العربية بلعت الأسفلت بسرعة، وسليم كان سايق باحتراف بين الشوارع الجانبية لحد ما قربنا من منطقة وسط البلد. المباني القديمة كانت بتطل علينا بظلامها، والهوا الساقع كان بيلسع الوش. سليم وقف العربية في حتة ظلام ورا جراج قديم، بعيد عن عيون الحراسة اللي كانت منتشرة حوالين المخزن الكبير. فؤاد فتح باب العربية بهدوء، ونزل وهو بيظبط جاكيته ومس\دسه في جنبه. بص لينا أنا وسليم وقال بصوت حاسم: — الخطة واضحة. سليم، هتقطع كاميرات التأمين من اللوحة الخلفية للمخزن، وشروق... قاطعته وأنا بفتح باب العربية بنظرة ثابتة: — مش هقعد في العربية يا فؤاد. أنا عارفة المداخل الخلفية للمباني دي أكتر من أي حد، وكنت بفكك مواسير وكابلات فيها قبل كده. أقدر أدخلكم من السطح من غير ما حد يحس بينا. فؤاد بص لي بثواني من الصمت، كأنه بيوزن كلامي، وبعدين لمعت في عينه نظرة إعجاب وابتسم ابتسامة خفيفة وسط الظلمة: — تمام يا شروق... يبدو إن الشارع فعلًا بيطلع أبطال. يلا بينا. اتحركنا تلاتتنا بحذر شديد، قربنا من سور المخزن الخلفي. السكون كان بقطعو صوت الرياح، والدرج الحديدي المؤدي للسطح كان مصدي بس متين يكفي نطلع عليه من غير ما نعمل أي صوت. سليم سبقنا بخطوات خفيفة وفتح باب السطح الصغير بمفتاح سحري جابه معاه، ودخلنا كلنا جوه المبنى... وهنا بدأت المعركة الحقيقية. نزلنا ورا سليم على سلم الخدمة الضيق، الحديد بتاعه كان بيصدر طقطقة خفيفة خلتنا نقف ونمسك أنفاسنا لحد ما العدة هديت. سليم وقف قدام باب صغير بيوصل لغرفة التحكم، وفي ثواني معدودة، قطع الكهرباء والكاميرات عن الجناح الخلفي للمخزن. — تمام، كده عيونهم اتعمات في الناحية دي. — قالها سليم بصوت واطي وهو بيبص لفؤاد بتركيز. نزلنا دور كمان، وابتدينا نسمع أصوات جاية من الدور اللي تحت: ضحكات خشنة، وصوت كاسات بتخبط في بعض، وأصوات رجالة عماد وهم بيحتفلوا بنفوذهم الجديد وسلطتهم اللي لسه طازة. وصلنا لممر طويل نصه منور بنور أصفر ضعيف. قدام باب مكتب كبير في آخر الممر، كان فيه حارسين واقفين، ماسكين س\لاحهم بكسل وباين عليهم الملل من السهرة والبرد. فؤاد أشر لنا نقف في الظل. من غير ما يفكر ثانية، اتحرك بخطوات سريعة وخفيفة زي الأشباح. قبل ما الحارس الأول يلحق يلف، كانت إيد فؤاد حوالين رقبته بحركة خاطفة كسر فيها مقاومته، وفي نفس اللحظة سليم كان خلص على الحارس التاني بحركة احترافية من غير ما يصدروا أي صوت. سحبنا الاتنين ورا باب أوضة جانبية فاضية، وخدنا نفسنا بصعوبة بالغة. فؤاد ظبط مس\دسه، وبص للباب الخشبي الكبير اللي قدامنا، اللي وراه صوت عماد وهو بيقول بصوت عالي واثق ومليان غرور: — "خلاص يا رجالة.. فؤاد انتهى، ومن بكرة السوق كله وبضاعته هتكون في إيدينا لوحدنا، ومحدش يقدر يفتح بوقه!" فؤاد ضحك ضحكة قوية وباردة هزت حوائط الممر، وبإشارة قوية منه، دفش الباب برجله بعنف لحد ما انفتح على مصراعيه بصوت مرعب سمّر الكل في مكانه! #حكايات_شروق_خالد الصدمة نزلت على الكل كالصاعقة. الكاسات وقعت من إيدين الرجالة وانكسرت على الأرض، وعينين "عماد" اتسعت لحد ما كادت تجحظ من مكانها وهو باصص للباب بذهول مرعب، كأنه شايف شبح طالع من القبر. — فؤاد؟! الكلمة طلعت من زوره مهزوزة ومكسورة وسط سكوت تام جه في الأوضة. البشاشة والغرور طاروا في ثانية، وحل محلهم رعب حقيقي وهو شايف فؤاد واقف قدامه بكامل هيبته وعنفوانه، ومس\دسه موجه ناحيته مباشرة، وسليم وأنا واقفين في ضهره زي حراس الموت. فؤاد مشي خطوتين ببطء وثبات، صوت جزمه على الأرض كان هو الصوت الوحيد الموجود في الأوضة، وبص لعماد بنظرة باردة تحرق الزلط: — مفاجأة مش كده يا عماد؟ شكل السلخانة كانت أضيق بكتير من إني أموت فيها لوحدي. عماد بلع ريقه بصعوبة وحاول يتماسك، ومد إيده ببطء ناحية س\لاحه اللي على الترابيزة قدامه، بس فؤاد كان أسرع. طاخ! رصاصة نزلت حفرت في الترابيزة على بُعد سنتيمترات من إيد عماد، وخلته يشيل إيده فوراً وهو بيرتجف. — لو فكرت بس تلمس الس\لاح، الرصاصة الجاية مش هتكون في الخشب يا عماد. — قالها فؤاد بصوت حاسم وقاطع زي السيف. رجالة عماد وقفوا مكانهم مچمدين، مش عارفین يتحركوا ولا يرفعوا س\لاح، خصوصاً لما شافوا سليم موجه س\لاحه عليهم هما كمان. عماد حاول يتكلم وصوته بيترعش: — فؤاد.. اسمعني.. اللعبة... اللعبة كلها كانت... قاطعه فؤاد وهو بيقرب منه لحد ما وقف فوق دماغه تماماً: — اللعبة خلصت يا عماد.. ودلوقتي، جه وقت الحساب. عماد كان عرقان بغزارة، والدم نشف في عروقه. بص حواليه على رجالته اللي كانوا واقفين مش عارفین يعملوا إيه، وكل واحد فيهم بيدور على طريقة يخلّص بيها نفسه بعد ما شافوا فؤاد اللي كانوا فاكرين إنه مات، واقف قدامهم كأنه شبح انتقام. — رجالتك اللي واقفين دول يا عماد... — قال فؤاد بصوت هادي ومرعب — مفكرين إنهم بيبعوا ويشتروا مع راجل خلص، لكنهم ماعرفوش إن فؤاد الروبلي مبيقعش بالضربة القاضية بسهولة. واحد من رجالة عماد الكبار بلع ريقه بصعوبة، وببطء شديد فتح إيده وس\لاحه وقع على الأرض بصوت معدني مكتوم. وبعده التاني والتالت، لحد ما الصالة كلها بقت مليانة بصوت الس\لاح وهو بيترمي واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم بيبعد خطوة للورا خوفاً من غضب فؤاد. عماد حس إن الخناقة انتهت وإن الكفة مالت تماماً، فوقع بضهره على الكرسي ووشه أصابه الشحوب، وقال بصوت مكسور ومرتجف: — عاوز إيه يا فؤاد؟ الشغل... الصفقات... الفلوس كلها تحت إيدك، هسيبلك كل حاجة بس... بس سيبني عايش. فؤاد قرب منه أكتر، ووطى لحد ما بقى في مستوى وشه، وبص له بابتسامة ساخرة وباردة: — الفلوس والشغل يرجعوا أصحابهم يا عماد، بس خيانتك دي ملهاش تمن غير الحساب. سليم.. اربطه كويس، وخلّي الرجالة دي تفهم مين صاحب البيت الحقيقي. سليم اتحرك فوراً، وبحركة سريعة ومحترفة كتف عماد على الكرسي بحبل قوي، وبص لباقي الرجالة بحسم وقال بصوت قاطع: — من اللحظة دي، اللي هيفكر ينطق بحرف أو يعمل حركة زيادة، نهايته هتكون جنب عماد. سودت لحظة صمت في الأوضة، وبعدين فؤاد لف ناحيتي وبص لي بنظرة كلها تقدير واحترام، وابتسم وقال: — شكراً يا شروق.. دخلتي السلخانة الصبح شابة غلبانة بتدور على لقمة عيشها وسط السقيع، وخرجتي بطلة وقفت في وش العاصفة ورجعتني للحياة. من اللحظة دي، مفيش برد ولا شقاء تاني.. حقك واصل وزيادة. بصيت له وقلبي ارتاح، وحسيت إن كل الليالي الصعبة اللي قضيتها في الشارع والشتا والمباني المهدومة مكنتش غير اختبار لطريق أطول وأقوى. ابتسمت له وقلت بصوت واثق: — الشارع علمني إزي أستحمل البرد يا فؤاد.. بس الأهم إني عرفت إني أقدر أكون جزء من حكاية تخلص بانتصار. رهان على الحياة.. حكايات شروق خالد