليه إنه محتفظ بيه من سنين طويلة.
وقالت بصوت مرتعش
أنا عمري ما تخيلت إن الظرف ده هييجي يوم ويبقى له علاقة بكل اللي بيحصل…
يا ترى إيه اللي جوه الظرف؟ وإزاي لورديس ممكن تكون مرتبطة ببداية الحكاية من غير ما تعرف؟
يتبع…
الجزء الخامس
الظرف القديم اللي لورديس احتفظت بيه سنين، كشف سر محدش في المطعم كان مستعد يسمعه!
كل العيون اتعلّقت بالظرف البني اللي لورديس كانت ماسكاه بإيديها المرتعشة.
ماركوس قرّب كرسيه منها وقال بحنية
افتحيه يا لورديس، وخدي وقتك. محدش هيضغط عليكي.
لورديس هزّت راسها، وبدأت تفتح الظرف بحذر، كأنها خايفة من الذكريات اللي مستخبية جواه.
طلّعت منه صورة قديمة، وخطاب مكتوب بخط الإيد، وورقة مطوية بعناية.
بصّت للصورة، وابتسمت ابتسامة حزينة.
الصورة دي بقالها أكتر من عشرين سنة… كنت محتفظة بيها عشان بتفكرني بأيام صعبة، لكن في نفس الوقت بتفكرني إن ربنا ساعات بيبعت لنا ناس نقدر نساعدهم، حتى لو إحنا نفسنا محتاجين المساعدة.
ماركوس أخد الصورة منها، وأول ما شافها، اتسعت عينيه.
كانت صورة لمبنى قديم، قدامه مجموعة أطفال، ولورديس واقفة بينهم وهي أصغر بسنين كتير.
وفي آخر الصورة كان فيه راجل لابس بدلة، واقف جنب باب المبنى.
ماركوس